يوسف إدريس .. أن تحيا في العاصفة أو تصنعها

21/08/2016 - 1:52:31

سعد القرش سعد القرش

سعد القرش

أستاذ اللغة العربية الذي درس لنا ما قال إنه قواعد القصة القصيرة لم يذكر اسم يوسف إدريس، ليس لأنه كان مغضوبا عليه، مطرودا آنذاك من جنة نظام حسني مبارك، بسبب كتابه «البحث عن السادات»، وإنما لأنه بلغ أفقا أعلى من الإدراك الوظيفي للمدرسين، كما يستعصي على الأطر الأكاديمية، بقفزاته المتلاحقة، وإضافاته المتجددة إلى كل فن أسهم فيه بنصيب.
لا تجتمع موهبتان في حجم نجيب محفوظ ويوسف إدريس في جيل واحد، إلا كهدية غير قابلة كثيرا للتكرار. الأول أمة وحده، ربما يتساءل قارئ بعد مئات السنين: هل كان نجيب محفوظ فردا أم مؤسسة؟ في ضوء رصيده الوافر من الإبداع الإنساني الذي يقارن ـ غزارة وعمقا ـ بما تركه أساتذة راسخون في تاريخ الآداب، من شكسبير إلى ماركيز. ينتمي محفوظ إلى سلالة البنائين العظام، القادرين بهدوء على تشييد الصروح، بتصميم ودأب الواثقين بمواهبهم. أما يوسف إدريس فلا يصبر على بناء قصور شاهقة، ويكتفي بابتكار بيوت صغيرة بأقل الإمكانات المتاحة، يلتقط أحجارا ومواد من أية بيئة ويصنع بها منزلا، ثم يغادر إلى أرض أخرى، بكر أيضا، فلا يتركها إلا وقد ترك بصمة تدل عليه، أثرا خالدا لا يشبه سابقه.
يوسف إدريس نسيج وحده، لا يشبه إلا يوسف إدريس، الطوفان منذ مجموعته الأولى «أرخص ليالي»، تلك القصص التي نسفت جهودا مترددة، ومحاولات مائعة، تبحث عن صيغة مصرية للحكي، حتى ظهرت عصا إدريس فزلزلت سحرة القصة القصيرة، واستعصى عليهم تقليد الساحر؛ لأنه لا يجيد تقليد نفسه، إذ يفجر البراكين، ويعيش «على قلق كأن الريح تحته»، وإذا لم يجد عاصفة تستفزه لتحدي المصائر سارع إلى صنعها.
قبل إدريس، وباستثناء محاولات قليلة منها أعمال يحيى حقي، تصعب التفرقة بين المؤلَّف من القصص والمترجم، الأصيل والمقتبس. كانت لغة السرد فاترة، معلبات جاهزة الصنع، محفوظة في وسائل التبريد، تخرج من غرف العناية المركزة فلا تصمد لوهج الحياة وتعقيداتها، ولا تشبه لغة البشر في طزاجتها وعفويتها وخشونتها وعنفوانها. كان على إدريس أن ينجز هذا المشروع الذي وهبه حياته.. كتابة قصة قصيرة مصرية، فتحمّل عبء إنقاذ السرد، وإعادة الاعتبار إلى مستويات مبتكرة من البلاغة الشعبية، وطرائق غير تقليدية للقص، تليق بأبطال قصصه، وهم جدد على هذا العالم، يدخلونه بصحبة الكاتب بكامل الدهشة، دهشتهم ودهشته، ويحتفظ كل «بطل» بتجربته الإنسانية، وأسرار مهنته، ووعيه الخاص، ومفرداته بتراكيبها المتمردة على المعاجم، ومستوى خطابه وسلوكه، وذكائه الاجتماعي، حتى صارت قصص إدريس حديقة عامة تتسع لخارج على القانون، وفلاح لا يجد عزاء عن الفقر والجهل إلا بافتراع امرأته، وعامل تراحيل لا يقوى على مواجهة قدره، وبائس يعيش على بيع دمه، وصبية حالمة باللعب في الحارة، وشيخ يكشف وجوده بؤس التواطؤ مع الفقر والفقيرات، وإمام لا يقوى على مقاومة الغواية، وفلاحة تنتهك عفتها فتنتقم لكرامتها المهدرة، وفقير يهدد بالكفر إن لم يجد ما يسد جوعه، وامرأة تغويها المدينة فتتمرد على حياتها، وأبله لا يبالي به أحد يوشك أن يفضح أسرار الجميع، وامرأة وقور تتفجر أنوثتها الغاربة عبر مشاغبات صبي، ومعتقل يخلق عالما حسيا بديلا.
