روايات محفوظ .. من المماثلة والمطابقة إلى التحليل والتأويل

21/08/2016 - 1:51:40

د. حاتم الصكر - كاتب وأكاديمي عراقي مقيم في الولايات المتحدة

يستحق نجيب محفوظ روائيا وقفة متعددة المقتربات: فنية ومضمونية تمس مستويات عمله الروائي المتنوعة: دلالة وأحداثا ومكانا وزمانا وشخصياتٍ وبنى لغوية سردية ووصفا. لكننا هنا سنتوقف عند مفهوم المغايرة أو التحولات في بناء العمل الروائي واختيار الشخصيات التي تتجاذب دلالات العمل وتشي بوعي نجيب محفوظ المتقدم في زمن التقليد والاجترار السردي المألوف، ما أهّله ليكون روائي المستقبل بحسه الاستباقي، والمعرفة التي يضفيها بلا تغريب أو إلغاز أو تقعر.
ذلك كان سبب اشتراك مختلف المستويات الثقافية في قراءة نجيب محفوظ، والتي تلتمّ حول متنه الروائي خاصة وقصصه القصيرة لتضعه في مكانه المستحق الذي لم تكن نوبل المتأخرة إلا إشارة لتميزه وفرادة أسلوبه.
مدخل
إذا كانت الرواية في أبسط تعريفاتها المدرسية المتداولة هي فن التحولات فإن نجيب محفوظ يأخذ مكانته المتقدمة في السرد الروائي العربي من تحقيق هذه الفرضية عبر منجزه، وليس من (ريادته) التي تتكرر هذه الأيام كثيرا كترميز لضرورة وجود (فاتح) أو (بطل) تنبثق منه أفعال الخلق، وتفيض من حوله لتشعّ على ما حولها وتظل مركزا أو بؤرة.. وبذا تنتسب الرواية الفنية المتوفرة على اشتراطات الكتابة السردية وعناصرها اللازمة إلى نجيب محفوظ. فيما أرى أن (سبق) نجيب محفوظ، وأهمية منجزه وبراعته، وخدماته الكبرى لهذا الفن الحديث على أدبنا العربي ولعملية قراءته وتلقيه، إنما تكمن في تجسيد تلك الفرضية أي تمحور الكتابة الروائية حول (التحولات) التي وجدت تجسيدها لدى نجيب محفوظ على مستويين:
الأول: في بناء الشخصيات ونمو أفعال السَرد وأحداثه داخل الرواية وإنجاز التحولات الحادة في مسارها وصولا إلى المصائر أو النهايات. سواء تمّ ذلك في (طبائع) الشخصيات و(صفاتها)، أم في خط سير الحدث أو الفعل السردي وتحديد اتجاهه صوب النهاية، أو تعيين المصائر والحلول. وسنأتي على الشواهد والأسانيد المؤيدة لافتراضنا هذا لاحقا. لكننا نثبتهُ هنا لنرى أن مقياس (التحولات) سيحدد وجهات النظر السردية أيضا.
الثاني: في توسيع مدلول (التحولات) من ارتباطها بعناصر السرد فنيا (بناء الشخصيات/ ترابط أفعال السرد/ كسر التوقع/ الزمن والفضاء/ الإيهام/ النهايات) ليشمل رصد التحولات السياقية المتصلة بالإطار السردي لأعماله، أعني ما يحصل في الخارج من أحداث ووقائع سواء جرت بإطار المجتمع أو مؤسسات الدولة أو العالم، وانعكاسها على مهمة التمثيل أو التخييل التي تضطلع بها الرواية. وهذا ما تؤكده أعماله كلها بدءا من (الثلاثية) كشاهد على تحولات المجتمع وعلاقاته الأسرية وتحولات مصر الحادة تاريخيا من الاحتلال إلى المقاومة والاستقلال.. وحتى في المرحلة السابقة على وعي نجيب محفوظ بالواقع أو المجتمع، أعني مرحلة رصد مفردات فن تاريخ مصر القديمة كما في أعماله التاريخية الثلاثة الأولى.
لكن براعة نجيب محفوظ تتجلى في ربط تلك التحولات السياقية المؤطرة للسرد الروائي كوقائع خارجية، بأحداث السرد أو المبنى الروائي داخل العمل وانعكاس ذلك على الشخصيات والأحداث معا.
