إنصافا للعدالة..

24/08/2016 - 11:50:29

  سناء السعيد سناء السعيد

بقلم : سناء السعيد

لفت نظرى الحكم الذى حكمت به محكمة الجنايات فى دبى بالإمارات مؤخرا بالاعدام على متهم باغتصاب وقتل طفل أردنى مع إلزام المتهم بدفع التعويضات المدنية، الجريمة المذكورة وقعت فى إمارة الشارقة فى مايو الماضى ليصدر الحكم على المتهم بعد شهرين ونصف الشهر وطبقا للقوانين الإماراتية ينفذ حكم الاعدام على المتهمين المدانين فى الدولة رميا بالرصاص. كان المتهم فى القضية المذكورة قد اختطف الطفل من أمام جراج والده بهدف الاعتداء عليه جنسيا. وبعد مقاومة الطفل قام المتهم بقتله ورميه فى منطقة صحراوية. أثلج حكم الاعدام صدرى حيث نال المجرم العقاب الذى يستحقه.


أسوق هذه الواقعة لأن نفس الجريمة تحدث مرارا فى مصر وينتظر المرء صدور الحكم الرادع، بيد أن الشهور وربما السنوات تمضى دون صدور الحكم الشافى. ولاشك أن بطء التقاضى يفاقم مشكلة التحرش الجنسى ويزيد من معدلات أعمال العنف الجنسى التى وصلت إلى مستويات وبائية مع تراجع آمال تحقيق العدالة لضحايا هذه الحوادث، كما أن بطء التقاضى تنجم عنه ثقافة الافلات من العقاب الأمر الذى يعزز موجة تكرار الاعتداء. لقد تفاقمت مشكلة بطء التقاضى حتى وصل الحال ببعض المنازعات لتظل مطروحة أمام القضاء لعقد من الزمان. ولا يغيب عن أى فطن أن لهذه المشكلة تأثيرا كبيرا على الحياة الاقتصادية وتؤدى إلى تقلص الاستثمار المحلى والأجنبى فى مصر. كما تؤثر على الحياة الاجتماعية، وعلى حقوق وحريات المواطن، وكذلك على الجانب الأمنى، فتأخر الفصل فى القضايا قد يدفع ببعض أصحاب الحقوق المغتصبة إلى العنف لاسترداد حقوقهم.


ويعد بطء التقاضى ظاهرة سلبية إلى أقصى حد، رغم أن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد استقر على أن يتم الفصل فى كل دعوى خلال مدة معقولة، لأن ذلك لايعتبر ملائما فقط بل لأن المدة المعقولة تعد من الشروط التى يتطلبها الدستور فى المحاكمة المنصفة والتى تمتد ضوابطها إلى كل خصومة قضائية، سواء أكان موضوع النزاع مدنيا أم جنائيا. ولا شك أن المرء يأمل من خلال تواتر أحكام المحكمة فى هذا الاتجاه أن يستقر هذا المعنى تماما. ذلك أن الناس لا يلجأون إلى القضاء إلا لانصافهم، ويجب أن يكون معلوما أن الخصومة التى يستغرق الفصل فيها أمدا غير معقول تعد تجاوزا للمتطلبات الدستورية التى تقتضيها المحاكمة المنصفة. لا سيما أن الناس لا يقصدون المحاكم عبثا أو لهوا ولكنهم يلجأون إليها للحصول على حقوقهم، فإذا أنصفتهم كانت تلك هى الترضية القضائية التى قررها الدستور والتى يتعين أن تصاحبها الوسائل اللازمة لتنفيذها جبرا. ولابد أن يؤخذ فى الاعتبار بأن ظاهرة بطء التقاضى تحول دون التقدم والتنمية، فالقضاء يجب أن يكون فى طليعة اهتمامات الدولة بحيث تعمل على حل كل مشاكلاته حتى لاتضيع هيبته.


وقد يتساءل البعض هل يمكن أن يكون الدستور أحيانا معوقا؟ قديما قالوا لو أن قاضيا كان فى يده أكثر النصوص تزمتا وكان متحررا لاستطاع عندئذ أن يطوعها إلى منطق الفكر الأكثر تقدما، فليس العيب فى النصوص ذاتها ولكن العيب فى القضاة الذين يطبقونها، لأنهم يستطيعون دائما أن يكونوا أكثر ثراء وعمقا وأكثر إيمانا بهذه الأمة. أى أن عليهم أن يطوعوا الاحكام بالقدر اللازم لتحقيق هذه الآمال. وشرط هذا ألا يكون النص الوارد فى الدستور جامدا. حتى إذا كان عصيا على التأويل استحال على القاضى عندئذ أن يفعل شيئا.


أما الأساس القضائى فهو نابع من الضمير والالتزام بالنصوص القضائية ولهذا يؤثر البعض اليوم وجوب الارتكاز على الشريعة كمعيار للتشريع. ولا أدرى السبب فى تخوف الدولة من تطبيق الشريعة الاسلامية لا سيما أنه فى فترة ما وأثناء رئاسة الدكتور «صوفى أبو طالب» لمجلس الشعب عرضت القضية وتم بحثها ووضعت التقنيات لها. ومشروع التقنيات هذا موجود فى مجلس الشعب. بل إن مجمع البحوث الاسلامية تطوع وجهز مجموعة أخرى من التشريعات قدمها على المذاهب المختلفة لتكون تحت أمر المشرع عندما يريد أن يختار قانونا من القوانين أو نصا من النصوص.


أيا كان يظل الأمر متروكا إلى ضمير المشرع وإلى المعايير والقيم التى ينبغى له أن يلتزم بها، فلا يجوز أن يفرط فى حق لأحد أو أن يسلط مواطنا على غيره. ذلك أن العدل إذا اختل فسدت الحياة بكل أشكالها، ولم يعد لأحد أن يطمئن على شىء فيها، ولهذا فإن رجل القانون يظل حريصا على تطبيق العدالة ولا يعنيه فى النهاية إلا أن يؤدى عملا يقربه إلى وجه الله تعالى..