الواقعية الملحمية في أحلام حجي ومحفوظ

21/08/2016 - 1:47:55

طيور طيور

أسامة عفيفي - كاتب مصري

رغم أهميته في رفع الذائقة الفنية لدى الجماهير ودوره في كسر احتكار النخبة للفنون واقتصار قاعات الفنون على المتخصصين وذوي الياقات المنشاة مازال الرسم الصحفي بعيدا عن الدرس التحليلي والنقدي فضلا عن إهماله مهنيا في صحافتنا المعاصرة والاعتماد على الصورة الفوتوغرافية وتصميمات الجرافيك الإلكترونية الباردة والمكرورة.
فكما كسرت الطباعة احتكار النخبة للمعرفة، كسرت الصحافة احتكار النخبة نفسها للرسم واللوحة. بل إن رواد الرسم الصحفي الأوائل في مصر والعالم كانوا مؤمنين بدورهم في تحويل الجريدة إلى معرض جماهيري تكون إبداعاته في متناول البسطاء والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، بعد أن كان حكرا على النبلاء والأثرياء والحكام قرونا طويلة. رغم ذلك كله مازال النقاد يتجاهلون الرسم الصحفي ويضعونه في مرتبة أدنى من لوحة الصالون البرجوازية، رغم ادعاءات الثورية والطليعية التي يطلقها الكثير منهم. لذلك فإن أي محاولة للحديث عن إنجازات فناني الرسم الصحفي مغامرة كبيرة، بل هي حرث في أرض بكر لا توجد فيها أي تراكمات معرفيه أو تاريخية، حتى تاريخ الرسم الصحفي في مصر نفسه لم يسجل بطريقة علميه منهجية، وما كتب عنه محض اجتهادات لم يكتب لأغلبها النجاح. والمسألة تصبح أكثر أهمية عندما نتحدث عن تجارب ذات أهمية خاصة فنيا وأدبيا وثقافيا عندما يرتبط الرسام الصحفي بأديب مهم أو بعمل إبداعي يمثل علامة وطنية وأدبية، كتجربة حسن فؤاد مع عبد الرحمن الشرقاوي في رسم رواية "الأرض"، وتجربة الحسين فوزي ونجيب محفوظ في رواية "أولاد حارتنا"، وتجربة سيف وانلي مع محفوظ أيضا في رواية "المرايا"، والتجربة التي نتحدث عنها بين محمد حجي ومحفوظ في رسم "أحلام فترة النقاهة"، فضلا عن تجربة جمال قطب مع روايات نجيب المطبوعة التي أصدرتها مكتبة مصر، فلا يوجد بين أيدينا أي دراسات تحليلية أو جمالية عن هذة التجارب، ولم يتقدم أحد من الباحثين ليدرس رسامي نجيب محفوظ، وعلاقة رسومهم بإبداعاته، والذي بين أيدينا أرشيفيا محض اجتهادات أو انطباعات لا يرقي أغلبها إلى البحث العلمي المنهجي. هل أطلت؟ وهل تعمدت أن أطيل لأروج لما سأكتبه هنا يوحي بأنني سأكتب عما تجاهله الآخرون أو أنني سآتي بما لم يستطعه الأوائل؟
الحقيقة أن ما سأكتبه هنا عن تجربة محمد حجي ونجيب محفوظ في "ملحمة الأحلام" ليس إلا محاولة لقراءة التجربة وإلقاء الأضواء عليها، والتنبيه إلى أهميتها الفنية، لعل ما سأكتبه يغري أحد الباحثين ليتفرغ كي يكتب دراسة علمية مستفيضة ومستحقة عن إنجاز فني لفنان كبير التقى مع أديب كبير في رسم حالة إبداعية طالعتها جماهير القراء أسبوعيا على مدى ست سنوات.
