« أحلام فترة النقاهة » آخـر معجزات محفوظ

21/08/2016 - 1:44:38

اللوحة للفنان المصرى محمد حجى اللوحة للفنان المصرى محمد حجى

د. زكـى سـالم - كاتب مصري

لا أكاد أصدق أن عشرة أعوام مرت على رحيل أستاذى الحبيب نجيب محفوظ! فبعد نحو ثلاثة عقود من الاقتراب منه، تغير طعم الحياة تماما بعد رحيله، وافتقدت بشدة حضوره الإنسانى الجميل، فهو أنبل من عرفت من البشر وأحكمهم.
بيد أن فضل المولى، عز وجل، أعاننى كثيرا، ومن خلال إعادة النظر فى إبداعات محفوظ الخالدة، التى مازالت تحيط بى، وتمدنى بأفكاره الثرية، كما أن روحه الخلاقة ماثلة فى ذكرتى، ولا تكف مخيلتى عن استحضاره فى مواقف كثيرة، فهو لا يغيب كثيرا عن أحلامى وتأملاتى وأفكارى، فما تعلمته منه أكثر مما تعلمته من معاهد وجامعات عدة التحقت بها داخل مصر وخارجها.
ولنتأمل قليلا فى رؤية محفوظ الصوفية، والتى تتجلى فى جل ما كتب، بداية من أعماله الأولى، حتى آخر إبداعاته، لكننا إذا نظرنا، على سبيل المثال، إلى ملامح رؤية "الشـيخ على جنيدى" فى رواية "اللص والكلاب"، سنجدها قد تطورت كثـيرا جـدا، من خلال كلمات "الشيخ عبد ربـه التائـه" فى "أصداء السيرة الذاتية"، ففى كل مرحلة من مراحل نجـيب محـفوظ الإبداعية، ثمة تطور واضح فى منظوره الإنسانى، ورؤيته الصوفية.
وأذكر أننى كنت أتحدث مع الأستاذ – بعد أن تجاوز التسعين – عن رؤيته الصوفية في نصوص "أحلام فترة النقاهة"، وأن هذه الرؤية تختلف في بعض جوانبها عن رؤيته في أعمال كثيرة سبقتها، فإذا به يقول لي: هذا صحيح، فأنا تغيرت مع مرور الزمن، والإنسان يتطور، ورؤيته تتغير!
ومن ثم يمكننا أن نرى بوضوح تجليات فلسفة نجيب محفوظ الصوفية فى حياته الشخصية، وبخاصة فى العقود الأخيرة من عمره المثمر، وكذلك يمكننا أن نرى ملامح رؤيته الصوفية المتجاوزة للعالم المادى، فى كثير من نصوص أحلام فترة النقاهة.
ولننظر مليا فى مختارات من معجزته القصصية الأخيرة، ففى حلم رقم (207):
"رأيتنى أسير فى شارع طويل وفى بيت على اليسار فتحت نافذة ولاح فيها وجه امرأة سرعان ما تذكرتها على الرغم من أننى لم أرها منذ خمسين سنة وأن جمالها اختفى وراء ستار كثيف من المرض، ولما استيقظت فى اليوم الثانى وجدت الحلم باقيا فى ذاكرتى فعجبت ورحت أتصفح جريدة الصباح فقرأت نعيها فى صفحة الوفيات، فازددت عجبا واعترانى حزن شديد وتساءلت: ترى أينا زار الآخر فى ساعة الوداع ؟".
هذه هى روح أستاذى الحبيب، تتجلى فى ثنايا هذا الحلم البديع، فالشارع الطويل يرمز إلى عمره المديد، وهذا البيت يُشير إلى مكان لقائه بهذه المرأة الجميلة، والتى توارى جمالها بسبب المرض، وتقدم العمر، والنافذة التى فتحت هى ذاكرة مبدعنا الفائقة، والتى تتذكر هذه الفاتنة بسرعة رغم مرور نصف قرن على آخر لقاء بينهما! وفجأة ينقلنا إلى اليوم التالى، حيث يسترجع حلم الأمس المحفور بتفاصيله فى وجدانه، وإذا به يقرأ نعيها، فيتساءل عن زيارة روح أحدهما للآخر فى لقاء الوداع الأخير.
