طلعت حرب.. فى الليلة الظلماء يفتقد البدر

24/08/2016 - 11:44:04

  محمد حبيب محمد حبيب

بقلم: محمد حبيب

تمر هذا الشهر الذكرى الخامسة والسبعون على رحيل الاقتصادى الكبير طلعت باشا حرب، والذى رحل عن دنيانا فى ١٣ أغسطس ١٩٤١، وطلعت باشا حرب هو شخصية نفتقدها بشدة فى هذه الأيام الصعبة، فهو شخصية ينطبق عليها المثل العربى القائل”فى الليلة الظلماء يفتقد البدر”.


نفتقد شخصية طلعت حرب، ونتمنى أن يجود الزمان علينا بشخصية مثل شخصيته العظيمة فى الاستقلال الوطنى، والاعتماد على الذات، والاهتمام ببناء نهضة صناعية معتمدا على السواعد المصرية وأموال المصريين من دون الحاجة إلى الاستدانة من الخارج، نحتاج لشخصية اقتصادية لديها رؤية شاملة ومتكاملة للأوضاع الاقتصادية وآليات الخروج منها، مثلما فعل طلعت باشا حرب الذى قام بدراسة متكاملة للأوضاع الاقتصادية السائدة أنذاك وآليات الخروج منها والتى وضعها فى كتابه (علاج مصر الاقتصادى الصادر عام١٩١٣)، والذى أشار فيه إلى ضرورة إنشاء بنك وطنى مصرى برؤوس أموال مصرية وموجه لخدمة مشروعات وطنية، وبالتالى كان من المساهمين الأوائل فى بنك مصر الذى افتتح عام ١٩٢٠ لكسر احتكار الأجانب للبنوك ولتوجيه الاستثمارات فى مشاريع تستفيد منها مصر، ويعتبر إنشاء بنك مصر برأس مال وطنى خالص وخبرة وطنية خالصة من المعالم الكبرى فى تاريخ مصر الاقتصادي، وذلك لأن إنشاء هذا البنك لم يكن الهدف منه أن يكون بنكا تجاريا فحسب، بل إن الهدف الرئيسى كان إنشاء كيان قوى يعد كشركة قابضة للمؤسسات المصرية وأن يكون القوة المحركة لقطاع صناعى حديث ولهذا أنشأ مجموعة من الشركات فى مجالات عديدة كالغزل والنسيج والنقل والتأمين والسينما.


اهتم طلعت حرب بقضايا مصر الاقتصادية، وكان شديد العداء للهيمنة الاقتصادية الأجنبية، فرأى مساوئ احتكار الأجانب للصناعة والاقتصاد المصري، وعمل على تحرير الاقتصاد المصرى من التبعية الأجنبية وساهم فى تأسيس بنك مصر والعديد من الشركات العملاقة التى تحمل اسم مصر مثل شركة مصر للغزل والنسيج، ومصر للطيران، ومصر للتأمين، ومصر للمناجم والمحاجر، ومصر لصناعة وتكرير البترول ، ومصر للسياحة، واستوديو مصر وغيرها، حتى لقب بـ «أبو الاقتصاد المصري».


طلعت حرب نموذج مصرى فى الاعتماد على الذات وعدم اللجوء إلى الاقتراض من الخارج والرضوخ لشروطهم، بحث عن حل مصرى يستنهض به همم المصريين ويدفعهم للمشاركة بقروشهم الصغيرة فى تمويل المشروعات الوطنية ، فبعد أن شارك فى ثورة ١٩١٩ بدأت تتبلور فكرة إنشاء بنك مصري، حيث ساهم فى إنشاء «شركة التعاون المالى» بهدف الإقراض المالى للمصريين، ومع انتشار دعوته التف حوله الكثيرون ونجحوا فى تأسيس «بنك مصر» ، وتوالت العديد من المشروعات الاقتصادية الكبرى داخل وخارج مصر، حيث أسس طلعت حرب وأصدقاؤه من أعيان المحلة رغم أنف النفوذ البريطانى شركة مصر المحلة للغزل والنسيج والتى كانت يطلق عليها « لانكشير مصر « فى إشارة إلى منتجات لانكشير البريطانية وعندما كانت منتجاتها رمزا لجودة القطن المصرى وكانت فخرا لمصر فى العالم أجمع.


عمل طلعت حرب على توسيع أنشطة بنك مصر، فلم تقتصر على قبول الودائع و فتح الاعتمادات، و إنما تجاوز ذلك إلى تقديم التمويل المطلوب لصناعات مصرية ناشئة، فأنشأ شركات مصر للطباعة، و حلج الأقطان، و التمثيل و السينما، و النقل، و الملاحة، و مصايد الأسماك، و الغزل و النسيج ( المحلة الكبري)، و الطيران، و بيع المصنوعات، و التأمين، و السياحة، و الفنادق، و الألبان، و الأغذية، و الغزل و النسج الرفيع ( كفر الدوار)، و تصدير الأقطان، و نسج الحرير، و صناعة و تجارة الزيوت، وترجع نهضة مصر المعاصرة فى جزء كبير منها إلى تلك العبقرية و الإرادة الصامدة والنظرة بعيدة المدى لطلعت حرب.


كان طلعت حرب صامدا فى وجه الأجانب ومدافعا شرسا عن مصالح وطنه، فعندما حاولت الشركة المالكة لقناة السويس تقديم مقترح لمد امتياز الشركة ٤٠ عاما أخرى، إلا أن طلعت حرب ساهم فى حشد الرأى العام لرفض ومعارضة هذا المقترح، وأصدر كتاب “قناة السويس” عام ١٩١٠ هاجم فيه محاولات مد امتياز قناة السويس لمدة أربعين سنة أخرى لشركة قناة السويس المملوكة للأجانب، ونجحت هذه الحملة لاحقاً بعد قيام مجلس النواب برفض هذا المقترح، وعندما كان طلعت حرب يعمل مديراً للشركة العقارية المصرية أوائل القرن الماضي، عمل على تمصيرها حتى أصبحت غالبية أسهمها للمصريين.


وفى عام ١٩٤٠ تعرض بنك مصر إلى أزمة مالية كبيرة عقب قيام الحرب العالمية الثانية واندفاع المودعين لسحب ودائعهم من البنك، فلم يستطع البنك الوفاء بكل طلبات السحب، ورفض البنك الأهلى منحه قروض بضمان محفظة الأوراق المالية، وعندما لجأ طلعت حرب لوزير المالية اشترط وقتها أن يترك منصبه لعلاج الأزمة، مما أضطره على الاستقالة من البنك عام ١٩٣٩وتوفى طلعت حرب عام ١٩٤١ عن عمر يناهز ٧٤ عاماً..لكنه ترك خلفه ثراثا كبيرا يخلد اسمه فى معظم المجالات الاقتصادية والثقافية.