الحسين فوزي .. كيف جسد فلسفة « أولاد حارتنا » ؟

21/08/2016 - 1:47:08

محمد ر ضوان

يعد الفنان التشكيلى الحسين فوزى (1905 - 1999) أحد أبرز الفنانين المصريين فى مجال الفن التشكيلى وفن الحفر والطباعة والذى يعتبره بعض النقاد الرائد الأول للاستنساخ الفنى فى مصر والعالم العربى وقد ارتبط اسمه بإيداع رسومات رواية نجيب محفوظ "أولاد حارتنا" حين نشرت فى صحيفة الأهرام على حلقات عام 1959 والتى تعتبر قمة رفيعة لهذا النوع من الإبداع الفنى لم يصل إليها رسام بعد، حيث جسد فى لوحات تعبيرية مكثفة أفكار نجيب محفوظ وفلسفته فى أولاد حارتنا من خلال تكوينات تشخيصية مفعمة بالحركة والحيوية توازى العمل الأدبى فى محتواه وقيمته وعمقه، قدم هذه اللوحات فى يسر وبلاغة تستعصى على أى فنان آخر ولم يكن هذا العمل الأدبى “أولاد حارتنا” العمل الأدبى الوحيد الذى جسده الحسين فوزى فى لوحات فنية عميقة بل عاود رسم لوحات أخرى لرواية “ليالى ألف ليلة” التى نشرت بعد ذلك على حلقات فى صحيفة “مايو عام 1981” التى كان يصدرها الحزب الوطنى.
ولكن من هو الحسين فوزى؟
ولد الحسين فوزى فى حى الحلمية الجديدة بالقاهرة عام 1905 وتخرج فى مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1928 ثم درس التصوير وفن الحفر بباريس (1929 - 1934) وخلال ذلك اشترك فى صالون الفن بباريس عام 1933 وبعد عودته إلى القاهرة عام 1934 عمل بالتدريس فى كلية الفنون الجميلة بالقاهرة وتدرج فى مناصبها حتى صار أستاذا لقسم الحفر ونال الجائزة الأولى فى الحفر ببينالى الإسكندرية ثم نال جائزة الدولة التشجيعية ووسام العلوم والفنون عام 1965 وفى عام 1989 نال جائزة الدولة التقديرية لكنه أبدى مشاعر الأسى والمرارة لأن الجائزة قد نالها متأخرا وهو فى أواخر عمره حيث علق على ذلك بقوله :
“الدولة تذكرتنى بجائزتها أخيرا وأنا اليوم لا أحتاج تقديرا، كنت أحتاج هذه الجائزة منذ ربع قرن وأنا اليوم لا أحتاج تقديرا، كنت أحتاج هذه الجائزة وأنا مازلت فى عنفوان رجولتى لكنها اليوم بلا معنى!
وقد كلف الحسين فوزى من جانب الدولة فى بداية الأربعينيات بتأريخ جوامع القاهرة وأصدر المجلد الأول منها عام 1944 لكن توالى الأحداث السياسية بعد ذلك أوقف المشروع.
ويرى الحسين فوزى أن الحفر أقدر من التصوير فى الإبانة عن عنصر الملمس للعمل الفنى.
وقد قام بعمل الرسوم التوضيحية لقصة عمر مكرم للدكتور عبدالحميد يونس والتى نشرت فى جريدة الجمهورية عام 1958 .
ويعد الفنان الحسين فوزى من القلة النادرة - بعد المثال محمود مختار - الذين اهتموا بالحياة الشعبية الريفية المصرية فموضوعاته تعبير صادق عن عصره نستطيع أن نتبين فيها ألوانا من العادات والتقاليد الشعبية، مثل رائعته “الدلالة” أى السيدة التى تطوف بالبيوت لتعرض بضاعتها من مختلف الأقمشة وهى لوحة صرحية كالعادة، أكاديمية الأسلوب ، تتسع إلى قرابة المترين، تذكرنا بطابعها التوثيقى، بمنمنمات الفنانين الكبار وهكذا لم يبتعد شيخ الحفارين بإبداعه عن البيئة والواقع المحلى، حتى رجحت كفة التجريد لديه فى الثمانينيات، فانفتحت غلبة التصميم فى تكويناته والتأكيد على تعامل الخطوط الرأسية والأفقية، فكان موقفا تشكيليا توافقيا ناجحا، يحقق معنى الأصالة والمعاصرة، بمعنى الاستجابة لمقتضيات التغيير مع الاحتفاظ بالتراث والجذور التاريخية.