ويشير هذا الحلم إلى ملمح من فلسفة محفوظ الصوفية، ورؤيته لحقيقة الإنسان كروح خالدة، لا تؤثر فيها مرور السنوات الطوال، ولا يحجبها شىء عن لقاء الأحبة، ولا يعيقها أى شىء حتى الموت ذاتـه، فكما قال فى حـلم رقم (104): "إن المـوت لا يسـتطيع أن يفرق بين الأحـبة". وهذه عقيدة قـوم مصطفين، يُحبهم المولى، عز وجل، ويحبونـه.
وفى حلم رقم (208): "وجدتنى فى مكتبى تزورنى السيدة (س) لتسلم على قبل رحيلها لإحدى البلاد العربية للعمل، ووضعت يدها فى يدى ولكنها لم تسحبها واغرورقت عيناها الخضراوان بالدموع".
هذا النص المكثف يعد من أجمل القصص القصيرة التى قرأتها، طوال حياتى المليئة بالقصص، فهذه قصة مكتملة الأركان، إذ من خلال هذه الكلمات المعدودة، تجلت أمامنا حكاية مؤثرة للغاية تحكى بسلاسة ورقة عن الحنين والحب، والوحدة والسفر، والعمل والعرق، والغربة والفراق، دون أن تستخدم أيا من هذه التعبيرات المباشرة!
فالراوى جالس فى مكتبه، ومشغول بمشاغل الحياة اليومية، لكن حين تأتيه هذه الزيارة، غير المتوقعة، ينقلب حاله، وتشتعل عواطفه، ويعيد النظر فى ما جرى من أحداث حياته، فما بينه وبين هذه السيدة الرقيقة أمور كثيرة لا نعلمها، بيد أن ما بينهما جعلها تقرر أن تزوره وتسلم عليه قبل أن ترحل عن أرض الوطن، وتسافر إلى بلاد غريبة، لتعيش مع أناس غرباء عنها، من أجل بعض المال الذى يُدفع ثمنه غاليا جـدا من عرق البشر ومعاناتهم، وأحيانا من كرامتهم أيضا. ومن ثم لا تملك صاحبة العينين الخضراوين الدامعتين القدرة على أن تسحب يدها من يده، فهى لا ترغب أبدا فى هذا السفر القاسى، ولا هذا الفراق المؤلم، ولا أشياء أخرى كثيرة، لكن الأمور كلها مختلطة معا، ولعلك تتساءل، يا صديقى، عن صعوبة اقتلاع جذور الإنسان المزروعة فى أرض الوطن؟ ومدى عمق الألم الناتج عن فراق الأهل والأحبة؟ وعن ما حدث ويحدث مع كثير من المصريين والمصريات العاملين فى بلاد الصحراء القاحلة؟
وتستدعى هذه القصة البديعة من ذاكرتى: "مالى أكتم حبا قد برى جسدى"، من أبيات شاعر العربية الأروع أبي الطيب المتنبي:
"يا من يَعُز علينا أن نفارقهم/ وجداننا كل شيء بعدكم عدمُ
إذا ترحّلت عن قوم وقد قدروا/ ألا تفارقهم فالراحلون هُـمُ
شَرُّ البلادِ مكانٌ لا صديق به/ وشَرُّ ما يكْسِبُ الإنسانُ ما يَصِمُ
هذا عتابُك إلا أنّـَه مقـة/ قَـدْ ضُمِّنَ الدُّرَّ إلا أنه كَلِــمُ"
فالإنسان هو الإنسان فى كل زمان ومكان، ومشاعر البشر هى ذاتها، ودراما الحياة متشابهة للغاية، ومن ثم تلتقى ذروة الإبداع الأدبى عبر العصور، بل عبر الثقافات المختلفة.
