تجليات الحالة الصوفية في « الحرافيش »

21/08/2016 - 1:48:57

لقطة من فيلم الحرافيش لقطة من فيلم الحرافيش

محمد عطية محمود - كاتب مصري

تبدو العلاقة بين تجليات الحالة الصوفية بتقلباتها وتردداتها وصورها المتعددة، وبين روح المكان الذي يمثل فضاء متسعا ينطلق من فضاء محدود، ملمحا رئيسا من ملامح الكتابة في ملحمة "الحرافيش" لنجيب محفوظ، تلك التي تمتح من واقع مغاير، ربما كان متخيلا إلى حد بعيد، لكنه ضارب في أغوار مكان توافرت له سمات تجعله أكثر اتساعا لتلقي تلك الهبات/ المنح التي ربما وهبها القدر، لتلك الشخصية القدرية التي تهيمن على روح المكان في ملحميته التي تعبر بها أجيالا وأجيالا، وهي شخصية "عاشور الناجي" الجذر الأكبر لتلك السلسلة من الشخصيات المنحدرة منه، وهو أيضا الشخصية التي تبلغ تحولاتها مبلغا من الإثارة على المستوى الإنساني، والمستوى الرمزي الذي تتجه إليه آلية الكتابة في الملحمة، لكي تصنع أسطورة للحالة/ الشخصية التي يمتد تأثيرها ربما بلا نهاية في جميع حلقات تلك الملحمة، من حيث كونها حالة حكائية ممتدة، تتباين فيها العلاقات ونتائجها في الصراع الدائم بين الخير والشر، والظلم والعدل، ورموز السلطة، وحرافيش المكان، وما إلى ذلك من التقابلات التي ربما برز منها جدلية العلاقة بين الموت والحياة، كملمح مائز، والتي تمثل معادلة كبرى من المعادلات التي تلعب عليها الكتابة على المستويين: الإنساني المادي، والإنساني الروحاني، الذي لا يكاد يلوح حتى يختفي، حتى يتجلى مرة أخرى في علاقة جدلية وعلامة من علامات الحياة، بتلك السمة من التعاقب، وبسمات الأسطورية إلى حد بعيد.
"في ظلمة الفجر العاشقة، في الممر العابر بين الموت والحياة، على مرأى من النجوم الساهرة، على مسمع من الأناشيد المبهجة الغامضة، طرحت مناجاة متجسدة للمعاناة، والمسرات الموعودة لحارتنا".
تلك البداية المحلِّقة الفلسفية المشبعة بالخيال، وبالارتباط بالجو السحري الروحاني بمفرداته، والتي تصب نهاية في المكان المحدد بالحارة، وفضائها الذي تتمثل فيه أحداث الواقع الجسام، تلك التي ربما كانت رمزا مغلفا للمكان بإحداثيات وإشكاليات الصراع الدائر فيها بين الحياة والموت من جهة، وبين رموز السلطة المتدنية/ الفتوات من جهة أخرى.
تلك الأجواء التي تنبت فيها هذه الشخصية الأسطورية من عدم وخواء، وبلا جذر ترتبط به بالأرض أو الواقع المعيش المخاتل، وارتباطها برمز آخر من رموز المكان والصوفية معا، والذي يُتداول بين القبو الفاصل بين الحياة وضدها، والخلاء، والتكية.. المفردات المتناثرة في فضاء الحكايات، كي تصنع حدودا للمكان الذي تنطلق منه الروح أو تسعى فيه: "وأسبل جفنيه الغليظين متفكرا، شعر بأن الخلاء يلتهم الأشياء، وأنه يود أن يتسلق شعاع الشمس، أو يذوب في قطرة الندى، أو يمتطي الريح المزمجرة في القبو، ولكن صوتا صاعدا من صميم قلبه قال له أنه عندما يحل الخلاء بالأرض فإنها تمتلئ بدفقات الرحمن ذي الجلال".
