هذه الحرب .. لا ناقة لنا فيها ولا جمل .. مصطفي النحاس باشا مصر 1939

22/08/2016 - 11:10:16

كتب - يحيي تادرس

1939... لم تكن أحداث الحرب - قد طالت مصر بعد - وكان الإنتاج السينمائي محدوداً - ولم يشر إلي ما انتاب العالم من تحولات هائلة أثرت فيما بعد - علي الوطن المصري
... وتلك قائمة بأفلام - أولي سنوات الحرب:
- لاشين: فرتزكرمب
- أجنحة الصحراء: أحمد سالم
- ثمن السعادة: الفيزي أورفانيللي
- فتش عن المرأة: أحمد جلال
- عثمان: توجو مزراحي
- الكنز المفقود: إبراهيم لاما
- ليالي القاهرة: إبراهيم لاما
- سلفني 3 جنيه: توجو مزراحي
- ليلة ممطرة: توجو مزراحي
- بياعة التفاح: حسين فوزي
- الدكتور: نيازي مصطفي
- العزيمة: كمال سليم
- قيس وليلي: إبراهيم لاما
- خلف الحبايب: فؤاد الجزايرلي
- العودة إلي الريف: أحمد كامل مرسي
.... ونعود إلي مصر وأيامها التي ننظرإليها الآن - وكأنها نسج خيال - لكنه كان خيالا يجسد أياما- غاية في الغرابة..!
كان البريطانيون .. والارستقراطية المصرية الوليدة يفضلون السكنى في حي الزمالك - وهو جزيرة علي النيل - ومؤلفا من شوارع مستقيمة وعريضة وطويلة - وعلي جانبها أشجار دائمة الخضرة منازله كانت أبسط وأرق نسبيا من تلك الواقعة علي ضفة النهر الشرقية.
...
الشوارع الكبري: شبرا - بولاق - السيدة زينب - هي التي تشهد الطبقات الأدني من أهل القاهرة - لكنها كانت تنتفض بالرواج والزحام «محلات من كافة الأحجام - مقاهي - ومساكن الطوب بغير صرف صحي أو .... مياه جارية.
و.... كانت جماعات بأكملها تعيش في الجبانات «المقابر»....
ومع ذلك كانت هذه المنطقة تحوي معالم تاريخية هامة
الجامع الأزهر الذي بني في القرن العاشر - وخان الخليلي حيث يتوافد السياح لشراء المسابح ومقتنيات الفضة والمرمر والأبسطة ... والتوابل والعطور.
....
البازار «خان الخليلي» والجامعة الإسلامية «الأزهر» يقعان بين بوابتين عملاقتين «الفتوح - والمتولي» تحرسان في صمت وحكمة ما تبقي من تلك المدينة الأسطورية والتي كانت تمثل عاصمة إسلامية - في العصور الوسطي.
.....
هذا عن سكان العاصمة في بعض ملامحها فماذا عن البريطانيىن؟
.... كانت ثكنات الجيش البريطاني موزعة داخل القلعة - وثكنات قصر النيل «في المكان الذي تشغله الآن .ج. الدول العربية وفندق الهيلتون...»
....
و.... في 32 شارع عدلي باشا كان يقع واحد- من أرقي النوادي البريطانية «نادي التيرف» - وهو نادي كان مخصصا للذكور فقط من أبناء بريطانيا....!
فماذا عن السائحين؟
كان الأثرياء منهم يفضلون الإقامة في فندق شبرد «قبل حريقه في 25 يناير 52- والذي تم تأسيسه عام 1841 - وكان يمثل قمة الأناقة والشهرة - وكانت شرفته الواسعة - الحافلة بكراسي وموائد الخيرزان والتي تطل علي شارع إبراهيم باشا «الجمهورية»....
....
وكان ... البريطانيون - فلا محل هنا للمصريين إلا قليلاً .،.. يمارسون رياضاتهم في نادي الجزيرة الرياضي الذي يقوم علي الأرض التي وهبها الخديو توفيق إلي الجيش البريطاني..
أما «رياضات» النادي فكانت البولو والجولف ومضمار للسباق ولعبة الكريكيت والاسكواش والتنس وفي عام 1938 شيدوا مبني جديداً «الليدو» يضم حمام للسباحة - وتحت الظل كانوا يتناولون الغذاء - من مطبخه وطهاته الأجانب.
