أصداء السيرة الذاتية .. غرفة مليئة بالمرايا المتقابلة

21/08/2016 - 1:50:45

د. بهيجة مصري إدلبي - كاتبة سورية

في التجربة تقترب البداية من النهاية لتقفا في مقام واحد، كما يقترب الصوت من الصدى، وتتسع الفكرة فتضيق العبارة، وتغتسل الذاكرة من فائض الذكريات، لتكتفي بظلال المرايا التي تكشف ظل الذات عبر رحلتها بين الكلمة والمعنى.
وفي التجربة لا معنى للمقولات إلا في إشاراتها، لأن الإشارة هي التي تضع المقولة في مختبر الكشف، لتنفتح على التأويل.
وإذا كان السرد تشكيلا جماليا للوجود في الذات، فإن تحولات الذات في هذا التشكيل، وتحولات هذا التشكيل في الذات هي التي تجعل السرد أكثر استجابة لطاقة التجريب، وطاقة الكشف عن مسارات مختلفة للخطاب.
هكذا يمكن أن نستدرج اللغة للوقوف في مقام من وسّع ذاكرة الحكاية، ووسّع ذاكرة التاريخ، وبالتالي نهض بالسرد إلى مقام الوجد والفتنة، لتصبح الرواية العربية ـ بعد أن ألبسها نجيب محفوظ قميص غوايتها أكثر فتنة وغواية، فهو الذي منحها هويتها، وطاقتها، وحلمها، فأفردها في الذاكرة الإبداعية العربية كما تفرد غيمة ظلها.
وكما هي مواقف المتصوفة التي يختبرون فيها كشوفاتهم في التجربة، وتجاربهم في الكشف، على سلم الوجد بين الفكرة والمعنى، كانت "أصداء السيرة الذاتية" مواقف ومخاطبات لنجيب محفوظ يختبر فيها التجربة على مستويين.. المستوى الأول التجربة الجمالية لرهاناته في الخطاب، فقد اختلف الخطاب في هذه التجربة عن كل التجارب التي سبقته في مدونة محفوظ الروائية، ليصبح عملا منفردا في تجريبيته، وفي مقاماته السردية، وفي تجنيسه الخطابي الذي أثار جدلا بين النقاد والدارسين، فهو عمل إبداعي مسقط على مرآة الذات، وسيرة للذات في مرآة الوجود، ليختبر الصدى في السيرة، والسيرة في الصدى.
والمستوى الثاني، التجربة الوجودية في الكشف عن الرؤية الفلسفية التي اختبرتها الذات في ذاتها وفي العالم، وذلك عبر طبقتين سرديتين.. الأولى تجسدت في الخطاب السردي ما قبل ظهور "عبد ربه التائه"، فكانت بمثابة المرايا التي تختبر فيها الحكاية في الزمن، وكأنها اختبار للذاكرة عبر حكايات مكثفة أو مشاهدات، لتكون تلك المرايا تمهيدا لشخصية عبد ربه التائه، الذي جسد خطابه الطبقة السردية الثانية، حيث تحول بالخطاب إلى مختبر السؤال، ومختبر التجربة الفلسفية التي تنفتح على لا نهائية التأويل، ولا نهائية المعنى بمقولاتها المجردة.
هكذا تستجيب أصداء السيرة الذاتية لنجيب محفوظ لاختبار التجربة الجمالية، في الخطاب السردي العربي، وإذا كانت تجربته الروائية والقصصية قد اختبرت كثيرا في المختبر النقدي، سواء على مستوى الخطاب، أو على مستوى التجربة السردية، إلا أن ثمة أعمالا في تجربة محفوظ، كلما اختبرت زادت الدرس النقدي غواية، لأنها تحمل محفزها القرائي والنقدي في ذاتها، أي أنها لا تستنفد بقراءة أو أكثر، لأنها تستجيب لتحولات الزمن واختباراته، دون أن يخفت بريقها، ودون أن يتعطل المعنى والكشف في خطابها، ذلك أن الحكاية فيها تحولت إلى إشارة، والإشارة إلى سؤال، والسؤال إلى كشف، ليقف الدرس النقدي أمامها كما يقف أمام أسطورة ابتكرتها الذات. ما يفتح أمام النقد بصيرة أبعد من النظرية، وأبعد من التأويل.