بهذه الرغبة الغامضة، وبتلك المفردات الدالة، ارتباطا بقوة روحانية، تسري تلك الروح في كيان الشخصية التي تخطو عتبات ارتقائها من هذا الفضاء الضيق للمكان/ الحارة، إلى الخلاء كفضاء جديد، عبر القبو الفاصل بين المحدود واللا محدود، ذلك الذي تعبر منه الروح مصطحبة الجسد، كي تلامس شغاف نداءات غامضة، تجعل من عملية التحليق/ التخييل الذي يقوم به الحكي السارد هنا على نحو تلك الملامسات الحسية لشعاع الشمس المشتهى تسلقه، وقطرة الندى التي يريد الذوبان معها، وسحرية امتطاء الريح المزمجرة وتطويعها، تهيئة إلى الاطمئنان بالدفقات الشعورية والنفحات الإلهية المنتظرة التي تناوش الروح، وتتجلى من خلال المكان كتجل من تجليات الحالة الصوفية، والدخول في غمارها بحس فطري دفين، حيث تمثل تلك التجربة "التي لا تستغرق سوى لحظات قليلة أن تحدث ثورة في حياة هذا الشخص، فقد يكون فيما سبق، قد وجد أن الحياة لا معنى لها ولا قيمة، بينما يشعر الآن أنها اكتسبت معنى وقيمة وهدفا، فيتغير موقفه من الحياة، تغيرا جذريا ودائما"
"امتلأ عاشور بأنفاس الليل.. انسابت إلى قلبه نظرات النجوم المتألقة.. هفت روحه إلى سماء الصيف الصافية.. قال ما أجدرها ليلة بالعبادة.. كي يجثو فوق الأعتاب.. كي يناجي رغبات نفسه الكظيمة.. كي ينادي الأحبة فوق سياج المجهول" انتظاما في الحالة التي تتصاعد، حتى تصل إلى مرحلة المناجاة، التي هي من سمات التصوف، والتي تتوازى مع حس العبادة الذي ترتقي إليه العلاقة التي يهتدي بها هذا الرائي للحقيقة التي تتكشف له على ومضات تبثه اليقين وتثبته، وتقيم صلب هذا الجسد الضخم ضد قوى الشر والاستبداد، بتلك الملامح الأسطورية التي يصوغها النص السردي ويجسدها، لتتقابل مع رقة القلب ورهافة الروح، واشتعال اليقين في الذات التي تواجه الحياة بقلب الملائكة، وما يفرضه عليه واقعه الصادم من كونه مجهول المنبت، فتتجلى النفحة القدرية في قوة الروح التي تمارس لعبة اليقين من خلال ما تروض به ذاتها وحواسها: "إنك عندما تقوم بتمرينات التأمل قد ترى أشكالا تشبه الثلج، والبلور، والريح، والدخان، والنار، والبرق، واليراعات، والشمس والقمر، وهذه علامات على أنك في طريق تكشف عن برهان"
توغلا في الحالة الصوفية التي تمتح من تأمل الظواهر الطبيعية المصاحبة للحياة، والتي تمثل رموزا دالة على الوقوع في أسر القوة الهائلة التي تتحكم في قدرية العالم، بمساحة كبيرة من الاختيار ومحاولات سبر الغور المنطلقة من الروح العاشقة والمتطلعة للمعنى الأسمى بالارتباط بالوجود، وهو ما قد يتماثل مع كثير من الحالات المتفردة تاريخيا وميثولوجيا، في البحث عن الغاية المثلى للوجود كما في نماذج "بوذا" و"إخناتون"، بتلك الفلسفة، وتلك النزعة المتفردة للتعرف على قدرة الخالق وحكمته، بما قد يمثل البرهان الذي ترتجيه الشخصية المحورية للحكاية، وما تعانيه من ضعف وحزن لا يمكن التغلب عليهما إلا من خلال المدد من قوة أعظم..
"ومن شدة حزنه استمع إلى أناشيد التكية بحب.. معانيها المترعة تختفي وراء ألفاظها الأعجمية كما يختفي أبواه وراء وجوه الغرباء، ربما عثر ذات يوم على امرأة أو رجل أو معنى، وربما فك ذات يوم رمزا أو أرسل دمعة رضى أو تجسدت إحدى رغائبه في مخلوق حنون"
يأتي البحث عن معنى للحياة والوجود مرتبطا هنا بما تمثله "التكية" من رمز مزدوج بين مادية المكان وأبعاده، وانعزاله، وصوفيته من خلال تلك الأناشيد والترانيم كطقوس للروح والمناجاة واختراق المسافات للوصول إلى المراد في زمان ومكان غير متيحين ولا مانحين له، وبهذه اللغة المجهولة التي تخترق الروح برغم إغراقها في الإبهام والغموض واستعصائها على الفهم، لتكون معراجا ومرحلة من مراحل ذاك الارتقاء في حياة الشخصية القدرية المجبولة على صنع أسطوريتها من خلال فطريتها الخالصة، ربما ذلك الذي يدفعها في سبيل الخلاص، من خلال فلسفة وجودها، بما تمثله على مستوى الإبداع علاقة الكاتب بالفلسفة، كمؤثر مهم ورافد من روافد تكوين شخصيته الإبداعية، والتي استفادت من الفلسفة وتشربت بها وطوعتها لصالح الإبداع الأدبي الأثير، التي تمثل في حد ذاتها مرجعية هامة من مرجعيات الإبداع السردي لدى الكاتب، وكونه مرجعية للكتابة بصفة عامة.
