نجيب محفوظ بين الشيخ والأستاذ

21/08/2016 - 1:45:32

سلامة موسى والشيخ مصطفى عبد الرازق سلامة موسى والشيخ مصطفى عبد الرازق

د. سامي السهم - كاتب مصري

اختار نجيب محفوظ كلية الآداب قسم الفلسفة بجامعة فؤاد الأول (القاهرة الآن)، للدراسة، وفيها اتصل بالشيخ مصطفى عبد الرازق، أستاذ الفلسفة الإسلامية، والذي تعلم منه احترام التراث العربي، واللغة العربية، وكيفية فهم الإسلام بسماحة واستنارة، بعيدا عن التطرف والتعصب، مما ظهر جليا في حواراته الروائية الممتلئة بالمناقشات الفكرية والفلسفية المستنيرة. كما يظهر أيضا في لغته العربية الفصيحة الرصينة الشاعرية السهلة، البعيدة عن التقعير من جهة، والابتذال العامي من جهة ثانية، مما جعل أدبه مقروءا في العالم العربي بامتداده الجغرافي والحضاري، وساعد ذلك على سهولة ترجمته إلى معظم اللغات، عكس العامية التي يصعب أحيانا ترجمتها.
وامتدت علاقة نجيب محفوظ بالشيخ عندما اشتغل بوزارة الأوقاف 1939 متنقلا بين العديد من مكاتبها حتى وصل إلى مكتبه، وقت أن كان وزيرا للأوقاف.
غير أن علاقة نجيب محفوظ بسلامة موسى كانت قد بدأت وقت كان نجيب طالبا في المرحلة الثانوية، وكان سلامة يصدر "المجلة الجديدة" بعد تركه تحرير "الهلال"، وكان نجيب أول مشترك في "المجلة الجديدة"، و"صديقها الأول" رغم حداثة سنه. دعا الأستاذ تلميذه لزيارته في منزله الذي هو مقر المجلة. وكان الأستاذ من الثائرين المجددين المتطرفين في التعلق بكل من الحضارتين الغربية الحديثة والفرعونية. وقد ظهر جليا تأثر التلميذ بالحضارتين: الأولى ممثلة في النظريات العلمية الحديثة والديمقراطية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية، والثانية في فكرة إحياء النزعة الوطنية المصرية من خلال أول ما ترجمه "مصر القديمة"، ثم ثلاثيته: عبث الأقدار، ورادوبيس، وكفاح طيبة.
سجل محفوظ لقاءه بأستاذه سلامة موسى في "السكرية"، في الفصل 13، حيث أحمد شوكت يمثل نجيب نفسه، وعدلي كريم في الرواية هو سلامة موسى؛ "شعر بالارتياح والزهو وهو يرنو إلى الأستاذ الكبير الذي تلقى عنه النور والعرفان في الأعوام الثلاثة الماضية، سواء عن مؤلفاته أم مجلته، فراح يملأ عينيه من الوجه الشاحب الذي وخط الشيب شعره وعلاه الكبر فلم يبق له من أمارات الفتوة إلا عينان عميقتان تشعان بريقا نفاذا. هذا أستاذه، أو أبوه الروحي كما يدعوه، وإنه الآن في حجرة الوحي التي لا جدران لها ولكن رفوف الكتب تمتد عاليا حتى السقف".