إن قراءة نجيب محفوظ بمقياس رصد التحولات سيكشف الكثير مما تخفيه (متون) أعماله الروائية، وتتجاوز مهمة تمثيل الرواية للحياة أو الواقع بواسطة التخييل لتقترح مهمة فلسفية كثيرا ما أراد لها محفوظ أن تصل إلى قارئه رغم أغلفة البساطة التي تتطلبها بنية العمل الواقعي أيا كانت صفته: انتقاديا أو تعبيريا أو تغريبيا: (يستعير من بنية الفانتازيا جانبها العجائبي أو الغرائبي المبرر للتحولات الحادة وغير المسببَة في سياق السرد أو المنطق الداخلي للعمل أحيانا، بل تأتي كمفاجآت أو نتائج خارجية).
في أفق الحرية: قراءة (المطابقة) وسوء التأويل
كان نجيب محفوظ في أعماله الواقعية حتى مطلع الستينيات أو نهاية الخمسينيات (مادامت أولاد حارتنا قد كتبت نهاية العقد الخمسيني) يقوم في منجزه الروائي بتمثيل الواقع عبر رموز متخيلة، ممكنة التصور والوجود إلى حد المطابقة والتطابق مع نماذج بشرية موجودة فعلا ويعزز إمكان وجودها، ويطمئن القارئ على إمكان تلك العملية التطابقية التي تفسر وجود الشخصيات بمدى انتمائها للخارج، نفيا لأي وجود تخيلي لها، بل تحاكم تلك القراءات التطابقية صدق الأحداث والأفعال السردية بمدى إمكان وقوعها فعليا في سياقها الخارجي لا الروائي، ولدينا في نموذج شخصية (سي السيد) في الثلاثية ما يؤيد ذلك، فقد انتقل ليغدو أمثولة أو نموذجا خارجيا توصف به شخصيات الزوج أو الأب المتسلط والمتسيد (حتى بدلالة التسمية التي لا تتم عشوائيا لدى نجيب محفوظ. وبناء على ذلك يكون للدلالة السيميولوجية للأسماء ما يبررها في قراءة أولاد حارتنا: بدءا من الجبلاوي ومهمة الجبْل بسكون الباء أو التكوين المسندة له، بمقابل (عَرفة) المنسوب إلى دلالة المعرفة أو العلم.
بالعودة إلى شخصية (سي السيد) في الثلاثية سيكون لتعميمها في الحياة العربية اليومية تجسيدٌ حي لزعمنا بميل القراء إلى المطابقة وتمثيل الحياة في الرواية. فها قد وجد القراء (نموذجا) يصلح لقياسات منقولة عن شخصيات (ورقية) إلى شخصيات من لحم ودم بدافع اشتراك (الطبائع) وتماثلها التام.
إن ذلك قد وهب القراء طمأنينة ورضى عبرت عنه بمحاولة البحث عن شخصية نجيب محفوظ نفسه في (الثلاثية)- وهي قمة أعماله الواقعية- أي مطابقة شخصيته كسارد أو مؤلف (شخص) مع وجود من يماثله داخل العمل الروائي كـ (شخصية)، لتختلف التأويلات من بعد، وصولا إلى ما يشبه المباراة في التقاط ما يلتقي واقعيا بشخص نجيب محفوظ نفسه من سمات لبعض شخصيات ثلاثيته لاسيما الشاب (كمال).
وقد عبّر الوعي الجمعي لقراء نجيب محفوظ عن فصام حاد حين قام بالمطابقة عينها ليقرأ عمله المهم- وربما أهم أعماله- "أولاد حارتنا"، فالعنوان سيهدي القراء التقليديين إلى وجود (أولاد) أو أبناء ينتمون إلى (الحارة) لهم ما لأولاد الحارات من سمات وطبائع وأفعال ودلالات، ومادامت الحارة مضافة إلى ضمير الجمع المتكلم (نا) فالمكان هو (مكاننا) وأولاده هم أولادنا، لذا جرت عملية المطابقة بشكل تقليدي بحت، لتحلَ (عبر التسميات وتسلسل أفعال السرد وفحص المصائر) لغز العمل وثم تصنّفه في المحرمات، لأن توسيع المطابقة جرى دون اعتبار للتخييل والدور التمثيلي له داخل العمل، فصارت (الحارة) هي عالمنا، وأولادها هم رسل وأعلام ومفكرون يعبّر انتصارهم أو خذلانهم عن رأي الكاتب نفسه بهم، وليس بكونهم أبطالا أو (شخصيات) عمل متخيّل يعيشون داخل سياقه ونظامه الخاص، وحتى في افتراض صحة ما نوى نجيب محفوظ أن يسجّله من تاريخ البشرية ومصيرها داخل العمل، فإن رفض (المطابقة) هذه المرة مع الحارة بمعناها القريب لا الرمزي يعبّر عن انتقائية القراء العامة أو السطحية، فهي التي قبلت المطابقة ومماثلة الخارج في أعمال نجيب محفوظ الأولى ثم رفضتها حين توسعت دائرتها لتشغل فكر القارئ وتثير أسئلته.. أي بدخولها في ما هو وراء الواقع والعالم المادي القريب.