ملحوظة: لم تقتصر عضوية النادي علي البريطانيين وحدهم إذ كان يضم بعض أشهر العائلات «الارستقراطية» وثيقة الصلة بالبريطانيين...
...
في ركن من حديقته أقيمت جبانة للحيوانات و... ساحة يتجمع فيها الدادات .. والخدم
...
ظاهرة - كانت تحير المصريين وقتها
اهتمام البريطانيين - بدواب الحمل التعيسة التي كانت تجر عربات الكارو بأحمالها الثقيلة والتي كانت يوما ما جيادا أصيلة لكنه الزمن «كان معظم هذه الجياد قد تم شحنها من انجلترا مع سلاح الفرسان ثم باعوها في نهاية الحرب العالمية الأولي «1914- 1918» ...
وقد أثار الهوان الذي تعانيه تلك الحيوانات البائسة مبادرة السيدة «دوروش بروك» زوجة أحد الضباط البريطانيين إلي إنشاء ما ظنه الفقراء وقتها أشد المؤسسات حماقة!
ففي كل اسبوع كان عربجية القاهرة يسوقون دوابهم للبيع حيث يواجهون مصيرا مؤلما - فإذا بتلك الانجليزية «المجنونة»! واصدقائها يشترون هذه الدواب التعيسة ويضعونها في حظائر مريحة للغاية ويقدمون لها أقصي ما تستطيع التهامه من الطعام فإذا ما تم شفاؤها يبادرون إلي إعدامها!
...
وقد نجحت هذه السيدة في إنشاء صندوق - لدعم مشروعها و.... رغم مرور السنوات فإن المستشفي الذي يحمل اسمها مستشفي بروك للرفق بالحيوان لايزال قائما - يعالج جياد وبغال وحمير الفقراء مجاناً....
كان هذا العام تحديدا - يحمل في طياته - نذرا مرعبة - لم يكن العالم يحلم بها في أشد كوابيسه رعباً.
الحرب العالمية الأولي «التي انتهت بهزيمة ألمانيا» كانت تمثل للالمان لحظات مهينة - إذ تمزقت فيها أوصالها.
ووعت ألمانيا الدرس علي يد أدولف هتلر الذي صمم ليس فقط أن يسترد ما فقدته ألمانيا من أرض.. ولكن علي استعادة كرامة الجنس الآري المتميز - والحلم بأن يسيطر علي العالم - بالطبع بما فيه مصر - المفتاح السحري لانجلترا - عبر قناة السويس - لكل مستعمراتها..
ويبدأ هتلر في التخطيط - بالغ الدهاء:
في أغسطس عام 1939 يعقد محالفة عدم الاعتداء بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي..
ملحوظة: نازية اختصار لحزب العمال الاشتراكي الوطني - بالألمانية بالطبع!»
.....
وبعد هذا التحالف يغزو - بولندا...
وبعدها - تتوالي أحداث الحرب التي تجر العالم كله ... فماذا عن مصر؟
كان لابد من إقامة منشآت ضخمة تخدم القوات البريطانية وكان لابد من إنشاء العديد من الطرق والمطارات والورش ومستودعات ذخيرة ونصب مواسير لجلب مياه النيل إلي الصحراء.
وكانوا حريصين علي إقامة معظم تلك المنشآت في الصحراء حتي لا يدمروا الأرض الزراعية - التي نغتالها اليوم بقلوب باردة وعيون يملؤها الطمع الرخيص الذي يقترب من الخيانة - إذ نستبدل المستقبل والأرض - بغابات من الاسمنت وكأننا أقل وطنية - من البريطانيين!
......
ولما تزايدت الحاجة إلي عربات قادرة علي العمل بالصحراء يتم تمشيط مصر وفلسطين بحثا عن شاحنات النقل...
.....
وبما أن مصر لا تمتلك مواد أولية سوي الأغذية ... كانت مشكلة الإمداد والتموين هائلة..
وفي تلك الفترة - ينشأ ما يسمي بأغنياء الحرب الذين تضاعفت ثرواتهم لأسباب عدة منها - السوق السوداء واستغلال عدم استيراد العديد من السلع بسبب ظروف الحرب «حتي إبر وابور الجاز.... كما شهدنا في أحد أفلام نجيب الريحاني مع تحية كاريوكا فيلم «لعبة الست».