هذا إذن سلامة موسى: أستاذ نجيب محفوظ وأبوه الروحي؛ الذي حدثه عن الوفد: "الوفد حزب الشعب، وهو مبلور القومية المصرية ومطهرها من الشوائب والخبائث، ومدرسة الديمقراطية والوطنية". يكبر التلميذ ويكبر معه أن حزب الوفد هو ـ وكما علمه أستاذه ـ حزب الشعب، وتصير كل التنظيمات السياسية ذات الطابع الديني الراديكالي مثل مصر الفتاة "مجرد حركات فاشستية رجعية، وهي ليست إلا صدى للعسكرية الألمانية والإيطالية التي تعبد القوة وتقوم على الاستبداد وتزري بالقيم الإنسانية والكرامة البشرية. إن الرجعية داء مستوطن في الشرق كالكوليرا والتيفود فينبغي اسئصاله ..".
وصار التلميذ بفضل تعاليم أستاذه ينتمي إلى "جماعة الإنسان الجديد". وعندما يسأل الأستاذ تلميذه عن وجهته يجيبه: الأدب. فيعلمه الأستاذ أهم دروس حياته: "الأدب وسيلة من وسائل التحرير الكبرى، ولكنه قد يكون وسيلة للرجعية، فاعرف سبيلك، فمن الأزهر ودار العلوم خرجت آداب مَرَضية عملت أجيالا على تجميد العقل وقتل الروح. العلم أساس الحياة الحديثة، ينبغي أن ندرس العلوم وأن نشبع بالعقلية العلمية، لم يعد العلم وقفا على العلماء، لكن على كل مثقف أن يضيء نفسه بنوره وأن يعتنق مبادئه ومناهجه ويتحلى بأسلوبه، ينبغي أن يحل العلم محل الكهانة والدين في العالم القديم... ادرس الآداب كما تشاء، واعن بعقلك أكثر مما تعنى بالمحفوظات، ولا تنس العلم الحديث، ولا يجب أن تخلو مكتبتك ـ إلى جانب شكسبير وشوبنهور ـ من كونت وداروين وفرويد وماركس وإنجلز، لتكون لك حماسة أهل الدين ولكن ينبغي أن تذكر أن لكل عصر أنبياءه، وأن أنبياء هذا العصر هم العلماء". ويكبر التلميذ ويكتب "أولاد حارتنا" ويضع "عرفة" في سياق الأنبياء، باعتباره آخر الأنبياء، وما عرفة سوى العلم!
وعاش نجيب طوال عمره، وعبر كل إسهاماته الإبداعية، مخلصا لهذا المبدإ: "تطوير المجتمع بالعلم".
ويقول نجيب:" إن صورة سلامة موسى في ذهني ارتبطت بالعدالة الاجتماعية والديمقراطية والتصنيع وحرية المرأة وأهمية العلم". إذن كان سلامة موسى هو أستاذ نجيب محفوظ: يوجهه ويرشد خطاه، حتى أنه كان يسمي كل مفكري عصره بأسمائهم، أما سلامة موسى فكان يلقبه بالأستاذ.


