حرق الرئيس!

24/08/2016 - 11:12:27

بقلم - حمدى رزق

استهداف الرئيس حتى بفواتير الكهرباء، واضطرار الرئيس إلى « حديث الفواتير» علانية وفى خطاب عام، يبرهن على أن حكومة شريف إسماعيل تفتقد إلى اللسان الفصيح الذى تخاطب به الشارع، وتبتعد بمسافة عن الشارع، خوفا من ثورته، وطمعا وإيثارا للسلامة، وليس لديها ما تقوله إلى الشارع، وبينها وبين الشارع مسافة لا تقطعها، ولا تحاول السير فيها، وتخشى نزول الشارع تماماً، تكتفى بحوارات الغرف المغلقة مع رئاسات برلمانية وصحفية وإعلامية، لعل وعسى ينوبون عنها فى المهمة، للأسف يخرجون كما دخلوا خالين الوفاض!!  .


أولى بحديث الرئيس عن الفواتير، والأسعار، والدعم، والقرض، هو رئيس الوزراء، فى صميم أعماله، ونتاج أفكاره، ومحور برنامجه الاقتصادى الذى حظى بثقة البرلمان الذى يقطّع الآن  فى لحم الحكومة بالحتة،  حقاً أو مزايدة على الحكومة فى شارع يغلى من قسوة الأسعار، وكثرة الشائعات، تهتبله المواقع الالكترونية على مدار الساعة بأخبار ما أنزل الله بها من سلطان، والحكومة ولا هنا ، ومرصد مجلس الوزراء يرد على الشائعات مجمعة أسبوعيا، شغل موظفين لا يقدرون خطر الشائعة وأنها يمكن أن تحرق البلد فى ثانية على أرضية مبللة بالغضب، وحِلنى على ما يرد التصحيح    .


رئيس الوزراء والوزراء تحديداً المجموعة الاقتصادية لا يملكون آلية التواصل مع الشارع، يفتقدون إلى المنطق، وقبلها يفتقدون إلى الثقة فى أنفسهم، وفى قراراتهم، ألسنتهم متلعثمة، وأيديهم مرتعشة، وركبهم سايبة، بتخبط فى بعض، وإذا تحدثوا زادوا الطين بلة، وتطاردهم شبهات تستأهل تحقيقات شفافة لاستعادة الثقة المفقودة .


 هل صحيح وزير التموين يسكن فندقا ويدفع بالدولار، من أين له هذا، ومن يدفع الفاتورة، هل بلغ وزير الفقراء مبلغا من الثراء يمكنه من النوم فى الفنادق لعامين متواصلين، أذكر أن المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة عرج فى طريق عودته من واشنطن ذات رحلة رسمية على فندق « لندنى « شهير، وبات ليلته  بـ٥٠٠ جنيه استرليني، ولم نرحمه، وكتبت يومها عنوانا قاسيا:  « الفاتورة يا اكسلانس «، ودفعها رشيد من حر ماله وهو من أثرى الأثرياء، وهو يتصبب خجلا .. متى يخجل  وزراء حكومة إسماعيل من أنفسهم، الشارع اللى رابط الحزام تقشفا ينظر إليكم  !!. 


رئيس  الوزراء ممن يؤمنون بأن السكوت من ذهب، وأن الصمت فضيلة، وإن ظهر على الناس ظهر نافياً، كلامه ساكت، لا يجيد المواجهة، تنقصه جرأة الاقتحام، لا يملك آليات الاشتباك الضرورى مع الأفكار المطروحة، الشارع نهباً موزعاً لشائعات جد مخيفة، والمعالجات السياسية غائبة بالكلية، والتواصل الحيوى مع الأفكار البناءة مقطوع تماماً، الحكومة غائبة عن الساحة بشكل مريب، وتصدر الرئيس، الرئيس يخرج مدافعا عن الإجراءات الاقتصادية نيابة عن حكومة شريف إسماعيل !!.


