أفراح القبة .. رواية ومسلسلا غير تقليدي .. جماهيري رغم نخبويته

21/08/2016 - 1:46:19

منى زكى وجمال سليمان فى أفراح القبة منى زكى وجمال سليمان فى أفراح القبة

لمى طيارة - ناقدة سورية

"الدنيا مسرح كبير وكل الرجال والنساء ما هم إلا ممثلون على هذا المسرح" بتلك المقولة الشكسبيرية الشهيرة عبر المخرج محمد ياسين عن نهاية عمله "أفراح القبة"، فجعل أبطال مسلسله الذين وخلال 30 حلقة لم نقرأ أسماءهم في مقدمة (تترات) العمل بالشكل التقليدي المعروف، يقدمون أنفسهم على الخشبة ويحيون الجمهور الموجود في المسرح، في رغبة منهم بتحية الجمهور الأكبر والأوسع في المنازل ويتابعهم بشغف واهتمام.
وكيف لا ينهي المخرج عمله بتلك الفكرة الشكسبيرية، وهو الذي أعلن ومنذ الحلقة الأولى أن ما سنشاهده ما هو إلا مسرحية كتبها أحد أبطال العمل "عباس كرم يونس"، وكان هدفه منها أن يعكس واقعا كان يعيشه وتعيشه شريحة اجتماعية (فرقة مسرحية)، بكل تفاصيلها.
بين الرواية والعمل الدرامي التلفزيوني
ليست هي المرة الأولى التي يتم فيها تحويل عمل روائي لنجيب محفوظ ليصبح مادة درامية تلفزيونية، فالدراما التلفزيونية المصرية تشهد له ذلك الاقتباس، وخير مثال عالق في ذاكرتنا، ثلاثية نجيب محفوظ (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية) إحدى درر الدراما التلفزيونية المصرية الخالدة، لكن رواية (أفراح القبة) التي نشرت عام 1982 واكتشف مؤخرا أنها نشرت قبل ذلك، تحديدا عام 1979، لم تكن ذائعة الصيت كمثيلاتها من روايات نجيب محفوظ، فلماذا اختيرت هذه الرواية لتتحول الآن إلى عمل درامي؟ ما الذي تغير لتكون تلك الرواية مرغوبة ومطلوبة، وأن تزيد نسبة مبيعاتها أثناء عرض العمل؟
أسئلة كثيرة لم تصل إجابتها إلا في الحلقة الأخيرة من العمل، وعلى لسان سرحان الهلالي الذي يلعب دوره الفنان السوري (جمال سليمان) مدير الفرقة وصاحب الكلمة الأولى فيها، ردا على اعتراضه على نص كرم يونس "فتنة" الذي لم يعجبه من 25 سنة واعتبره ضارا للكاتب في حال الموافقة على عرضه.. "النص زمان لم يكن مناسبا للسوق، الزمن تغير والدنيا تغيرت، الدنيا اختلفت والنص أصبح مناسبا"، فيضحك كرم كالمجنون يلعب دوره (صبري فؤاد)، فما الذي يبرر توجه سيناريست مثل محمد أمين راضي ليتبنى تحويل رواية (أفراح القبة) إلى عمل تلفزيوني دون غيرها؟ هل فعلا لأن نجيب محفوظ في هذه الرواية كان قاسيا على أبطاله كما أشار السيناريست نفسه على حسابه في الفيسبوك، أم لأنه فعلا وكما ظهر في السيناريو، الزمن تغير والفساد والعهر والدعارة والفقر قد عمت بسبب الهزيمة التي ترافقت وأحداث الرواية الأصلية (نكسة 67)، أو نكستنا الحالية التي أوجعتنا من جديد وصفعتنا في وجهنا، لدرجة أن المشاهد العربي وخاصة المصري أصبح متقبلا وراضيا وقانعا أن مجتمعه قد اختل وأن القيم التي فيه باتت على شفا حفرة من الانهيار في حال لم تستيقظ الشعوب للسقوط الذي وقعت فيه وإلى المستنقع الذي وصلت إليه.
يكتب نجيب محفوظ روايته بأسلوب تقليدي في تقسيم الفصول، لكن فصوله لا ترتبط عناوينها بأزمنة وأحداث قدر ارتباطها بالأشخاص، فيقسم الرواية إلى فصول أربعة، مرتبطة بأبطال الرواية الرئيسيين الذين يشكلون العمود الفقري لها، يطرحون قصتهم ذاتها من وجهات نظر مختلفة حول علاقتهم ببعض وعلاقتهم بالمسرح والفرقة والعرض المسرحي، (طارق رمضان الممثل الثانوي الذي طالما حلم بلعب دور البطولة)، والذي لم يحصل عليها إلا عندما يكتب عدوه نصا مسرحيا يحكي قصتهم "اللعنة على الماضي والحاضر، اللعنة على المسرح والأدوار الثانوية، اللعنة على أول نجاح تأمله من لعب دور في مسرحية عدو مجرم"، كرم يونس الذي كان يحلم أن يصبح مؤلفا يوما ما ولكنه اكتفى بدور الملقن بعد أن أحبطت محاولاته العديدة وهو زوج حليمة الكبش ثالث أبطال الرواية، بائعة تذاكر المسرح التي تورطت بحب مدير المسرح والذي بدوره تخلى عنها، أما عباس كرم يونس فهو ابن حليمة وكرم وعدو طارق الذي يستحوذ على قلب حبيبته "تحية" ومن ثم ينال شرف المؤلف الذي سيروي كل قصصهم من وجهة نظره، إنها الرواية التي تعري حقيقة من يعملون في المسرح والذين هم في النهاية شريحة من المجتمع، المجتمع الذي يرتدي أصحابه الأقنعة المزيفة، فأكثرهم يمثلون على المسرح أدوارا لا تشبههم فهذا طارق رمضان الذي "يهمل صحته بالجنس والمخدرات وسوء التغذية لا يتورع عن تمثيل دور الإمام أمام الجمهور وهو سكران" إنها في النهاية مجرد مسرحية.