لم يكن بوسع فن واحد أن يستوعب طاقات يوسف إدريس، بعد القصة القصيرة كتب الرواية والمسرح تأليفا وتنظيرا، وأدب الرحلة، ومقالا أسبوعيا يجعل يوم الاثنين مختلفا، ودراسات في الإسلاميات جمعها في كتابه «إسلام بلا ضفاف»، وأنذرنا بصرخات «أهمية أن نتثقف يا ناس»، و«فقر الفكر وفكر الفقر»، وكان كتابه «البحث عن السادات» شهادة على عصر، مقذوفا غادر فوهة بندقية وتواصلت اختراقاته لآثار عهد أنور السادات ومن والاه، فأربك ورثة كامب ديفيد «البداية الحقيقية لفترة طويلة قادمة هي فترة السيادة الإسرائيلية، بالقوة الغاشمة، على المنطقة... كامب ديفيد بمثل ما حررت إسرائيل من التهديد المصري، كبلتنا نحن بالتهديد الإسرائيلي الذي لا نستطيع الرد عليه بتهديد مماثل أو حتى الشكوى منه»، واصفا السادات بأنه لعب دورا خطيرا في تحويل مصر «من دولة مستقلة ذات سيادة إلى دولة تابعة للنفوذ الأمريكي والإسرائيلي... عقب حكم أخطر زعيم مصري أعاد اكتشاف عروبة مصر ودورها التاريخي المحتم»، ولم يتردد في وصف «الثغرة» بأنها لغز، علامة استفهام، في حدوثها ونجاحها، وأن وراءها «مؤامرة كبرى، مؤامرة ضد الجيش وانتصاره تمهيدا لفرض الاستسلام عليه»، بعد انتصاره في أكتوبر 1973.
تأمل يوسف إدريس سلوك السادات بعد «الانتصارات الأولى» للجيش في حرب 1973، فرآه «يفعل المستحيل ليتخلص وبأسرع ما يستطيع من حالة الحرب، وكأنه الطالب المرعوب من امتحان. ما إن يجيب على السؤال الأول فيه حتى يبلغ به جنون الفرحة حد أن يقف يعلن للعالم أن الامتحان انتهى وأنه نجح، ويعلن لكيسنجر أنه راض بأقل القليل مقابل أن تفرج أمريكا وبالتالي إسرائيل عن مصيره المربوط بإحلال السلام، أي سلام، وبأي كم أو كيف. وكأنها حرب نجح فيها بضربة حظ لن تتكرر، وليس بأداء عظيم لقوات وطنية مسلحة أذهلت ببسالتها العدو والصديق». لم يكن يوسف يصفي حسابا مع السادات الذي عرفه حين كان رئيسا لمجلس إدارة صحيفة «الجمهورية»، وقال إن السادات أعجب به «ككاتب إلى درجة أنه عهد لي بكتابة عموده اليومي الذي كان يشكل افتتاحية الجمهورية موقعا باسمه ومكتوبا بكلشيه بخط يده... ظللت أعمل مع السادات حتى نقلني تماما من وزارة الصحة إلى المؤتمر الإسلامي لأتفرغ لكتابة ثلاثة كتب تحمل اسمه واعتبرتها مهمة وطنية عليا إذ إن أحدها كان عن حرب السويس الوطنية والعدوان الثلاثي، وقع في خمسمائة صفحة وترجم ونشر باسم السادات في دار نشر هندية وزعته بالإنجليزية على العالم أجمع».