كل حين، ومع كل افتتاح لمشروع ينبض بالأمل، الرئيس يخرج على الناس محاولا التواصل الضرورى، مفسراً ومبرراً ومترجياً، ومذكراً بالذى كان، وما سيكون، ويطالب الشعب بالصبر،  وتجرع جرعات الدواء المر أملاً فى الشفاء، ولكن التعويل على ثقة الشارع بالرئيس خطير، وحبيبك يبلع لك الزلط، والناس بتحب وتثق فى الرئيس، خطير جد، إن كان حبيبك عسل، وترك الرئيس فى مواجهة الشارع وجها لوجه فى كل مرة، ومع كل قرار، ومع كل إجراء، يحرق الرئيس تماماً .


الرئيس ياسادة أصبح هدفا مكشوفا، صدره مكشوف، وظهره تغطيه القوات المسلحة التى تتفانى فى تخفيف الحمل عن كاهل الرئيس قربى إلى الشعب، وحبا فى أغلى اسم فى الوجود، وفى النهاية للقوات المسلحة حدود، وتحرس الحدود، كل  التقارير الغربية تستهدف شخص الرئيس، وتتجاهل حكومة شريف باشا بالكلية، كأن مصر رئيس بلا حكومة .


 هذا الانكشاف الحادث لرئاسة الجمهورية فى مواجهة شارع متململ صاخب غاضب، يقينا يضر كثيراً وقد أضر فعليا بصورة الرئيس، وأكل يقينا من شعبيته، وتحول عنه الكثير، عندما ينزل الرئيس على خط المواجهة نيابة عن حكومته الصامتة، نعرضه لما لا يحتمل من النقد والتسخيف والتبويخ والقلش، الرئيس صار هدفاً ولوحة تنشين.


تسأل عن رئيس الوزراء، نعم موجود فى الصور جنب الرئيس، مكانه أصلاً فى الشارع جنب الناس، فى قلب الموج، يشرح ويفسر ويمهد ويوطئ لقراراته، ويحاجج وينافح ويذاكر مع الناس روشتة العلاج، ويعمل آليات المصارحة والشفافية مع النخب الاقتصادية والاجتماعية، ويلتقى المنظمات والنقابات والأحزاب، وينفتح على الجميع، ويبادر بالاتصال للإجابة عن التساؤلات المطروحة والمشروعة. 


عندهم حق أن تتعلق أنظار الناس بالرئيس، وتتواصل الرسائل إلى الرئيس، عنوان «رسالة إلى الرئيس» يتكرر فى مقالات وبوستات وحتى على الإيميل الرئاسى، الناس لا ترى أمامها حكومة أو رئيس حكومة أو وزراء أو محافظين أو رؤساء مدن أو حتى عمدة قرية، اختصرت المسافة إلى الرئيس مباشرة، وهذا ما لا يحتمل رئاسياً، ولا يحتمل سياسياً، المسافة بين الرئيس والشارع خالية من المسئولين، تخيل مطلوب من الرئيس أن ينظر فى أمر طالبة فى الثانوية العامة، هل هذه شغلة الرئيس؟!


زمان على ما أذكر كان فيه رئيس وزراء يبدأ نهاره فجرا بقراءة تقارير الرأى العام، ويضع يديه على مواطن القلق، ويعقبها بسلسلة من الاتصالات بمواقع التأثير فى الشارع، نقابيين، برلمانيين، حزبيين، إعلاميين، حتى مواطنين، يستكمل الصورة تمهيدا للانطلاق، يشحن البطاريات، ويوقظ الغافل، ويحدد المسار اليومى للاشتباك، تراه فى السيدة، ثم فى دار السلام، وإذا فجأة يقز إلى أسوان، ثم يعود إلى جاردن سيتى، الوزارة أعمال شاقة يومية . 


زمان كان هناك من يرد ويفسر ويصحح ويملك الجميع المعلومات المتاحة، ويعد بالمزيد، وكان يبادر بالاشتباك، مظاهرة نازل، مشكلة يهب إلى حلها، إضراب وسط المضربين، اعتصام لا ينام إلا وقد فض الاعتصام قناعة بالحلول الممكن منها وباتفاق، نقص سلع وخدمات يسد العجز قبل أن يستفحل، يتفاهم مع التجار ويتحدث لغتهم، ومع الصناع وكأنه منهم، ومع رجال الأعمال، ويستقبل المستثمرين والمتبرعين، ويزلل العقبات، لا ينام إلا بعد ما يؤدى التمام كقائد أدى الواجب وأنجز المهمة، كان حائط صد عن الرئيس، أو هكذا كان.