وقد تعرضت أولاد حارتنا لتفسيرات خاطئة فى القراءة والفهم، حيث فسرها بعض أنصار الإسلام السياسى تفسيرا دينيا، فرأوا أن شخصية “الجبلاوى” ترمز إلى الله سبحانه وتعالى، و “أدهم” هو “آدم” و “إدريس” هو إبليس “وجبل” هو موسي و “رفاعة” هو المسيح، أما شخصية “قاسم” فقد فسروها بأنها شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وقدرى هو قابيل و“همام” هو “هابيل” و “الأفندى” هو فرعون والسيدة هدى امرأة فرعون وشافعى هو يوسف النجار كما أعطوا تفسيرات لشخصيات نجيب محفوظ وللحارة فذكروا أن البيت الكبير هو السماء والحارة تعبر عن الكون وهكذا تضاربت التفسيرات والتحليلات فى مغزى أولاد حارتنا الدينى والفكرى وإن فسر البعض الآخر الرواية بأنها صراع بين الدين والعلم، علما بأن نجيب محفوظ نفسه قد صرح بأن هدفه من روايته التبشير بضرورة التحام العلم والدين.
جاءت لوحات الفنان الحسين فوزى لأحداث رواية أولاد حارتنا في نحو مائة لوحة تجسيدا لرؤية الحسين فوزى وقراءته لأفكار نجيب محفوط وفلسفته فى الحياة والحب والكون حيث جسد أحداث الرواية وصور شخصياتها بالمزج بين ما هو شعبى وما هو أسطورى وفلسفى وغيبى، فجاءت لوحاته عن شخصيات الجبلاوى- عرفه - إدريس - جبل - رفاعة قدري - همام - أميمة - السيدة هدى - شافعى - قاسم وغيرها معبرة عن رؤية محفوظ الفنية والفلسفية
باستخدام الإمكانات التعبيرية للجسد الإنسانى خاصة الأطراف والوجه بما يذكرنا بفنان عصر النهضة مايكل أنجلو حيث يلاحظ القارئ المتابع لتلك الرسوم تعبيرات الأيدى التى تعكس الكثير من المعانى والتعبيرات من كل الزوايا فمن يتابع تلك الرسوم يكتشف ملامح جوهرية ثابتة تفصح عن انتماء الفنان الأصيل للفن المصرى القديم ومن هنا نكتشف أن تلك اللوحات صورة مجسدة للفن المصرى الأصيل يخاطب الجماهير دون ابتذال، ويواكب تطور الفن الحديث مع الحفاظ على الأصالة.
لوحات الحسين فوزى لرواية أولاد حارتنا تجسيد عميق للفكرة والفلسفة وملامح الشخصيات الأسطورية لكن بأسلوب شعبى مبسط تعكس إجمالا رؤية نجيب محفوظ الفلسفية والإنسانية أوجزها فى لوحاته التعبيرية المعبرة التى تختزل العالم كله فى خطوط وزوايا ينطبق عليها قول “النفري” “إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة” ياليت تجمع لوحات الحسين فوزى فى “ألف ليلة وليلة” وفى “أولاد حارتنا” فى كتاب يقدم له أحد كبار نقاد الفن ليحلل لنا قيمة رسوم الحسين فوزى وفهمه العميق لدلالات النص وأبعاده.
هل يقوم أحد الباحثين الشبان بجمع رسومات الحسين فوزى لأولاد حارتنا وليالى ألف ليلة ليقدم لنا عملا فنيا رائعا يوازى نص نجيب محفوظ الروائى ويعبر عنه ويجسده”.
لوحات رواية أولاد حارتنا هي جزء أصيل من الرواية يجب نشر الرواية وهيس رسوم الفنان الحسين فوزى لتجسيدها مضمون الرواية وهي تعبر بعمق وحيوية عن تلك الشخصيات الجدلية التى مزج فيها نجيب محفوظ بين ما هو أسطورى وماهو شعبى وبين عالم الخيال وعالم الحارة المصرية فجاءت أولاد حارتنا ملحمة أدبية فنية متكاملة بين الأدب والفن، وبين ما هو واقعى وما هو خيالى أسطورى لتجسيد حكاية الكون وملحمة الحياة عبر التاريخ الإنسانى.