أنا تائه!! للمنلوجست محمود شكوكو

22/08/2016 - 10:57:08

أنا المنلوجست التائه... استحققت هذه التسمية عن جدارة من أجل ليلة كاملة قضيت شطرا منها هائما بين الحقول جائلا بين أعواد الذرة وأخيرا وجدت الأمان وإليكم القصة...
كنا نعمل في فيلم «هدية» مع المرحومة عزيزة أمير وانتهينا من اداء أدوارنا ولم يبق إلا الأغاني والمونولوجات وكانت المرحومة السيدة عزيزة أمير قد اتفقت مع الاستاذ محمود الشريف علي أن يضع الألحان ولكنه لبعض ظروفه تأخر في وضعها بل وحين وضعها تأخرت أنا في حفظها وقالت لنا السيدة عزيزة ذات يوم أن اليوم التالي مباشرة مخصص للتسجيل وتسجيل المونولوجات وأنها لن تؤجل هذا الموعد وقلت هذا للأستاذ محمود الشريف فقال لي «أنا علي استعداد لأن احفظك اللحن في أي وقت»
وقلت له «سأجي لك علي الفور» لأحفظ اللحن ثم أعمل بروفة نهائية مع الموسيقيين في الصباح ونسجل اللحن بعد الظهيرة في نفس اليوم»... وذهبت إلي محمود الشريف في بيته وجلست في الصالون وغاب عني طويلا وعاد فقال «عندي مفاجأة كويسة لك».
قلت له: «ايه ياتري؟»
قال: حانروح الأرياف سوا.. الجو هناك هادي وجميل ونقدر نحفظ اللحن في نص ساعة.
قلت له: لكن لازم ارجع بالليل علشان معايا ميعاد مع الموسيقيين بكرة والست عزيزة تزعل لو ما سجلناش في الميعاد اللي هيه حدتته.
قال: اطمئن ... كل اللي إنت عاوزه حا تعمله...
وانطلقنا علي الطريق الزراعي وسارت السيارة علي مهل ورحنا نملأ العيون بجمال الريف... ونملأ الصدور بالنسيم النقي ومضي الأستاذ الشريف يدندن ببعض ألحانه الشعبية المشهورة فجعل هذا من رحلتنا شيئا جميلا ووصلنا إلي قرية الشريف.. وفي بيت عند طرف القرية استقبلنا أناس رحبوا بمقدمنا وأكرموا وفادتنا.. وجلسنا في حجرة تطل علي الحقول الشاسعة وتناولنا طعام الغداء واسترحنا قليلاً ثم وفي الساعة الخامسة بدأنا نعمل.. وكان اللحن جميلا فحفظته في أقل من ساعة وقلت للأستاذ الشريف «أروح بقي».
قال: نروح بكرة الصبح بدري.. أنا عاوزك تقضي ليلة في الريف لأن أجمل حاجة في الريف لياليه...
قلت له: معلش أنما أنا ماقلتش لحد في البيت أني مسافر وثانيا ميعاد الموسيقيين بكره.
قال: نتكلم في التليفون ونقول للبيت أنك ضيف عندنا أما عن الموسيقيين فاحنا حانروح الصبح بدري.
ولكني قلت له في إصرار: لا يا أستاذ محمود أنا لازم أروح.
فأجابني في إصرار أيضا: يا أخي حا نروح سوا بكرة.
وكنت أعرف أنه لن يلين وخرج الأستاذ الشريف ليتحدث مع أحد أقاربه وابتعد عن الحجرة فخرجت منها وخرجت من البيت ولم يرني أحد.
صممت علي أن استقل أي عربة تقصد القاهرة لأعود للبيت ولموعد الغد ولكني لم أعرف الطريق الذي جئنا منه فسرت في طريق معبد بين الحقول ظانا أنه لابد أن يؤدي إلي الطريق الرئيسي.. كانت الساعة قرابة السابعة والظلام قد بدأ ينتشر وأوغلت في السير وراح الظلام يلف كل ما حولي... وانتهي الطريق المعبد ووجدت طرقا أخري ضيقة لازال فيها بقايا ماء مما يخلفه الري فانزلقت عليها مرة ومرات وكنت أقوم لاستأنف السير دون يأس ورأيت أن من الهزيمة أن أعود أدراجي ولمحت ضوءا من بعد فظننت أنه الطريق الزراعي فيممت شطره علي الفور ووجدت أن أقصر طريق إليه أن أخترق حقلا من حقول الذرة وبدأت اشق لنفسي طريقا وسط الأعواد التي تعلو علي قامتي وأصابت وجهي جروح طفيفة من اصطدامه بهذه الأعواد وفجأة سمعت همسا وأصواتا ودب الخوف إلي نفسي خشية أن يكون الهامسون رابضين هناك ليتربصوا بأحد الناس وقد يحسبونه أنا فيقضون علي وتسمرت في مكاني ووجدت أن خير طريقة للنجاة هي أن أظل كما أنا حتي يغادروا أماكنهم وألفت عيناي الظلام بعد دقائق ورحت أبحث عن موقعهما دون جدوي وفكرت في أن اتحدث إليهما وكني خفت أن يعرفا مكاني عن طريق الصوت فيسددوا رصاصاتهم إلي صدري البرئ وراحت المخاطر والمخاوف تتجاذبني ثم فجأة سمعت أعواد الذرة تتكسر دلالة علي أن هناك من يسير بينها وأحسست أن صوت التكسير يقترب مني فتحفزت للدفاع عن نفسي وعلي حين غرة وجدت اثنين يقبضان علي في صوت واحد «واقف هنا ليه ياحرامي».
قلت في وجل: لا والله دانا صاحب الأستاذ الشريف وأنا ضيف في بلدكم ... وأنا.....»
فقاطعانى قائلين: بلد الأستاذ الشريف مش بلدنا لكن حانعتبرك ضيف ولولا أنك لابس بدلة لكنا قطعناك حتت وارتجفت أوصالي وأنا أسمع كلمة «حتت» ورحت أشرح لهما الموضوع بحذافيره فأطلقا سراحي وأرشداني إلي الطريق المؤدي للطريق الزراعي وتركاني أقطعه وحيداً...
ولكني تهت من جديد وظللت هائما علي وجهي وبين لحظة وأخري أشعل عود ثقاب لأجد عقارب الساعة تقفز نحو منتصف الليل وأدركني التعب والأعياء فنمت وأخيرا وجدت خفيرا فتقدمت إليه وقلت له موضوعي فقال «مش ممكن حا تلاقي مواصلات الليلة... تعال أقضي الليل في بيت العمدة وبكرة الفجر احنا نوقف لك عربية نركبك فيها».
ووافقت واستقبلني العمدة ببشاشة وترحاب وأويت إلي الفراش فنمت بعد ثوان من فرط الاجهاد والتعب واستيقظت مع الفجر وقال لي العمدة إن الاستاذ الشريف سأل عني بالتليفون وكان يريد أن يرسل لي من يعود بي ولكن العمدة رفض واعتبر هذا إهانة له .. ما دمت ضيفه..
وعدت إلي القاهرة في الساعة التاسعة واستقبلتني اسرتي كما لو كنت عائدا من «طوكر» فالذي حدث أن أحدا لم يبلغهم بأنني سأبيت بعيدا عنهم ثم اتصل بهم الاستاذ الشريف الذي يعرفون أنني عنده ليسألهم عني وجن جنونهم ولم يناموا الليل!!
وأدينا البروفة... وسجلنا المونولوج بعد الظهيرة.. وبعد أن كدت «أضيع» في سبيل الفن.
العدد 120- 17- نوفمبر 1953