هذه «الكتابة» ـ التي استفزت «القطيع الساداتي» كما كان يسمي من يتلقون تعليمات للهجوم عليه ـ نالت من مشروعه الإبداعي، ونحرت في وقت كان يمكن، أو يجب، أن يكون من حظ الكتابة الإبداعية. ولعل ضميره الأدبي صارع ضميره العام، إذ كتب في نهاية الثمانينيات أنه سيعكف على كتابة الإبداع، وإن لديه مشروعات لأكثر من عشرين قصة قصيرة تستحق التفرغ، وتراجع عائدا إلى المقالات، ثم تخلى عنها بكتابة مقال أسبوعي قصير جدا، في إخلاص لقلق لا يتخلص منه. وكنت قد اتصلت به في نهاية 1990، واقترح أن نلتقي بعد حرب الخليج، وجرى لقاء طويل في بداية 1991، وأخبرني أنه يكتب منذ عامين مسرحية عنوانها «يوم الحساب»، ويكاد ينتهي منها. صمت قليلا، وتأسى على السياق العام غير المواتي للحياة فما بالك بالإبداع؟ وسألني: «هل يمكنك، وأنت تمشي في مظاهرة، تضج بهتافات ومواجهات ورصاص، أن تميل لكي تجلس في ركن وتكتب قصة؟ ألتمس العذر للمبدعين العرب؛ لأنهم يكتبون في ظروف صعبة، يبدعون ضد تيار الواقع، ولا يستريحون من أزمات متوالية لا تتيح لهم تصور عالم آخر. هذه المتعة، راحة البال، لا يتمتع بها إلا الكاتب خارج العربي».
كنت قد نشرت قصصا قصيرة منذ أبريل 1988، في مجلة «إبداع» وهو أحد مستشاري هيئة تحريرها، وترددت أن أقول له إنني أكتب القصة، وأنتمي إلى هذا الفن الذي توّجه أميرا، ولكني أنصت إلى استرساله في التفرقة بين نوعين من الكتاب العرب: الأول منفصل عن حركة الحياة، ولا أهمية لما يكتب. والثاني متصل بحركة الحياة، ومعه تنشأ كارثة على الإبداع فيتوقف؛ فلا أعتقد أن من يسبح في محيط هائج، ويحاول إنقاذ نفسه من الغرق ويرى حوله غرقى من أمته، يتاح له خلوّ البال لكي يكتب «عن» الواقع، بينما هو غارق «في» هذا الواقع، ويناضل بكل ما يملك لكي يلتئم مع الحياة. أرجو أن يتاح لي بعض الوقت، وبعض الهدوء، حتى أفرغ من «يوم الحساب»، هل تجد وقتا بلا كوراث ولا منغصات في عالمنا العربي؟ أنا في أزمة مضاعفة، لأنني لا أنفصل عن مجتمعي، وحياتي مرتبطة بحياة أهلي، وهكذا أعيش الأزمات العامة كأزمة شخصية، فلست كاتبا حرفيا ولا محترفا، وأزعم أن لي رؤية لعالم مختلف، وأسعى ـ في كل ما أكتب ـ إلى تقريب هذه الرؤية للناس، ولا يهمني في قليل أو كثير أن يقال إنني جددت في القصة القصيرة، أو أن أوصف بالنبوغ، فالنبوغ الحقيقي أن يحقق الإنسان ذاته ورؤياه في عصر كامل، ثم يتولى من يأتي بعده محاسبته.
كان يوسف يواجه عداء صامتا من نظام مبارك، منذ كتب مقاله «ليس صدام وحده المجرم»، بعد اقتحام الجيش العراقي للكويت. ذكرته بعتاب قديم وجهه إليه نجيب سرور، عتاب يزيد على اللوم ويرتقي إلى الاتهام بأن السلطة عبثت به، فقال يوسف: لم تعبث السلطة، أي سلطة، بي. العكس هو الصحيح، فقد عبثت بها كثيرا، وهذه قضية ليست سهلة، خصوصا حين يكون الكاتب شخصية عامة، وتخضع كلماته لميكروسكوبات دقيقة.
كان حصار يوسف إدريس في الأشهر الأخيرة، رغم منحه جائزة الدولة في غيبوبة الموت، بعضا من الانتقام.