وفى حلم رقم (236): "رأيتنى أدخل الشقة الجديدة يتقدمنى البواب واختفى البواب فشعرت بالوحشة وقررت الرجوع ولكننى ضللت السبيل وتطوعت أصوات لإرشادى، فتارة تقول لى: خذ يمينك، وتارة أخرى تقول لى: خذ يسارك، ولكننى لم أهتد إلى سبيلى وتساءلت: أين البواب وأين أهلى؟ ويزحف الظلام فأسقط فى الحيرة ولكننى لم أفقد الأمل".
لننظر إلى هذا الحلم كمثال على كثرة المعانى المبثوثة بداخل الأحلام إلى درجة تصل أحيانا إلى حد تناقض الدلالات! فالشقة هنا مجرد رمز للحياة كلها، وهذا البواب هو المرشد (الروحى) أو الدليل، فكأنما هنا دعوة صريحة لأهمية أن نتشبث بالمرشد فى هذه الحياة الدنيا، وإلا سنضل السبيل، ونضيع فى متاهات الضلال، وفى الوقت نفسه، يمكننا أن نُدرك أن الدخول إلى عالم جديد، ونحن نسعى مستسلمين وراء مرشـد يقودنا كما يشاء، يُعرضنا إلى الضياع، حين يغيب المرشـد فنضل الطريق، وكأنما الأصوب هو أن نعتمد على أنفسنا من البداية!
أيضا لنتأمل فى دلالة هذه الأصوات المرشدة، فهى تتطوع بنصائح متناقضة، والاستماع إليها، والاستجابة لها قد تدفع الإنسان إلى التوهان فى هذا العالم. إن هذا الحلم، وغيره من الأحلام، يدعوك إلى التفكر والتأمل، لكى تصل إلى المعنى الأقرب إلى روحك، أو المعنى الذى يتفق مع تجربتك الشخصية فى هذه الحياة المدهشة.
وفى حلم رقم (238): "رأيتنى أتسلم هدية ثمينة من يد الشيخ الفنان وهو يقول لى: لا تستمتع بها إلا حيث يلتقى النيل بالبحر، وذهبت إلى هذا الملتقى فوجدت الشيخ فى انتظارى واستمتعنا معا بالهدية، وترنمت الحناجر بالمواويل العذبة، ومازلنا كذلك حتى سـبح فى الفضاء الرطيب أذان الفجر المبارك".
يتلقى الراوى هنا هديته الثمينة من يـد من يصفه بالشيخ الفنان، وكلمة الشيخ تشير إلى معرفته بالعلوم الدينية، والفنان يرمز إلى القدرة على إبداع الجمال مع صفاء الروح وشفافيتها، ومن ثم يحدث هذا التلاقى المدهش، بين الفن والدين، حين تجتمع تجليات الإبداع الفنى مع إشرقات الروح العرفانى. وفى هذا الحلم إشارة تذكرنا بهذه الآية الكريمة "وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا."(سورة الكهف). ففى هذا الموضع التقى نبى الله موسى عليه السلام مع العبد الصالح (الخضر)، ومن هذا اللقاء التاريخى يمكن لنا أن نتعلم أمــورا كثــيرة تتعلق بالفـيـوضات الربانية على أولياء الله الصالحين، كما يمكننا أن نفهم أشياء مهمة تتعلق بعمق مدلول الحكمة الإلهية، وعدم قدرتنا البشرية على الإحاطة بها.
فهذا العبد الصالح يعلم ما لا يعلمه نبى عظيم من أولى العزم من الرسـل، إذ يصفه المولى، عز وجـل، بقولـه تعالى: "فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً" (سورة الكهف) ولك أن تتصور إنسانا يتلقى معانى الرحمة الإلهية من يد مولاه، ويتعلم مباشرة من الحق سبحانه وتعالى.
وفى هذا الحلم، لا نعرف طبيعة الهدية الثمينة، لكننا نعرف ما يدل على حلاوة الاستمتاع بالهدية، وأنس الصحبة الثرية، والتى تشبه صحبة موسى للخضر، أو صحبة المريد لشيخه، وهنا أمور كثيرة لا تقال، وإنما يشير إليها بجمال نغمات المواويل العذبة، حتى مطلع الفجر، وصوت الأذان المبارك.