ورغم أنني كتبت مقالين عن تجربة محمد حجي مع أحلام نجيب محفوظ منذ فترة طويلة لكنني بالفعل مصاب بالحيرة وأنا أكتب هذه الكلمات، فلقد هجمت على مجموعة من علامات الاستفهام ليس أهمها كيف أبدأ ومن أي الزوايا أتحدث، فهما سؤالان بديهيان. لكن كيف أتناول هذا الإنجاز الملحمي الضخم الذي أنجزته قامتان إبداعيتان تفاعل إبداعهما في رسم ملحمة لغوية بصرية عبر سنوات جسدا من خلالها ملامح تجربة مغايرة في الكتابة والرسم معا؟
أنظر إلى "أحلام" محفوظ على أنها عمل ملحمي متكامل، لا قصصا أو ومضات قصصية منفصلة متصلة كما رأى البعض، كما أنها ليست حكما أو تأملات متناثرة كتبها أديب في شيخوختة وضع فيها خلاصة خبراتة وتجاربة الفنية والإنسانية، إنها عمل ملحمي ضخم يشكل فيه كل حلم وحدة تتعشق مع بقية الوحدات الحلمية، لتشكل في النهاية جدارية أرابيسكية ضخمة تقوم أساسا على منطق الملحمة غير المنطقي. فالجمال الحقيقي الذي يحتوي روحنا بعد قراءتها قائم أساسا على هذا التعشيق وعلى هذه الأرابيسكية بقدر اعتمادها على اللا منطقية الملحمية التي تصنع منطقا فنيا خاصا يعتقد من يقرأه أنه منطقي.
ما لملحمية إذن؟ وهل للا منطقية من منطق؟ أليس هذا تناقضا؟
لنجيب على السؤال الأول لا بد أن نجيب على السؤال الثاني أولا.. فالمنطق الأرسطي أو الشكلي أو الصوري، سمه ما شئت، يقوم على قوانين العلية والهوية وقاعدة المقدمات الصحيحة تؤدي إلى نتائج صحيحة الخ، لكن اللا منطق لا يعتمد مطلقا على قوانين الفكر الصورية، إنه يقدم لنا عالما غريبا عن السائد العقلي، لذا فلقد فرض أرسطو على كل الفنون المسرح والشعر والرسم والنحت قانون محاكاة الواقع بشكل منطقي، لكنه استثنى الملحمة من المحاكاة المنطقية لأنها تجمع ما لا يجتمع؛ ففي الملحمة نقابل حيوانا برأس إنسان، وشجرة تمشي، وبقرة تتحدث، وإنسانا اغتسل بماء الخلود فلا تنفذ في صدره السهام وهكذا، هذه الكائنات اللاواقعية اللا منطقية هي التي تشكل الملحمة بمنطقها الفني الخاص.
إذن فللا منطق منطق، أي أننا نتفق في بداية العمل على اعترافنا بإمكانية حدوث هذا اللا منطق، وبعدها مباشرة تصبح كل الأحداث منطقية وفقا للسياق، فمثلا لا يستغرب أي مشاهد لتمثال أبي الهول شكل التمثال مع أنه مكون من رأس إنسان وجسم أسد، ورغم عدم وجود هذا الشكل في الواقع إلا أننا نتعامل معه بواقعية شديدة، وكان للامنطق منطق خاص، إنها الواقعية الملحمية التي فرضها الفن ومنطقه الخاص.
إذن ولأن للا منطق منطقه، نستطيع أن نقول إن الملحمية هي اتفاق فني يجمع ما لا يجتمع في الواقع بصورة تخلق شكلا جديدا مدهشا له منطقه الجمالي الخاص، أو هو كما يقول الجرجاني: "والحسن هو حسن سبك ما لا يجتمع"، بل إن قانون الاستعارة البلاغي يقوم أساسا على حسن ذلك السبك، فالقمر مثلا لا يبكي لكنا نطرب عندما نسمع شاعرا يحدثنا عن دموع القمر أو لهفة النجوم شوقا للحبيب. فالملحمة هي التي تجمع ما لا يجتمع بمنطقها الذي يبدو لا منطقيا، لكن له منطقه ورؤيته الفنيه الخاصة. لذا اختار محفوظ الحلم ليجمع ما لا يجتمع دون مبررات، ففي الحلم نشاهد رجلا يطير وامرأة ذات أجنحة وسمكة تتحدث وحصانا يدخن دون أن يكون ذلك لا منطقيا، فمنطق الحلم يبرره ويجعله مستساغا وواقعيا دون أي استهجان.