ومن هنا يمكننا القول إن "أصداء السيرة الذاتية" من الأعمال التي كلما قرأتها انفتحت أمامك نوافذ جديدة للتأويل والمعنى، ونوافذ جديدة لاختبارات النظريات والمدارس النقدية، لأن نجيب محفوظ فيها قد اختبر مقدرته وطاقته الجمالية على تكثيف حلمه في المعنى، وتكثيف حلمه في الكتابة المختلفة، وتكثيف الفكرة التي اكتنهت التجربة الجمالية الحديثة التي بدأها من 1959 كما قال في إحدى رسائله "وثابت أنني ملت إلى تجربة الأساليب الحديثة بدءا من عام 1959 قبل أن يشرع الشباب الجدد في نشر شيء من أعمالهم، هذه حقيقة لن تقلل من مجهود الشباب الذي أحترمه وأعجب به، كما ينبغي الاعتراف أيضا، بأن كثيرين منهم يجربون أساليب لم أقترب ـ وربما لن أقترب ـ منها على الإطلاق". ولعل هذا التصريح هو الذي يضيء العتمة التي أربكت الدرس النقدي حول هذا العمل، وبالتالي لا يضيرنا القول إن أصداء السيرة الذاتية هي أكثر تلك الأعمال استجابة للأساليب الحديثة، فهي على مستوى الشكل أو على مستوى البنية، قد اتخذت من الومضة القصصية أو القصة القصيرة جدا، شكلا فنيا منسجما مع المقولات التي تستدرجها الحكايات، أو المرايا التي تعكس صورا من الذاكرة، ولا يدخلنا هذا الخيار الشكلي للخطاب في حيرة كما أدخل الكثيرين، لأنه خيار المبدع، وخيار التجربة، وكأنه الضرورة الجمالية والضرورة الذاتية كي يستوي الخطاب، وتستوي الفكرة، وتستوي الذات في كشف مراياها الغامضة، في هذا الشكل الروائي أو السردي الجديد.
أما على مستوى البنية الفنية والوعي الجمالي للتجربة السردية، فنجد ثمة فهما جديدا ومختلفا للبناء الزمكاني الذي يتحرك بحرية تامة بين الماضي والحاضر والمستقبل، كما يتحرك داخل الشخصية ويتحرك داخل وعيها ويعيد تشكيلها، ومن هنا فإن ثمة جدلا يعري الزمن كما يعري المكان، كما يعري الحكاية، لتصبح الحكايات القصيرة مضغوطات زمنية بإمكان القارئ أن يشارك في تحليلها وتفكيك عناصرها، والكشف عن سردها المحذوف، وبالتالي يمكن أن يعيد تشكيل الذاكرة عبر هذا الشكل المفتوح الذي ابتكره محفوظ لتحريك الذاكرة في السرد.
فرواية "أصداء السيرة الذاتية" أشبه بغرفة مليئة بالمرايا المتقابلة التي تضاعف ظلالها، وبالتالي تدخل القارئ في تجارب يغيب فيها الشخص لتبقى ظلاله، وكأن لا حقيقة في الوجود سوى للظل، والصدى، ومن هنا فإن نجيب محفوظ كان واعيا لهذه الحقيقة، فابتكر لذاته ظلين هما بمثابة الصدى لشخصيته.. الظل الأول هو شخصية الحكيم التي ظهرت في بعض المقاطع كمقطع (السعادة ـ رسالة ـ عتاب ـ الوظيفة المرموقة ـ الساحرة ـ الذكرى المباركة) ليؤول له بعض الأحداث تأويلا فلسفيا أو ليتحول بخطاب الحكاية إلى مقولة مكثفة تكتنه الحكمة في تشكيل المعنى، وبالتالي يجعل من الحكاية كشفا للمقولة، أو تمهيدا لها، ويجعل المقولة كثافة للحكاية في المعنى، كأن يقول له "من ملك الحياة والإرادة فقد ملك كل شيء وأفقر حي يملك الحياة والإرادة" أو "قوة الذاكرة تنجلي في التذكر كما تنجلي في النسيان"، أو يحاول أن يكشف له عن علاقة الذات بالحب، وعن فلسفة الحب في الذات بقوله "ما الحب إلا تدريب ينتفع به ذوو الحظ من الواصلين".
