الراوي المتعدد وتداول سلطة السرد في «ميرامار»

21/08/2016 - 1:49:49

لقطة من فيلم ميرامار لقطة من فيلم ميرامار

د. نجاة علي - ناقدة وشاعرة مصرية

حين يتعرض «ميخائيل باختين» لمسألة وجود الأصوات الأيديولوجية داخل الأعمال الروائية، فإنه يشير إلى أن حضور الأيديولوجيات داخل الأعمال الروائية يتأتى عن طريق خلق أصوات متعددة في عمل روائي واحد تمثله شخصية أو عدد من الشخصيات تعكس نفسها بنفسها وتعبر عن موقفها الخاص, وتدخل في صراع ذي طابع حواري - فكري بالأساس - مع شخصيات أخرى, ويكون موقف الكاتب «حياديّا» لأنه لا يتدخل إطلاقا لجانب صوت آخر( ).
وإذا ما توقفنا أمام رواية «ميرامار» فسوف نجد أنها رواية «بوليفونية» بامتياز, أي أنها ذات بنية متعددة الأصوات لأحداث واحدة إلى حد ما. كما أن الصورة التي يرسمها الراوي لنفسه تكون غالبا أكثر وضوحا من التي يرسمها لسواه, أو يرسمها سواه له, فهو يبين للقارئ ما لا تعرفه الشخصيات الأخرى عن الراوي وما لا يعرفه الراوي عن نفسه أحيانا.
ويقوم هذا النوع من التعدد على التراكم, فكل صوت يكشف عن جانب من جوانب الحقيقة الخارجية, وكل هذه الأصوات تتضافر في بنية واحدة. وليس من الضروري أن تكون هذه البنية متناغمة, فقد تنطوي في داخلها على تناقضات.
يمكن للراوي في هذا النوع من الروايات أن يناقض أبطال الرواية أو يستخدم تطبيق مقولة «من يمسك عن الكلام فإنه يقبل ضمنا ما يحدث»( )، وبذلك يضفي عليهم الواقعية. ويمكن أن يسمح لهم بأن يتحولوا هم أيضا إلى رواة، أو أن يحدث العكس بأن يتحول هو إلى شخصية من شخصيات الرواية. وعلى أية حال فإن الراوي هو السلطة التي يجب الخضوع لها, فإذا ما كان فيه شبه بالكاتب فإن هذا الأخير قد أعاره شخصه مع سلطته( ).
وإذا سلمنا بأن المعرفة نسبية فإن راويا واحدا قد لا يلمُّ بها من أطرافها كاملة. ولذلك كان الرواة في ميرامار مختلفي المشارب والمعارف, فتنقلوا في أيديولوجياتهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن التعقل والحكمة إلى الجنون. ولعل نجيب محفوظ قد أراد فى هذا النوع من الروايات أن يكسر حصانة الراوي, أو لنقل إنه يفكّك مركزيته. فليس هناك راوٍ يحتكر سلطة الكلام، أو يمتلك القدرة على معرفة كل شيء، بل هناك رواة عدة يشغل كل واحد منهم حيزا منفصلا من المساحة الكلامية للرواية. وفي هذا النمط من الروايات يستخدم السرد بعض التقنيات التي تستهدف كسر التصور الواحد للحقيقة.
وقد يكون اختيار المكان نفسه الذي تدور فيه الأحداث في رواية «ميرامار» وأماكن اللقاء في الإسكندرية ذا مغزى خاص, بحسب أن الإسكندرية هي مركز يجمع التعددية في مكان واحد. فيمكننا أن ننظر إلى رواية «ميرامار» على نحو ما بوصفها أمثولة قومية تفصّل أثر ثورة 1952 على الإسكندرية بأقلياتها الإثنية تحديدا, حيث يشعر الناس بأن الاستقلال لم يؤتِ ثماره وإنما أصبح استمرارا وتعقيدا للمشكلات التي يعانيها الوطن.
أما المكان الذي يمثله البنسيون (ميرامار) فهو «صورة مصغرة» عن المكان الأكبر (الإسكندرية) الذي يضم البنسيون والحانات الأكبر كثيرا, لأن كل شخصية تنضح بما في داخلها, وماضيها يفضحها في هذه الرواية, فـ«سرحان البحيري» لا يعرف سوى الأمكنة الشبيهة بالبنسيون, وإن تعددت أسماؤها, كذا شخصية «حسني علام» أو «منصور باهي» أو «طلبة مرزوق». وإذا تنقلت هذه الشخصيات من مكان إلى آخر, فإنها تنتقل إلى أمكنة شبيهة وغايات متقاربة. ومن هنا اختلفت شخصية «عامر وجدي» ذلك الرجل الذي يحافظ على المبادئ والقيم و"زهرة" التي رأى فيها شيئا من مبادئه, فحاول أن يرشدها ويرسم لها الطريق.