وهذا هو سدى ولحمة ملحمة أحلام نجيب محفوظ وهو أيضا الإيقاع الأساسي الذي عزفت عليه ريشة محمد حجي في رسومات الأحلام التي صاحبت الملحمة، لدرجة أننا نستطيع أن نتذوقها بعيدا عن النص المحفوظي كلوحات مستقلة إذا ما عرضت في معرض خاص.
ولأن حجي فنان ثوري واقعي فقد عبر عن أحلام محفوظ بواقعية مختلفة، ولم يحاول أن يرسم تفاصيل الحلم المحفوظي، لكنه دمجه مع أحلامه الخاصة التي شكلت وعيه وبصيرته، ليحلم بعيون يقظة تستشرف المستقبل، فيرسم ملامح حلم المجتمع بأسره. وهنا يثور سؤال مهم: هل يحق للرسام الصحفي أن يرسم ما يراه هو ولا يترجم النص الأدبي في اللوحة المصاحبة؟ الحقيقة أن جدلا مهما دار بين الحلم المحفوظي وحلم حجي وتفاعلت المخيلتان على أرض واحدة هي أرض الملحمية الفنية التي أشرنا إليها؛ فمحفوظ لا يحكي أحلاما شاهدها، ولا يتفلسف مدعيا الحكمة، وحجي لا يغوص في عقله الباطن ليعبر عن تداعي هذا الشعور كما يفعل السرياليون، لكنهما سويا كانا يحلمان بعيون يقظة ترسم وتستسشرف واقع ومستقبل أمة، وواقع ومستقبل العالم الإنساني بمآسيه وإحباطاته وأحلامه، لذا جاءت رسوم حجي معبرة عن إيقاع أحلام محفوظ ومجسدة للفكرة الأنطولوجية التي تعتمد عليها فنيا وجماليا وفلسفيا، إنها ملحمة فنية وجودية تعبر عن واقع مصير الإنسانية في عصر الكوارث الكبرى والإنجازات العلمية الضخمة في عصر الفيمتو ثانية، وعصر الاحتكار وتحويل الإنسان إلى سلعة، وفي الوقت نفسه تدجنه ليصبح مستهلكا صالحا توجهه شبكة المعلومات الضخمة التي تحركها العولمة الشرسة فتنشر قيم الاستهلاك عابرة الحدود.
القارئ المدقق سيجد ذلك كله في أحلام محفوظ التي تتشابك لتصنع أرابيسكيتها المهيبة، وسيجد الشيء نفسه في لوحات حجي التي اختار لها جميعا أن تكون مربعة الشكل، والمعروف أن المربع هو مجموع أوتار الدائرة التي هي قوام الرسم العربي الإسلامي التي تعبر عن تلاقي وتداخل الكون بعضه في بعض بشكل دائري يمثل تجلي الله في العالم، تلك المقولة التي اعتمدت عليها فلسفة وحدة الوجود في التصوف، والتي اعتمد عليه الأرابيسك كفن تجريدي خالص. أي أن محمد حجي صنع أرابيسكيته في تجسيده لملحمته الواقعية المتنوعة التي أعتبرها تنويعا موسيقيا على إيقاع الوجود الإنساني.
مما سبق يتضح لنا أن رسوم حجي واقعية تماما، وأن ما توحي به من غرائبية ليس نتاج تأثر بالسريالية كما ادعى البعض، هي مصرية خالصة هضمت فنون الشعب التصويرية والملحمية المصرية القديمة في قالب أرابيسكي عربي إسلامي محسوب بدقة بالغة من خلال حسابات المربع التصميمية فائقة الصعوبة. ففي لوحات حجي تجد امرأة فارعة رشيقة وكأنها قادمة من جدارية مصرية قديمة تحتضنها ثلاث سمكات قادمات من جداريات الكرنك، وتجد آنية زجاجية فاطمية تنتظر على شاطئ البحر في شوق للقادم البعيد، كما تجد أوزا أسطوريا يمشي في خطوة عسكرية رشيقة يحرس الفلاحين من اللصوص، وستجد ديكا ريفيا يصيح مبشرا بفجر جديد. ستجد عوالم القرية والحارة والطبيعة تمثل ملامح حلم بهيج يرسم للناس مستقبلهم بألوان مشرقة ناصعة الشجاعة. لتسجل ملحمة صنع الإنسان لمستقبله تماما كما حلم نجيب محفوظ.