ميراث المسلمة من زوجها غير المسلم

24/08/2016 - 11:35:19

بقلم: أ.د. عباس شومان وكيل الأزهر الشريف

سبق القول فى مقال سابق إن المسلم له أن يتزوج من امرأة غير مسلمة، ولها أن تبقى على معتقدها شريطة أن تكون كتابية، وأنه لا يجوز للمسلمة أن تتزوج من غير مسلم، وبيَّنا هناك أن الهدف من ذلك هو الحفاظ على المودة المنشودة من الزواج؛ حيث إن المسلم مأمور بالإيمان بعقيدة زوجته الكتابية واحترامها وتمكينها من أداء شعائرها فى كنيستها أو معبدها، فتستقيم بذلك الحياة بينهما مع اختلاف الدين، بخلاف المسيحى أو اليهودي، فهما لا يؤمنان بالإسلام ورسوله، ودينهما لا يأمرهما بتمكين الزوجة إن كانت مسلمة من أداء شعائر دينها فتبغضه لذلك..


ولهذا السبب ذاته مُنع زواج المسلم من غير الكتابية كالهندوسية وغيرها ممن لا يؤمنَّ بدين، لأن المسلم لا يؤمن بمثل هذه المعتقدات الفاسدة، ولا يأمره إسلامه بتمكين زوجته التى تدين بمثل هذه المعتقدات من أداء طقوسها، بل يوجب عليه منعها من عبادة النار والكواكب ونحوهما فتبغضه لذلك، ومن ثم تُفتقد المودة المنشودة فى الزواج، فمُنع المسلم من زواج غير الكتابية حفظا لكرامتها من الامتهان ومنعا من عيشها مع شخص لا تحبه ولو كان أفضل منها دينا.


ومع أن زواج المسلمة من غير المسلم لا يجوز فى شريعتنا، إلا أن الواقع يثبت غير ذلك، فهناك بعض صور هذا النوع من الزواج فى الحقيقة، ومنها أن يتزوج رجل وامرأة وهما على غير الإسلام، ثم تسلم الزوجة ويبقى زوجها على غير الإسلام، وقد أفتى بعض الفقهاء ببقاء الزوجية بينهما فى هذه الحال، ولا سيما أن الزوجة فى هذه الزيجة إذا فارقت زوجها فإنها ستتعرض لمخاطر جمة؛ حيث لا مأوى يؤويها ولا أسرة تحتضنها ولا عمل تعيش من دخله، وقد يترتب على المفارقة ردتها عن إسلامها فى وقت لا يمثل إسلامها غضاضة عند زوجها الذى أحبها وما زال على محبته لها؛ لأن النظرة الغالبة فى الغرب أن الزواج عقد مدنى وليس رباطا شرعيا. كما يتصور حصول هذا النوع من الزواج فى المرأة التى فارقت زوجها لدخولها فى الإسلام وعدم خوفها الضياع أو الارتداد لاستقرار حياتها من دونه، لكن زوجها غير المسلم مات وهى فى فترة عدة الفراق، ومعلوم أن العدة من توابع الزوجية وتبقى المرأة فى أثنائها على حكم الزوجية. ويتصور وجود هذا النوع أيضا على رأى الحنفية؛ حيث لا يفرقون بين المرأة وزوجها بمجرد إسلامها دونه أو ردته عن إسلامه إن كان مسلما وبقاء زوجته المسلمة على دينها، بل تبقى زوجته حتى صدور الحكم القضائى المفرق بينهما، وقد يموت الزوج قبل صدور هذا الحكم.


ولما كان وجود الزوجية بين المسلمة وغير المسلم متصورا ولو مؤقتا كما فى الصور السابقة؛ كان من الضرورى بيان حكم ميراث هذه الزوجة المسلمة من تركة زوجها غير المسلم إن مات وهى زوجة له بصورة دائمة كالمسلمة التى لم تستطع ترك زوجها غير المسلم – ولا سيما فى بلاد الغرب - بعد دخولها فى الإسلام خوفا من ضرر يلحقها، أو بصورة مؤقتة كالمسلمة التى فارقت زوجها غير المسلم بعد إسلامها وقد مات زوجها وهى ما زالت فى العدة، أو المسلمة التى ارتد زوجها ولما يصدر حكم التفريق بينهما.


وقد اختلف الفقهاء فى هذه المسألة تبعا لاختلافهم فى مسألة ميراث المسلم من غير المسلم بصفة عامة؛ حيث يرى بعضهم عدم التوارث؛ لأن اختلاف الدين مانع من الميراث مطلقا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم»، فكما لا يرث غير المسلم قريبه المسلم أو زوجته المسلمة، فكذا لا يرث المسلم قريبه غير المسلم ولا ترث المسلمة زوجها غير المسلم. ويرى فريق آخر أن المسلم يرث قريبه غير المسلم، وممن يرى ذلك سيدنا عمر بن عبد العزيز؛ حيث كان يقول: «نرثهم ولا يرثوننا، ونتزوج نساءهم ولا يتزوجون نساءنا»، وهذا يعنى أن المسلمة ترث زوجها غير المسلم.


والحقيقة أن ميراث المسلمة من زوجها أو قريبها غير المسلم ينبغى ألا يكون محل خلاف فى زماننا، بل ينبغى القول بميراثها، وذلك لما هو معلوم عند علماء الأصول أن الأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما، ولما كانت صور حصول الزوجية بين المسلمة وغير المسلم حاصلة بالفعل فى زماننا، ولما كان اختلاف الدين لا يمثل مشكلة لدى البعض ولا سيما فى بلاد الغرب، فضلا عن أن قوانين بعض هذه الدول وأنظمتها لا تمنع التوارث بسبب اختلاف الدين؛ لما كان ذلك كذلك فلا يعقل إذن أن تكون مكافأة الإسلام للمرأة التى تركت ما كانت عليه ودخلت فى الإسلام حرمانها من ميراث يمكنها من العيش الكريم، بل يعد هذا عقابا على دخولها فى الإسلام، وهذا لا يقول به إلا من جمدت عقولهم على منقولات الفقهاء السابقين الذين حذرونا هم أنفسهم من الجمود عليها، وعدوا ذلك من الضلال فى الدين والجهل بمراد علماء المسلمين. ومن ثم، فالاجتهاد فى ضوء معرفة أحوال الناس وتغير الزمان والمكان لا يمنع القول بأن المسلمة ترث زوجها غير المسلم، فإن كان ذلك فى بلادنا أمكننا تطبيقه، وإن كان فى بلاد لا سلطان لنا عليها كبلاد الغرب مثلا، نظرنا إلى قوانينهم، فإن كانت لا تمنع التوارث، فينبغى ألا تكون فتاوانا حجر عثرة لعقاب المسلمات هناك، وإن كانت تمنعه فلن يرضخوا لإفتائنا باستحقاقهن الميراث، لكن على الأقل نكون قد ساندناهن ولو معنويا.