أما الظل الثاني الذي ابتكره نجيب محفوظ لشخصيته ليكون صدى لذاته، مصورا الجانب الفلسفي من ذاته، والجانب الوجودي فهو عبد ربه التائه الذي كان أكثر استجابة للكشف عن هذا الجانب من شخصية نجيب محفوظ، وأكثر استجابة لكشوفات التجربة، التي هي أشبه ما تكون بالتجربة الصوفية في محراب الكلمة والمعنى والرؤية، حيث تنكشف خلالهاالأشياء، والأفكار، وتنفتح الرؤى أمام المبصر في ذاته، وفي حلمه، ليقرأ في صفحات الذات صدى الوجود، لأن كتاب الذات هو الذي يرشده إلى حلمه وإلى وجوده، وبالتالي إلى رهاناته التي كان يراهن عليها، منذ أول حرف كتبه، لتكون الأصداء هي رهانات الذات في الإبداع، ورهانات الذات في الوجود، وليكون عبد ربه التائه هو صدى شخصية محفوظ وظله الذي يؤول ذاته من الداخل وهي تختبر وجودها في الفكرة والمعنى.
وكأنَّا بنجيب محفوظ أراد أن يقدم مداخل لرؤاه، ولأفكاره التي انفتحت عليها تجربته في الكتابة لتكون الكتابة هي المختبر الذي يختبر فيه محفوظ رؤاه في الزمن، ورؤاه في الكشف عن فلسفته الخاصة في فهم العالم، وهنا يصبح الإبداع كشفا لكثافة الذات الفلسفية، وكشفا لبصيرة الذات وهي تصاعد على سلمها الإبداعي، ليصبح محفوظ بهذا العمل أقرب إلى رؤى أبي حيان التوحيدي في "الإمتاع والمؤانسة"، مبتكرا شخصية كاشفة مبصرة، لتكون صدى لذاته، وصدى لتجربته، بمقولاتها المكثفة التي تنهل من العمق الصوفي في التعبير.
وإذا كان الخطاب الفلسفي محاولة لفهم الوجود عبر استقراء الذات لهذا الوجود، وإذا كان الخطاب الصوفي هو عروج إلى ما وراء المعنى في فهم الوجود، فإن محفوظ في أصدائه قابل بين الخطابين في ذاته، لتكون له مقولاته وتأويلاته الخاصة التي تنهض من حركة المعرفة في الذات، وحركة المعرفة في العالم، لتستوي تلك الحركة في الإبداع خطابا مختلفا، ورؤى مفارقة لما قبلها، وكشفا لصدى المعرفة في المختبر الذاتي والسردي.
فحين يستقرئ الزمن الرهان الأكثر استجابة لتجربته الإبداعية يراه عبر فلسفة الحاضر "الحاضر نور يخفق بين ظلمتين"، وهنا يلتقي مع الخطاب الفلسفي من أن الحاضر هو الأبدية، إلا أنه يفترق عن ذلك الخطاب بإلقاء العتمة على ما قبل وما بعد، فلا حقيقة سوى للحاضر وما دون ذلك فهو عرضة للتذكر أو للتأويل بين عتمتين عتمة الماضي وعتمة المستقبل..