إن الدعوة إلى قراءة النصوص الأدبية بكونها تخييلا لا يعكس وقائع الخارج أو يطابق مجرياتها، هي في صلب مشروع الحداثة على مستويي الكتابة والتلقي، لأن كتّابا كثرا لا يزالون يرون في العمل الأدبي تمثيلا تطابقيا، فيقدمون للقارئ ما يرضي فضوله وحاسته التمثيلية لرؤية حياته وسواه على الورق. رغم أن محفوظ بغرائبية شخصياته يضفي نكهة (سحرية) على واقعيته، سرعان ما تنسى في حمى حلّ ألغاز الدلالات التطابقية لأعماله.
صراع الوعي القائم والممكن: ثلاثة وجوه لأنثى واحدة
بين وعي نجيب محفوظ القائم أي المتكون بتراكم التربية والثقافة والمجتمع والمعتقد ووعيه الممكن المتحصّل من رؤاه الشخصية وشعوره وأحاسيسه وأفكاره مسافة يمكن رصدها من خلال (تحليل) الشخصيات ذاتها، لا البحث عن نظائرها ومساوياتها في المجتمع والواقع والحياة.
يمكن بالطبع قياس تلك المسافة بين وعي يجتره محفوظ موروثا عن سلالة جماعية يعيش حياتها ويعيد إنتاج أفكارها، ووعي شخصي وخاص ناتج عن كدّ ذاتي، بمقاييس أخرى، كتصوير الأمكنة مثلا وتوسيع دلالتها، أو مقاربة (الأفكار) و(الطبائع) و(التصورات) الخاصة في العمل الروائي، أو قراءة الأيديولوجيا- لا السياسة بالمعنى الضيق واليومي- في ثنايا أعماله، ولكون (تحليل) الشخصيات سيعطي منظورا أقرب، لأنه يكشف تلك (التحولات) التي زعمنا أن فن الرواية منشغل بتجسيدها، بكيفيات تخييلية، وحتى في حالة حرمان الشخصيات من تلك التحولات، فالمدلول سيحضر في غياب الدال المشير إليه بدلالة قراءة المسكوت عنه أو المغيّب وغير المتعين سرديا.
وفي ظني أن (المرأة) من أبرز الشخصيات الممكن إجراء التحليل النصي على وجودها وغيابها، فعلها وقصورها، ودلالات ذلك كله ضمن منظومة الفكر الليبرالي الذي عرف به نجيب محفوظ في تفوهات خارج أعماله، أي في مواقفه ورؤيته وتصريحاته ومقابلاته.
في الفترة أو المرحلة الواقعية من مسيرته الروائية، كانت (المرأة) ذات وجود نمطي ينتجه الوعي القائم أو السائد فهي لا تشترك في تحديد المصائر، ولا تغيير الطبائع، أو رسم خطوط السرد واتجاهاتها نموا أو تراجعا، فكأنما هي تنعكس ممثلة على الورق كما هي خارجه، ويعاد إنتاج صورتها النمطية: أما أو زوجة أو حبيبة أو أختا كما يرسم لها الرجل- أو يريد لها- من دور اجتماعي يحكم نوعها الأنثوي كله. هكذا يمكننا التعرف على دور المرأة كوجود مشخص في الثلاثية مثلا، فهي أم ضعيفة منسحقة أمام جبروت الزوج، وبنت تخفي رغبتها وحقها في اختيار الزوج، وتغيب كوجود سردي فاعل إزاء جبروت الشخصيات الرجالية التي تبدأ بالزوج المستبد والمنقسم أخلاقيا وتنتهي بالشهيد الذي يموت في المظاهرة لأنها من فعل الرجال حصرا.
