«عورة منظومة العلاج»

24/08/2016 - 11:47:43

  عبد اللطيف حامد عبد اللطيف حامد

بقلم - عبداللطيف حامد

مأساة أحمد ابن محافظة كفر الشيخ، الذى لا يتجاوز عمره الثلاثة عشر عاما، وصارع الأمواج والأهوال فى خضم البحار على زورق مطاطى للمهاجرين غير الشرعيين، لا يحمل من حطام الدنيا سوى شهادة طبية تشخص حالة شقيقه فريد المصاب بمرض السرطان اللعين، لا يريد الثراء السريع، ولا الحياة الكريمة فى دول الاتحاد الأوربى، بل كل أمله أن يوفر نفقات علاج أخيه المسكين حتى وصل إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية لا يجب أن تمر مرور الكرام.


من الخطأ أن نكتفى حكومة وشعبا بمصمصة الشفاه، وعمل المشاركات والإعجابات على مواقع التواصل الاجتماعى حتى تصعد إلى السطح حالة أسوأ تنسينا ما سبق كالعادة، فآفة حارتنا النسيان، كما رددها الأديب العالمى نجيب محفوظ، فى سطور روايته «أولاد حارتنا»، فهذا لن يغير من حال منظومة الصحة والعلاج فى مصر التى تحتاج للنسف، ووضع استراتيجية للإصلاح تكتسح فى وجهها كل مسئول لا يؤدى عمله على الوجه الأكمل، ويعمل بكل السبل على توفير الدواء والخدمة الطبية بشكل لائق ومحترم دون وساطة أو محسوبية، وبلا تأخير فالمرض لا يرحم، والألم لا ينتظر الروتين والإهمال.


قصة أحمد وأخيه فريد كشفت بوضوح ـ لا يخفى أصلا على أحد ـ «عورة منظومة العلاج» فى مصر، فهذا الطفل لو وجد طبيبا أو مدير مستشفى فى محافظته بكل مستشفياتها العامة والحكومية ما ألقى بنفسه إلى التهلكة بحثا عن مستشفى أو مركز طبى فى إيطاليا، وهو يدرك رغم حداثة سنه أنه قد يسبق شقيقه إلى دار الحق تاركا دار الباطل بكل سوءاتها، وهمها، مقبلا على الموت السريع تجنبا للموت البطىء كمدا وحزنا على العذاب والمشقة فى عيون ابن أمه، وهو لا يقدر على فعل شىء.


المفترض أن هذا الطفل، صاحب الإحساس والشهامة، التى تفوق بها على الكثير من أطباء ومسئولى الصحة لو شعر بأنه سيجد أى تجاوب أو مساعدة فى مستشفياتنا سواء فى كفر الشيخ أو غيرها لسارع إليها بدلا من شد الرحال إلى إيطاليا متوسلا لسلطاتها لتساعده فى علاج شقيقه، وكما توقع تناولت الصحف الإيطالية قصته تحت عنوان «بطل لامبيدوزا الصغير»، وبعد يومين فقط عرض مستشفى كاريجى فى فلورنسا استقبال شقيقه ومعالجته، وهنا أجد نفسى مضطرا إلى لفت الانتباه إلى الحالات، التى لا تمل ولا تكل الصحف والقنوات المصرية فى الحديث عنها ليلا ونهارا، ولا حياة لمن تنادى سواء من المستشفيات العامة أو الخاصة، وعلى ما يبدو أننا أصبحنا من طينة أخرى من البشر غير أهالى الدول الغربية رغم ما نتشدق به من تدين ظاهرى، وتكافل وتراحم لا يسمن ولا يغنى من جوع، ولا يجيب مضطرا، ولا يكشف سوءا عما ينادى فى غالبية وسائل الإعلام طالبًا المعونة والشفاء.


أما عن مسؤولينا فحدث ولا حرج، فبينما تحرك رئيس بلدية فلورنسا السابق، رئيس الوزراء الحالى، ماتيو رينزى طالبا من السلطات المختصة مساعدة هذا الطفل البرىء، صاحب المطلب العادل إنسانيا رغم مخالفته للقانون، فالذوق القانونى والرحمة يسبقان النصوص والعقوبات، مع إقامة جسر جوى لنقل المريض وأسرته إلى إيطاليا، وتولى هيئة خاصة بالمهاجرين القاصرين غير المرافقين استقبال أحمد قرب فلورنسا، لكن لدينا المسئولين خصوصا فى قطاع الصحة ـ إلا ما رحم ربى ـ بلا قلوب، ولا يقومون بالدور المطلوب منهم بما يرضى الله، فهم لا يرون، ولا يسمعون، ولا يتكلمون رغم صرخات وآنات المرضى، التى لا تتوقف، ويفترشون الأرض، وينتظرون الدور بالأسابيع والشهور وأحيانا بالسنوات، فيأتى الأجل قبل تحديد موعد الجراحة المطلوبة، وتسمع عويل النساء مع توديع المرضى واحدا تلو الآخر دون أن يحرك الأمر شيء لدى الأطباء والممرضين ورؤساء الأقسام والمديرين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


والقول الفصل أن أحمد وأخاه مجرد حالة من ملايين المصريين البسطاء والفقراء الذين يذوقون الأمرين فى رحلة البحث عن الشفاء، يبيعون كل ما يملكون رغم أنه مجرد سقط متاع، ويتوسلون للقريب والغريب على السواء للمعونة فى حين أن الحق فى العلاج مكفول بالدستور والقانون، والتخلى عنه يفقد الانتماء والولاء للوطن، فمتى نرى مشروع التأمين الصحى الشامل والمحترم وليس مجرد كلام والسلام؟ والله أعلم.