فالفقد المتواري والشعور بحجم فداحة مأساة الشخصية من خلال وجودها الإنساني المفعم بالغموض على مستوى خطيئة المنبت وغيمان المصير الحالي، في وعي تلك الشخصية قد يعوضه هذا الارتقاء وهذه الحماسة للتعانق مع كل المظاهر من حوله بنفس الآلية التي ذكرناها، ما يجعلها تبحث عن معنى لوجودها: "الفرحة والنور.. عندما يصير الحلم نغمة تشدو في الأذن والقلب.. عندما تشرق وجود العباد بضياء السماح، وحتى الحشرات تمسك عن ارتكاب الأذى".
هنا تبدو العلاقة بين الذات المتصوفة بحسها اليقيني الفطري، وبين المخلوقات الأخرى، على قدر كبير من الانسجام والتواؤم لتفسح النظرة الشمولية للكون بمخلوقاته، من خلال هذا الإيقاع الحلمي/ الغيبي، بمفرداته، والذي تتعلق به الذات/ الروح الموعودة بجدارتها في حيازة ذاك الصفاء وذاك الثبات بحس التعامل مع الوجود بفلسفة مغايرة عن السائد والمحيط بالشخصية التي تصير بؤرة مشعة، حين تصير العلاقة بين الذات، والذات الإلهية مرتبطة بهذه القوة الجبارة العليا التي تجعل من الصعب دائما يسيرا.. "بدا عاشور متخما بالسكينة ولم تشب له شعرة واحدة.. كان يحمل فوق كاهله أربعين عاما وكأنها هي التي تحمله في رشاقة الخالدين".
ما يجعل من سمة النضج، وخلاصة التجربة مع الحياة بكل عوارضها ومسلماتها، تكئة للتوغل في العلاقة مع المجهول الذي يمد جذوره منذ النشأة المجهولة الغامضة التي أتت بهذه الذات إلا عالم لا يعترف إلا بالمقابلة بين بطش الأقوياء وتجبرهم، وإذعان الضعفاء الذين يمثلون دود الأرض وملحه، حتى يأتيهم المخلص بأسطورية وجوده، وبروح الثورة التي هي من سمات العدل في الكون، في أجواء تنذر بالتحول والزوال والنشأة من جديد في تعاقب دورات الحياة، وكفلسفة من فلسفتها العصية على الانكسار.
"الظلام مرة أخرى يتجسد في القبو، يغطي المتسولين والصعاليك. ينطق بلغة صامتة. يحتضن الملائكة والشياطين. فيه يختفي المرهق من ذاته، ليغرق في ذاته. إن قدر الخوف على أن ينفذ من مسام الجدران فالنجاة عبث".
في حين يأتي البحث عن النجاة مطمحا وحلما أثيرا.. تتكالب عليه عوامل الشر والفساد من خلال رموزه التي لا تتوقف عن إعادة إنتاج ذاتها لتأتي في صور واستنساخات تدفعها حكمة وجود الخير والشر متلازمين في هذا الكون الفسيح، والتي ربما تجسدت في شخصية "درويش"، والذي يرتبط وجوده بالخمارة كرمز من رموز الشر والفساد في المكان، وما تحمله من رموز دالة أخرى بالحس الإيروسي الذي يتجاور هنا مع الروحاني والصوفي في فضاء المكان. (وهو الوجه المضاد والمقابل لشخصية الشيخ "عفرة زيدان" الذي كان مفتاحا لوجود شخصية "عاشور" في فضاء رمز من رموز المكان/ الحارة/ الحياة).. "نام ساعتين.. رأى في وسط الحارة الشيخ عفرة زيدان. هرع نحوه مجذوبا بالأشواق. كلما تقدم خطوة سبق الشيخ خطوتين. هكذا اخترقا الممر والقرافة نحو الخلاء والجبل. وناداه من أعماقه ولكن الصوت في حلقه انكتم".
هكذا تبدو النجاة في البشارة التي تأتي من عالم الغيب/ الحلم الذي يرشده فيه دليله إلى ضرورة الخروج والهروب من المكان طمعا في النجاة.. تلك التيمة التي ربما تناصت مع الأثر الديني في قصة "الطوفان"، وسفينة نوح عليه السلام، ولكن هنا يأتي البلاء/ الابتلاء فيها عن طريق الوباء الذي يقتلع كل الأحياء في الحارة، وتصبح خاوية.. تمهيدا لدورة جديدة من دورات الحياة التي تنبثق من الموت، بتلك الفلسفة للوجود؛ لتبدو تلك العلاقة التأسيسية التي قدمتها الحكاية الأسطورية، لتفتح الباب للمزيد من العلاقات الجدلية الشائكة مع الواقع والمكان وتداعيات الزمان بذلك الحس الملحمي.