في ذكرى صاحب الريشة الساحرة

22/08/2016 - 10:59:34

عاطف بشاي عاطف بشاي

بقلم : عاطف بشاي

حينما التقيت به منذ سنوات لأتفق معه علي تقديم شخصياته المدهشة التي ابتدعها مع الساخر الكبير «أحمد رجب» في مسلسل "ست كوم" كوميدي.. وهي شخصيات "كمبورة" الافاق الذي يمثل تلك الشريحة الاجتماعية التي ظهرت مع الانفتاح.. وكونت بالنصب والاحتيال والفهلوة ثروات طائلة مستخدمة كل الطرق المشروعة وغير المشروعة وأصبحت نموذجاً للفساد.. مثل دوره "وحيد سيف".. وشخصية "فلاح كفر الهنادوة" الاريب الذي يواجه السلطة ويكشف عوراتها في خبث ومداعبة وحكمه.. فيسقط عنها أقنعتها.. ويحرجها ليدفعها إلي تغيير مسارها.. واصلاح إعوجاجها.. ومثل دوره "محمد هنيدي".. وشخصية "عبده مشتاق" المستميت من اجل المنصب ومثل دوره "حسني حسني".. وشخصية الفقير المعدم المتعالي علي فقرة فيتقمص دور الثري المترف.. وقد سميته "الكحيت" ومثل دوره "احمد راتب".. وشخصية الموظف البيروقراطي "عبد الروتين".. والحاقد "قاسم السماوي" و"عزيز بيه الاليت" البورجوازي المنفصل عن واقع مجتمعه.. "ومطرب الاخبار" قبيح الصوت الذي يضرب ضرباً مبرحاً أينما ذهب ليغني.. وقد سميته "علي جاعوره" ومثل دوره "نجاح الموجي".
كنت اتصور ان يرحب "مصطفي حسين" بسعادة لتجسيد الشخصيات التي ابدعها متحركة علي الشاشة لتكتمل ملامحها المرسومة علي الورق نفسياً واجتماعياً وجسدياً فتتحول الي نماذج بشرية من لحم ودم تمثلنا وتشبهنا فنتفاعل معها تفاعلاً كاملاً.. لكني فوجئت بتحفظه وتردده.. وطلبه مهلة للتفكير.. فقد أفصح عن تخوفه وقلقه ان تفقد شخصياته تأثيرها المطلوب وقدرتها علي الاضحاك.. والنفاذ الي عقل ووجدان المتفرج الذي يلعب خياله في حالة الرسم الكاريكاتيري دوراً هاماً ورئيسياً في تصور ملامحه وتجسيد شكله.. وتخيله.. فالقارئ هنا شريك إيجابي لرسام الكاريكاتير..
رغم ذكاء ووجاهة منطقه فقد نجحت في انتزاع موافقته مستغلاً تأييد "احمد رجب".. ونجحت الحلقات مبددة هواجسه.. وكانت اول (ست كوم) مصري بعنوان (ناس.. وناس).
وقبل رحلة علاجه الأخيرة اتفقت معه علي معاودة تقديم تلك الشخصيات من جديد في اطار مختلف حيث تبدأ الاحداث بعد ثورة (25) يناير باسم "ناس.. وناس في الميدان".. فسعد جداً بالفكرة.. ووافق.. وطلب أجراً متواضعاً له "ولاحمد رجب" فأدهشني بتواضعه الجم.. وروحه المتسامية.. المترفعة علي المادة.. رغم تكاليف علاجه الباهظة..
كان صاحب ريشة بالغة الرشاقة والقدرة الفذة علي التأثير والنفاذ والتعبير.. ورسم الملامح الخارجية والداخلية للشخصيات.. والغوص في أعماقها وسبر أغوارها وأبراز أخلاقها بسلاسة وطرافة وعمق..
وكان وطنياً صادقاً.. ويتمتع بحس شعبي طاغ وقدرة هائلة علي تجسيد مكونات الشخصية المصرية وسلبياتها وأوجه القصور والعوار والتناقض في سلوكها صانعا المفارقة الصارخة التي تفجر الضحك والسخرية من المظاهر الاجتماعية الزائفة.. انه خليط مدهش من "موليير" و "جاهين" و "حجازي" و "رخا".. و "النديم"..
وعلي المستوي الشخصي والإنساني.. كان مرهفاً ودوداً.. يحدثك بلطف وتهذيب وبشاشة وحنو دافق كأنك طفله العزيز يربت عليك ليطمئنك ويهدئ من روعك ضد قسوة الايام وظلم المقادير.. وغموض الطريق..