وإذا كان حضور المرأة بهذا الشكل يبرره انهماك محفوظ في مهمة تمثيلية أكثر منها تخييلية، وانصرافه إلى (انتقاد) واقع معاش وقائم، فإن مرحلة الستينيات التي نضج فيها وعيه الممكن والشخصي جديرة بأن نتفحص فيها صورة المرأة كما وردت في عدد من رواياته.
لكننا سوف نستبق ذلك مقررين حقيقة قابلة للنقاش والجدل فحواها أن محفوظ ورغم تطور وعيه على مستوى الكتابة الروائية من جهة، والفكر والرؤية والاعتقاد من جهة ثانية، ظل يعيد إنتاج صورة المرأة كما رسمتها ذاكرة الإنسان المتأثر بقصة الخطيئة الأولى، ودور المرأة في تلك الخطيئة الأزلية، وتسببها في العصيان بمكرها ودهائها ثم دورها في العقاب الذي حلّ بالبشر، نتيجة خروج آدم من الجنة أو طرده عقابا له على المعصية التي ستظل تحكم الفكر البشري طويلا، وتتخذ أشكالا متعددة في الفلسفة والفكر الديني، وفي الفن التشكيلي والمسرح.
وفي الأدب كذلك لقد تطور وعي نجيب محفوظ بوجود المرأة ودورها من حضورها المرآتي المنعكس من وجودها الاجتماعي ووظائفها في الأسرة والحياة، كما عبرت عنها المرحلة الواقعية، إلى تجسيد حضورها كما تكونت في الفكر الإنساني عبر مراحله المختلفة، سواء في المعتقد أو الأسطورة أو التقاليد والثقافات الشعبية والجمعية الموروثة.
هنا سيجري على المرأة قانون (التحول) الروائي، بل ستكون فاعلا دلاليا وسرديا، وتسهم في أحداث السرد وشبكة علاقاته ومصائر شخصياته أو تحولاتهم، وينعكس وجودها زمنيا ومكانيا، وتسهم في خلق (لغة) الرواية وصفا وحوارا وكذلك تشكل جزءا مهما من إيقاع الرواية من حيث تتابع الأحداث أو تقاطعها وتوزيعها الزمني والسردي داخل العمل. إذا حصل وعي بدور المرأة في (تحولات) السرد الروائي كما هو دورها في (تحولات) البشرية عبر تاريخها. وتوسعت دلاليا من وجودها البيتي أو الاجتماعي المنّمط والمحسوب برقابة الرجل والهيئة الاجتماعية التي يتسيد عليها. فغدت في أعمال المرحلة الوسطى من تطور نجيب محفوظ الرؤيوي والفني ذات فاعلية سردية، ودلالات على التحول وتحديد المصائر واتجاهات السرد. لكنها حاضرة بالهيئة المتشكلة من يقين غير معلن لدى الكاتب بدور المرأة في تلك الخطيئة التي اختل بسببها نظام الكون وانحرفت مسيرة الإنسان الفردوسية، ليصبح كائنا أرضيا معذّبا ومعاقبا.
لقد كان الكون- لا الحارة أو البيت أو مكان العمل- مرتبا حتى حضرت المرأة بوعيها وفكرها وفعلها فاختل ذلك الترتيب. هذا هو ما تلخصه الصورة النمطية التي أنتجها الرجل صانع الخطاب عبر التاريخ، ثم رسّخها ليبرر بها حكمه على المرأة بالنقصان تارة والمكر أخرى.
في ثلاث روايات لنجيب محفوظ متقاربة إلى حد ما في زمن كتابتها، ينعكس أكثر من يقين تهبه لنا القراءة الرمزية المستندة إلى تأويل الملفوظ، والحفر عمّا يخفيه من دلالات، فوجود المرأة في روايات (الطريق) و(ثرثرة فوق النيل) و(ميرامار) يؤشر إلى عدة معطيات أبرزها:
ـ ترسيخ دور المرأة الفاعل والمتفاعل والمسهم في خلق التحولات على صعيد الفن والتاريخ معا.
ـ انتقالها من وجود ظلّي وتابع وذليل وسلبي في المرحلة الواقعية إلى وجود خالق لأفعال السرد ومسهم في تقاطعاتها وتشابكها.
ـ تعمق صورتها المتخيلة روائيا لا المنتجة عن تمثيل دورها الحياتي فقط.