ورغم تعدد الرواة في الرواية إلا أنها محكومة بموقع الكاتب الراوي, ويمكننا أن نلاحظ أن وجهة النظر تبدو أكثر تميزا بين الرواة الباقيين وهي وجهة نظر «عامر وجدي»، ربما لأنه هو من يفتتح السرد وهو الذي يختتمه. وهو بعد أن يفتتحه يتخلي عن سلطة الكلام للآخرين كي يرووا مثله, ثم يعود ليسترد سلطته مرة أخرى منهيا بذلك دورهم في السرد. كان عامر وجدي هو القادم الأول إلى البنسيون، كأنه بهذا القدوم صاحب الفضل بمجيء عالم البنسيون إلى السرد، أو كأنه علة قيامه بالكتابة, أو علة تسليط ضوء الكلام عليه وخلفه عالم يستحق الوجود في القراءة. كان «عامر وجدي» آخر من بقى بالبنسيون بعد انتحار «سرحان البحيري», وبعد أن أعلن حسني علام «عن عزمه على الانتقال من البنسيون إلى مقام جديد».
وحينما قررت مدام «مريانا» صاحبة البنسيون صرف «زهرة» عن عملها في البنسيون, بدا «منصور باهي» كمن مسَّه جنون فغادر بنفسه إلى البوليس ظنّا منه أنه هو الذي قتل «سرحان البحيري». وقد غادر الجميع وبقي «عامر وجدي» وحيدا, ظل وحده شاهدا على نهاية عالم البنسيون. بقي ليخبرنا بذهاب الجميع, بوحدته وبنهاية السرد. إنه الراوي/الكاتب. ومما يرجح هذا الأمر هو أن شخصية «عامر وجدي» هي لصحفي قديم, وهو ما يمنحه القدرة على أن يروي ما يريد كتابته.
يروي «عامر وجدي» الأحداث الرئيسية التي تكررت إلى حد ما عند الرواة الآخرين, فيصف الشخصيات والأمكنة وصفا دقيقا, وكأن قلمه عين كاميرا لاقطة, فيبدأ بالوصف الشعري للإسكندرية التي يتشوق إلى العودة إليها, وللراوي ذكريات فيها محفورة في وعيه. وهو كمرآة سحرية ترسبت تحت سطحها الأملس صور الماضي البعيد:
«الإسكندرية أخيرا. الإسكندرية قطر الندى. نفثة السحابة البيضاء, مهبط الشعاع المغسول بماء السماء, وقلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع».
ويمكننا أن نقول إن الرواة في «ميرامار» يطرحون وجهات النظر المختلفة حول الحدث الواحد؛ فمثلا تختلف وجهات نظرهم إلى الثورة باختلاف المواقع التي ينظرون منها. فلم يكن «عامر وجدي» مثلا واحدا من المنتمين إلى النظام القديم, بل كان الوجه النضالي للثورة الأولى التي قتلت زوج ماريانا, وجدلت الحبل لرقبة طلبة مرزوق، فثمة قطعة كبيرة من النعاس في جانبي عينيه, في أثناء يقظته يرى من خلالها الماضي والحاضر معا كما لو كانا يحدثان في الوقت نفسه. كان سعد زغلول يقول له «أنت قلب الأمة الخافق», وقد خفق قلبه بصورة مثالية لثورة 1919, أهدافها الكبيرة ومبادئها السامية, وتضحيات جنودها, كما خفق في أمل لانتصاراتها المحدودة, وفي أسى عميق لارتطامها بالحدود والعقبات.
إنه يمثل من «الوفد» و«ثورته العالمية الخالدة» كما يسميها, جانب الأوهام المحلقة في السحب والعبارات الحماسية ذات الدوي الشعري بعيدا عن المصالح الطبقية الأنانية والضيقة, لم يرَ خلف شعارات الثورة المتجر الرأسمالي وأكياس أعيان الريف.