و.......فور إعلان بريطانيا الحرب علي ألمانيا في سبتمبر 1939 يتم قطع العلاقات مع ألمانيا وبعدها يتم اعتقال الذكور الألمان البالغين ومصادرة ممتلكاتهم علي الفور «كان عدد الألمان في مصر أقل من الألف معظمهم كانوا اعضاء الحزب النازي...
و... يتم إعلان الأحكام العرفية - ويصبح رئيس الوزراء هو الحاكم العسكري العام.
و... توضع جميع مرافق السكك الحديد والمطارات بتصرف البريطانيين و... تفرض الرقابة علي الاتصالات والصحافة...وتمتلئ شوارع القاهرة بجنود الحلفاء عدا الاستراليين الذين عانت منهم مصر الكثير في نهاية الحرب العالمية الأولي وإصرار الحكومة المصرية علي إخراجهم من البلاد.
....
الأعمال المتصلة بالهياكل العسكرية كانت ماضية علي قدم وساق ينفذها العمال المصريون - وفي المقابل كانوا يحصلون علي أجور مجزية
.....
الإحساس العام - كان كراهية القوات البريطانية - وإن كان الأمر لا يخلو من بعض من كانوا وثيقى الصلة بالسفارة البريطانية ومنهم «شاكر باشا» المدير العام لسكك حديد مصر الذي باع 17000 طن فحم من المخازن مما أدي لحدوث أزمات في ... القطارات..
علي باشا ماهر لم يعجبه تصرف شاكر باشا وعشرات المسئولين المتعاطفين مع بريطانيا و..... يفصل عددا كبيرا منهم وأصبح معروفا أن المودة مع البريطانيين معناها كارثة لصاحبها..
وكان المجتمع المصري يموج بتيارات سياسية متضاربة
- الأصوليون الإسلاميون
- جمعية مصر الفتاة التي كان يرأسها أحمد حسين
...
في 30 مايو .. يضع علي ماهر أصول بيان يعلن فيه القاهرة «مدينة مفتوحة»
هذا الإجراء - يرسمه القانون الدولي لحماية السكان المدنيين لدولة محايدة من الغارات التي تشنها الاطراف المتحاربة.
....
موسوليني:
ينتظر حتي يوم 10 يونيه حتي يعلن الحرب علي الحلفاء وبعدها - يطلب من السفير الإيطالي «الكونت ماسوليني» مغادرة القاهرة - لكنه يبلغ خدمه بأنه سيعود في ظرف أسبوعين وموسوليني الذي سيدخل القاهرة علي حصان أبيض «كان معدا له بالفعل»
... وكان يردد دائما بالإيطالية «لجبيتوا سارا أنواه» أي مصر ستكون لنا!
.... ومع بدايات الحرب يبدأ نشاط التجسس من كلا الجانبين «النازي والحلفاء».
في القاهرة - كان هناك في فندق شبرد «بارمان» سويسري يدعي «جو» وكان البار مقصورا فقط علي الرجال معظمهم من العسكريين وكانوا يتبادلون أحاديث تتصل باحداث الحرب... وكان «جو» يجيد الانصات ويتمتع بذاكرة اسطورية إلي جانب إجادته للعديد من اللغات.
.....
في حي جاردن سيتي الراقي - كانت مكاتب الاستخبارات البريطانية التي كان رجالها يخترقون معظم مجتمعات القاهرة «الجامعات - العمال - الطلبة - وحتي القصر الملكي حيث كانوا يرتابون في الحاشية الإيطالية المحيطة بالملك فاروق» «أشهرهم الكهربائي بوللي»...
و....
حين يستدعي معظم البريطانيين الرجال إلي الحرب يبدأ الغزو النسائي لوظائفهم كبائعات في المحال وسكرتيرات ...ويتحركن في ملابسهن شديدة العصرية - مما يشيع نوعا من التحرر في المظهر - لدي العديد من الفتيات المصريات حيث يبدأن بدورهن في غزو أسواق العمل ليس فقط كنوع من التمرد - ولكن لإعالة أنفسهن وأسرهن - بعد الأزمات الاقتصادية الضخمة التي بدأت مصر تعاني منها.
....
الجواسيس:
.... بالطبع كانت هناك اسماء شهيرة «سيكون هذا موضوعا مثيرا للحلقة القادمة التي ستتضمن أيضا - ذروة مأساة عام 1940.
... استسلام فرنسا