ـ ربطها بالأسطورة والرمز وإضفاء غنى دلالي معمق على شخصيتها لإثارة المخزون الميثولوجي لدى القارئ عند استقراء صورتها ودورها.
ويبقى المؤشر الأكثر أهمية هنا والذي يمثل مجازفة قابلة للنقاش والاختلاف، وهو الزّعم بأن محفوظ ظل ينتج دور المرأة وفقا لوعيه القائم بالوراثة والثقافة الجمعية، مجسّدا المسافة التي افترضناها بين ذلك الوعي، وما نشأ عليه وعيه الممكن والمتجاوز افتراضيا للسائد والمألوف.
في (الطريق) مثلا لا ينجز بطل الرواية مهمته في البحث عن سيد سيد الرحيمي والده الذي فقد أثره وجاء إلى القاهرة بحثا عنه، فلقد سار في (طريق) آخر لم يكن ليوصله إلى العثور على الأب المفقود، وسرديا تقدم لنا الرواية سببا يصبّ في المجرى الميتافيزيقي لوجود المرأة في صلب الخطيئة الأولى. حيث إن زوجة صاحب الفندق الذي نزل فيه الرجل بحثا عن أبيه- وهي شابة تغريه بقتل زوجها إيهاما له بأنها تحبه، ثم تهرب مع عشيق آخر لتتركه يؤول إلى السجن، بل بشعور معذّب عن اعتقاده بأن العجوز القتيل- صاحب الفندق- ربما كان هو الأب المبحوث عنه، مع ملاحظة دلالة اسم الوالد المشتق من السيادة والرحمة معا.
كانت المرأة إذن قد أوقفت بحث الفتى عن أبيه وقادته صوب طريق لا تؤدي إليه.
أما في (ميرامار) فإن سكون البنسيون وسلامه المنعكس على طبائع زبائنه سرعان ما يغيبان عندما تحل (زهرة) عاملة النزل ليتخاصم حولها النزلاء أو بسببها، فتؤدي بهم الخصومة إلى جريمة قتل تهز أركان المكان الذي فقد سلامه وجماله وتَعايُشَ زبائِنه، حتى بدون (مكرٍ) نسوي، وإنما لمجرد ظهورها على مسرح الأفعال هذه المرة.
وفي (ثرثرة فوق النيل) فإن المرح والحياة الدنيوية البهيجة لأصدقاء العوّامة، سرعان ما تتبخر بحضور الصحفية التي تهز العوامة عند دخولها ترميزا لما سيحدثه حضورها من زعزعة لذلك المرح والبهجة والغياب عن الوجود بفعل المخدّر الذي يتعاطونه، ويقتسمون أنفاسه مغادرين طبقاتهم ومهنهم وأفكارهم واختلافاتهم. لكن (المرأة) توقظ تلك الخلافات وتتسبب في انهيار الجماعة وخلاء العوّامة والانتهاء بجريمة قتل (دهس) هذه المرة.
إن ما تعطيه المرأة من دلالات هنا يلتقي في حاصله رغم اختلاف هيئات النساء الثلاث ووعيهن وطبائعهن. لكنهن أصبحن وجوها لمرأة واحدة، لها دلالة واحدة مستخلصة من وعي المجتمع بها، وهو ما يعيده نجيب محفوظ بتلقائية ودون حيَلٍ سردية أو فنية. لكن ما يجب ملاحظته هنا هو براعة محفوظ في إشراك المرأة في صنع التحولات في قلب الرواية أو بؤرتها السردية، مطابقا بذلك بين توسيع دورها السردي، واتساع مساهمتها في الحياة وما يجري فيها من تحولات.
النساء الثلاث إذن لن يجدن مثيلات يقاس عليهن أو يُحال إليهن كما جرى في الفترة الواقعية من مسيرة محفوظ الروائية، وانتشار أمثولة (سي السيد) مثلا. بل سيكون لهن وجود أسطوري أو رمزي يعبر عن تطور وعي محفوظ الفني، وتعميق شخصياته المركّبة التي استدعت التحليل والتأويل لا المطابقة والمماثلة. وهذا بحدّ ذاته- ومهما اختلفنا مع منظوره الاجتماعي- تأكيد لقدراته الفذة في الكتابة السردية التي تميز بها وأكسبته مكانته الخاصة التي لا تتكرر ولا تقلد.