ولعل شعور «عامر وجدي» بأن «زهرة» تمثل الثورة هو ما جعله يشعر بأبوته الروحية لها وأنه يجب أن يكون أمينا عليها, ومن هنا يحاول أن يرعاها, ويقدم لها النصائح المتتالية لأنه رأى فيها البراءة والصدق والعناد. ويقص علينا «عامر وجدي» من موقع الراوي أنه ترك الوفد قبل الثورة, ولاذ بقوقعة الحياد الباردة بين التيارات المتصارعة في ذلك الوقت, ولم يفهم الشيوعيون وأبغض الإخوان المسلمين. فكيف الخروج من اللا أدرية العميقة, واليقين الخامل في الوقت نفسه, والابتعاد عن مأزق دفعه إليه معاصروه ونزعة تجارية سوقية هجرت قيمها الثورية السابقة, أو مأزق دفعته إليه نزعة مثالية مجنحة تفتقر إلى سند واقعي؟ فهو لم يعرف العمل الثوري خارج الحماس العاطفي والرمز السياسي والطنين الشعري.
لقد جاءت «ثورة يوليو» وامتصت خير ما في التراث التاريخي وأنهت خبرته السياسية. ماضيه الثوري الذي اندثر لا يشارك في معركة الحاضر، وإن تعاطف معها، وتحطيم الحواجز بين ذكريات الماضي ومشاهد الحاضر في عينيه يقيم - من بعض الوجوه - رابطة بين أهداف الحلقة الأولى من الثورة وبين استكمالها ومتابعتها في الحلقة الحاضرة, في فترة الانتقال الحالية. فهناك استمرار، فرغم الانقطاع ينصهر الماضي الثوري في انتصارات الحاضر.
وعلى الجانب الآخر, يوجد في الرواية نموذجان ثوريان آخران هما «منصور باهي» وسرحان البحيري وهو «الثوري» الذي أثرى على حساب الثورة والوفدي السابق الذي تخلى بسرعة عن وفديته كما انتسب إليها دون اقتناع، والاشتراكي الذي لم يعرف الاشتراكية إلا عندما نادت بها السلطة, والخادم غير الأمين من هيئة التحرير إلى الاتحاد القومي, فالاتحاد الاشتراكي وعضو مجلس الإدارة «المنتخب» عن الموظفين ووكيل حسابات إحدى الشركات المؤممة. إنه الثوري في نظر الجميع، يسقط في الخيانة والتطلعات البورجوازية. وتاريخ «سرحان البحيري» الشخصي سلسلة من الخيانات, فلقد بدأ بخيانة أهله عندما امتنع عن مدهم بعون مادي من راتبه, ثم خيانته للراقصة التي مدت له يد العون وأخلصت له واحتوته في دارها, ثم خيانته لزهرة التي غرر بها، وانتهى بخيانة الثورة التي رفعته من الحضيض, حيث نظم, في الشركة التي يعمل بها, عملية سرقة أسبوعية دورية: لوري من الغزل والنسيج يباع في الأسواق السوداء, فانكشفت السرقة بسبب الخيانة أيضا, حين حاول أحد شركائه الاستئثار بالغنيمة وحده. وهو ما يعرضه سرحان البحيري بنفسه من موقعه كراوٍ.
وفي مقابل هذا «الثوري الملتزم» يقف الثوري المعارض منصور باهي، شاب مذيع, أرغمه أخوه الضابط في البوليس على الارتداد عن نشاطه السري، ودفعه إلى الإسكندرية لتغيير الجو, غير أنه يرى نفسه، بموقفه هذا شبيها بسرحان البحيري. «إني في رأي أصحابنا جاسوس, وفي رأي نفسي خائن».
وقد اعتمد نجيب محفوظ في «ميرامار» - بشكل رئيسي - على تقنية «المونولوج الداخلي» وتمكن من توظيفها لكي يكشف عن العالم الداخلي لشخصيات متعددة داخل الرواية, ليوحي للقارئ بالعالم المنفصل الذي تسكنه كل شخصية منها ومقيما في الوقت نفسه جسورا بين الذوات المختلفة المنعزلة.
فالمونولوج الداخلي هنا لا يكشف عن العالم النفسي للشخصية فحسب, بل يبرهن على أفكار المؤلف. فالشخصيات تتقلص وتنكمش وتصبح نماذج مختزلة كزوائد ملحقة بالفكرة التي تتكثف وتشكل مادة الرواية. وتقل المسافة التي تفصل المؤلف عن نماذجه إلى الحد الأدنى وتختلط تأملات المؤلف أحيانا بصوت الشخصية، وهذا ما نراه مثلا في حديث سرحان البحيري لنفسه فيكشف فيه عن رأيه في عامر وجدي وطلبة مرزوق.