ومن هنا كان التيه هو الصفة الملازمة لشخصية عبد ربه، لأن التيه هو العزلة في الحاضر عن العتمتين، لذلك كان أول ظهور للشيخ عبد ربه التائه.. حين سمع وهو ينادي "ولد تائه يا أولاد الحلال" ومن هنا تبدأ الحكاية، حكاية الكشف، والتأويل، وفلسفة الوجود، ليصبح عبد ربه التائه، بصيرة نجيب محفوظ، ومؤولا لحكمته في الحياة، "ففي كلامه متعة وإن استعصى على العقل أحيانا" ليستدرج تلك الحكمة تارة عبر السؤال وتارة عبر الحوار وتارة عبر الاستقراء، ففي فلسفته للحياة يرى أن "حب الدنيا محور طريقتنا وعدونا الهروب"، والحياة "فيض من الذكريات تصب في بحر النسيان، أما الموت فهو الحقيقة الراسخة". وعبر هذا الفهم للحياة يرى الخلود حقيقة لمن يتذوقه، "فلن يكبل الموت من يتذوق طعم الخلود"، لذلك يرى "أن من يذم الدنيا إنما يذم ما ران عليها من فساد"، لتتوالى المقولات بغموضها ووضوحها، وفلسفتها المجردة أحيانا، وكأنها زبدة الذاكرة، وزبدة المعرفة، وزبدة التجربة.
فمن اختبرته التجربة واختبرها، يرى "الكمال حلم يعيش في الخيال، ولو تحقق في الوجود لما طابت الحياة لحي" فنحن البشر قد "طبعنا على حب الحياة، وكره الموت" ومع الزمن "بعض أكاذيب الحياة تنفجر صدقا". أما في فلسفة الحب فيرى أن"خفقة واحدة من قلب عاشق جديرة بطرد مئة من رواسب الأحزان"، و"لولا الحب لجف الماء، وفسد الهواء، وتمطى الموت في كل ركن"، و"قد تغيب الحبيبة عن الوجود أما الحب فلا يغيب"، و"إذا أحببت الدنيا بصدق أحبتك الآخرة بحرارة"، و" كما تحب تكون"، و"نسمة حب تهب ساعة تكفر عن سيئات رياح العمر كله"، و"إذا راودك خاطر اكتئاب فعالجه بالحب والنغم"، و"الحب مفتاح أسرار الوجود".
وقد تستجيب بعض المقولات لحركة الذاكرة، في استدراج شكل خطابي مختبر في التراث ليعيد تشكيلها تشكيلا جديدا منسجما مع حركة الحياة كما هو الحال في مقولة أوردها أبو حيان التوحيدي في كتابة "الإمتاع والمؤانسة":
سئل ديوجانس "متى تطيب الدنيا قال إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها" وهنا تأتي مقولة محفوظ على لسان عبد ربه التائه لتتناص مع تلك المقولة ولكن بتأويل مختلف:
سألت الشيخ عبد ربه التائه
ـ متى يصلح حال البلد
فأجاب:
ـ عندما يؤمن أهلها بأن عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة.
فهو يحيل الإصلاح إلى إيمان الناس بالتغيير، وليس إلى فلسفة الحكام، وبالتالي تصبح فلسفته أكثر اتصالا بالحياة، أكثر انسجاما مع الحاضر في استقراء المستقبل.
أما حين ينتقل الشيخ عبد ربه التائه إلى فلسفته الكونية، يصبح الخطاب أكثر تجريدا، وأكثر عمقا، وأكثر استجابة لفتوحات المعنى، "في الكون تسبح المشيئة، وفي المشيئة يسبح الكون"، و"إنهما اثنان بقوته خلق الأول الآخر، وبضعفه خلق الآخر الأول"، "ولقد فتح باب اللانهاية عندما قال: أفلا تعقلون"، و"مع شهيق الكون وزفيره تهيم جميع المسرات والآلام"، و"أقرب ما يكون الإنسان إلى ربه وهو يمارس حريته بالحق"؛ لأن "وجود الله هو الذي أنقذنا من العبث في الدنيا ومن الفناء في الآخرة".
هكذا تنفتح السيرة على صداها، كما تنفتح التجربة على ظلالها، لتصبح الأصداء حقيقة الرؤية، والظلال مختبر التجربة.