كانت "المجلة الجديدة" برئاسة سلامة موسى في طليعة المجلات التقدمية التنويرية حيث تناولت قضايا تحرير المرأة والتصنيع والاشتراكية واليسار والثورة والمذاهب العلمية الفلسفية الحديثة والعلمانية والنزعة الوطنية بالانحياز لحزب الأغلبية، ولذلك هاجمتها قوى التخلف والظلام، وطلب الأزهر من وزارة المعارف ألا تشترك فيها، فحرمتها بذلك من مورد مالي ضخم، وانتشار واسع بين قطاع عريض جدا من الطلاب.
نشر نجيب محفوظ في "المجلة الجديدة" مقالاته الفلسفية التي بدأت في أكتوبر 1930 بمقالة بعنوان "احتضار معتقدات وتولد معتقدات"، وفي سنة 1932 نشر سلامة موسى أول كتاب مترجم لـنجيب محفوظ هو "مصر الفرعونية". ثم نشر له أول قصصه القصيرة بعنوان "ثمن الضعف" 1939، ونشر له أيضا أولى رواياته "عبث الأقدار" التي أطلق عليها اسمها، وكان نجيب يقترح تسميتها "خوفو". وعن هذه الواقعة يقول: "أذكر الآن أول رواية نُشرت لي، فتتعالى دقات قلبي. لو أنني أملك قوة البعث، لبعثت حيا ذلك الرجل العظيم الذي نشرها لي، وأثر عليَّ وعلى جيل بأكمله. عشر سنوات كاملة، كان سلامة موسى هو الراعي والمربي والناقد الأدبي لي. نشر لي مقالاتي وأنا في الثانوي، ثم وأنا في الجامعة، عشرات المقالات، وكتابا مترجما، وأولى قصصي، وأولى رواياتي. إنه أستاذي العظيم. من النادر في الماضي أو الحاضر أن نجد رجلا مثله، يكتشف الموهبة، ويواكب نموها بالرعاية الكاملة حتى تُعطي ثمارها. ومن النادر كذلك أن تجد مثل هذه الأخلاق الرفيعة التي كان عليها".
وعندما عرض نجيب بعض رواياته على أستاذه، ولم يرض عنها، أعدمها لثقته الكاملة في رأي أستاذه، وفي ذلك قال: "أعدمت تلك الروايات لأنها فقدت قيمتها في نظري. وكنت أرى سلامة موسى رجلا صادقا، وكلامه لا يُناقش. وكان يعاملني بكل الحب. وقد قال لي: عندك موهبة، ولكن هذه الروايات لا تصلح للنشر. كان عظيما وصريحا".
وفي فبراير 1934 يكتب نجيب محفوظ مقالة في "المجلة الجديدة" بعنوان "ثلاثة من أدبائنا"؛ والثلاثة هم: العقاد وطه حسين وسلامة موسى. فيصف الأول بأنه رجل البداهة "الموهبة والفطرة والبصيرة والإحساس الصادق والطبع السليم"، وبأنه شاعر فنان مجدد؛ لذلك فإنك إن قلدته لن تكون من أتباعه!
ويصف الثاني بأنه رجل الذكاء الذي يظهر في البساطة والسخرية، ويبدو في السهل الممتنع.
وإذا كان كل من العقاد وطه حسين "رجل"، فإن سلامة موسى هو "الأستاذ". يصفه بالتفكير العملي الذي لا يركن إلى النظر العقلي التأملي المجرد إلا ليحوله إلى مخطط تطبيقي على الحياة، لأن شاغله هو الإصلاح الاجتماعي. ويخلص محفوظ إلى أنه إذا كان العقاد يمثل روح النهضة الأدبية، ويمثل طه حسين عقلها، فإن سلامة موسى يمثل إرادتها.
وعلى ما يبدو أن علاقة محفوظ بأستاذه ومجلته قد تعرضتا للفتور بسبب وظيفة محفوظ في مكتب وزير الأوقاف الشيخ مصطفى عبد الرازق؛ حيث كانت علاقة الأخوين مصطفى وعلي عبد الرازق (صاحب "الإسلام وأصول الحكم") بـسلامة موسى ملتبسة، بدليل أن أيهما لم يكتب في مجلته. وربما كان ذلك ما جعل نجيب يراجع موقفه من أستاذه ومجلته (تجنبا للحرج من شيخه ورئيسه في العمل)، فتحول إلى مجلات أخرى مثل "الأيام" و"الرسالة"؛ النقيض المباشر لـ"المجلة الجديدة"، كما غيَّر من موضوعاته ذات الطابع الفلسفي الصريح إلى الكتابة مثلا عن زكريا أحمد وأم كلثوم و"التصوير الفني في القرآن" لسيد قطب. وبعد فترة وجيزة اتجه بكليته إلى القصة والرواية. ومعها انقطعت علاقته بأستاذه، وتحول الأول بندواته الأسبوعية إلى مقاهي القاهرة، واستقر الثاني بندوته الأسبوعية بجمعية الشبان المسيحية، ولم يعودا يلتقيان إلا مصادفة، بالرغم مما يكنه كل منهما للآخر من تقدير عميق؛ فيظل نجيب محفوظ طوال حياته الإبداعية يسير على هدي توجيهات أستاذه في تبني قيم العلم والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويظل الأستاذ على تقديره لإبداعات تلميذه؛ فيكتب قبيل وفاته (أغسطس 1958) عن الثلاثية ممجدا ومشيدا بها وبصاحبها.