عالجت الرواية والتي تعتبر قصيرة إلى حد ما (لا تتجاوز 145 صفحة)، مصائر أبطالها وشخوصها بشكل فني، ورغم عدم تسلسل الأحداث زمنيا بشكل تقليدي، واستخدام الحاضر والماضي في آن معا، إلا أن هذا لم يؤثر على الحبكة المقدمة ولا على تصاعد الأحداث ووصولها للذروة، بل كان وسيلة للكشف عن دواخل النفس البشرية، لكن كيف استطاع السيناريو أن يخلق من رواية صغيرة ذات شخوص قليلة جدا عملا دراميا ضخما بكل تلك التفاصيل، دون أن يؤثر على روح وجمالية رواية وأسلوب نجيب محفوظ في ذاكرة معظم المشاهدين على اعتباره أحد الموروثات الأدبية، وكيف استطاع وهو يقتبس أن يلتزم بالكثير وأن يضيف الكثير دون أن يشوه أو يقلل من شأن الرواية، بل على العكس حاول الرفع من شأنها، وهو أمر يحسب لصناع العمل.
في البداية أوقعنا السيناريو في فخ ساحر كمشاهدين فأوهمنا بمشهد الجريمة التي خطرت ببال عباس المؤلف فقام بخنق زوجته وطفله، رغم أنه في الرواية وفي المسلسل يؤكد عباس أنها مجرد مسرحية وأنه اختلق هذه النهاية البشعة لها.
لكن كيف تحول هذا المشهد المختلق والمكتوب في مسرحية عباس كرم، إلى نقطة تركيز أساسية لدى المشاهد يلهث لمعرفة حقيقتها، ويتساءل هل هي مجرد فكرة خطرت ببال كاتب المسرحية؟ أم هي جزء حقيقي من الرواية الأصلية؟ كيف استطاع أن يجعلنا نلهث حلقة وراء حلقة ويوما بعد يوم في الدخول إلى عوالم أبطاله لمعرفة ماضيهم قبل حاضرهم، لمعرفة داخلهم قبل ما يظهره خارجهم. ويختلق بشكل درامي قصصا مستوحاة من روح أعمال نجيب محفوظ (حديث الصباح والمساء، القاهرة الجديدة وغيرهما)، ما يدعم خطه الدرامي ويتماشى مع هدفه في كتابة (30) حلقة تلفزيونية لشهر رمضان. فأتاح لتحية مثلا، أن تكون بطلة محورية فجعل لها ماضيا وعائلة وأما وأبا وأخوات، وكيف فصل لنا حياة كل واحد منهم على حدة، مستفيدا وبشكل كبير من روايات أخرى لنجيب محفوظ لنسج تلك التفاصيل والخيالات، وكيف قص لنا حكاية بدرية (صبا مبارك) الممثلة الأولى في المسرح القادمة من بلاد الشام والتى قبضت ثمن المؤامرة على أختها فتنة (كنده علوش) وحلت مكانها في المسرح وغيرها الكثير من القصص، دون أن يشعرنا بأي إقحام وعدم جدوى، حتى مشهد موت "محمود مرقص" في المسرح أثناء تقديم المسرحية جاء ليؤكد حلم وأمنية الفنانين المسرحين بالموت على خشبتها.
وبغض النظر هل اكتفى محمد أمين راضي بكتابة ال 15 حلقة الأولى منه وقامت نشوى زايد بإكماله، فإن المخرج محمد ياسين قام بتوزيع السيناريو على حلقات العمل بطريقة غير تقليدية تسمح بتقديم وتأخير الأحداث وعرض القصص التفصيلية لبعض العائلات، دون إحداث أي خلل لا في المنطق ولا في الزمان، على اعتبار أن بإمكانه أن يفعل كما فعل نجيب محفوظ ذاته حين استخدم الماضي والحاضر، الظاهر والباطن (النفسي) في شخوصه، وتحسب للمخرج قدرته العالية على التوازن والخلق في صنع توليفة هذا العمل بشكل احترافي وعالمي، على صعيد الموسيقى التصويرية والديكور والميزانسين والإضاءة التي جاءت محملة باللون الأحمر وخصوصا في المشاهد المعلبة (المسرح داخل الدراما) لتزيد من وقع أحداث العمل ولتفصل الحدثين (الحقيقي والتمثيلي)، والأهم من كل ذلك التحكم بالعناصر الفنية السابقة عبر المونتاج غير التقليدي الذي جعل من هذا العمل نخبويا رغم جماهيريته، وسيجعل لاحقا المشاهد يجتهد كاجتهاد المخرج تماما ليربط ويفهم ويكمل صورة العمل الذي أراد له محمد ياسين أن لا يكون عاديا، بل عملا تكعيبيا، مسرح داخل مسرح داخل دراما تلفزيونية تصل للمشاهد من خلال شاشة صغيرة في منزله.
ليس هذا فحسب بل إن المخرج استطاع أن يقول أكثر بكثير، مما أراده نجيب محفوظ ومن بعده كاتب السيناريو، حين جعل أبطال عمله التلفزيوني يتفوقون ليس فقط على أبطال الرواية بل على أنفسهم، مهما كانت مساحة الدور وحجمه.
"أفراح القبة" من بطولة، إياد نصار، منى زكي، صابرين، سوسن بدر، جمال سليمان، صبا مبارك، سيد رجب، رانيا يوسف، محمد الشرنوبي، كنده علوش.