وفى حلم رقم (240): "رأيتنى فى حجرتى أقرأ وفى الخارج يتصاعد هتاف بلغات شتى، فأغلقوا النوافذ وأسدلوا الستائر ولكن اقتحم الحجرة نفر من الأصدقاء وقالوا لن نغادر بيتك إلا وأنت معنا فقد انقضى زمن العزلة".
وكأنما فى هذا الحلم رسالة من عالم الغيب إلى كل من يعيشون (فى عزلة) فى عالم الشهادة، إذ لا يصح أبدا أن نتجاهل كل ما يحدث فى العالم الخارجى، ونكتفى بالغرق فى عالمنا الخاص، وإغلاق النوافذ التى نرى من خلالها، وإسدال الستائر لإخفاء حقيقة المشهد، بينما هتاف الجماهير الغاضبة يكاد أن يصل إلى عنان السماء.
وكم أتمنى أن تصل هذه الرسالة المهمة إلى الجميع، فقد تغيرت الظروف، وتبدلت الأحوال، ومن ثـم انقضى زمـن العزلـة.
وفى حلم رقم (242): "وجه حبيبتى القمرى يلوح لى فى كل مكان، يستوى فى ذلك أماكن العمل وأماكن اللهو والطرب وأماكن الراحة والاسترخاء وحتى عند مطلع الفجر يلوح لى وجهها القمرى وهى تسبح بصوتها الحنون".
ها هو الوجه النورانى للحبيبة يتجلى فى كل مكان، تعبيرا عن جمال الحقيقة المقدسـة وسطوعها البارز، فأصحاب البصائر يرون الحق، سبحانه وتعالى، على كل حال، وفى كل شىء فى هذا الكون الذى يتسع ويتمدد إلى ما لا نهاية. إذ إن كل شىء، فى هذا الوجود، إلى زوال، ولا يبقى فى النهاية سوى وجه ربك الكريم.
ولعل فى هذا المعنى الصوفى العميق ما يذكرنا بقول المولى عز وجل: "كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام."(سورة الرحمن).
وفى حلم رقم (247): "رأيتنى مع بعض أصدقاء العباسية نستعد لمشاهدة الاحتفال بالمولد النبوى الشريف، وفى الطريق مررنا على بيت الحبيبة فنفخ فى نشوة ملأت جوانحى، وفى ساحة الاحتفال طفنا بالسرادقات وسمعنا أناشيد صوفية، وعند منتصف الليل انطلقت الصواريخ وتفجرت فى السماء وهوت فى شكل لآلئ من الأنوار ترسم أشكالا شتى أضاءت القبة السماوية ورجعنا وما تزال النشوة تملأ جوانحى".
ها هم أصدقاء الراوى يذهبون معه من العباسية إلى منطقة الجمالية، حيث يستمتعون بالاحتفال بالمولد النبوى الشريف فى رحاب جامع حفيده الأكرم، مولانا الإمام الحسين، رضى الله عنه، وفى الطريق يمرون على بيت الحبيبه فتمتلئ جوانح الراوى بالنشوة، ولعلنا نتذكر هنا قول قيس بن الملوح:
"أمر على الديار ديـار ليلى/ أقـبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حـب الديار شغفن قلبى/ ولكن حب من سكن الديارا"
لكن أستاذنا الأكبر يطور هذا الحب العذرى، فى مرحلة الشباب المبكر، إلى حب صوفى يضىء بنوره ما بين الأرض والسماء، ويمد الروح الهائم فى الملكوت بنشوى روحية نابعة من عشق الوجود الأعظم.
وفى حلم رقم (304): "وجدتنى فوق سطح البيت القديم أعد النجوم فى ليالى الصيف أو أسبح فى ضوء القمر، أما فى ليلة القدر فيزفر صدرى أمانيه فتضيء الظلمات".
هى الليلة الأعظم من ألف شهر، لماذا؟ لأنك قد تعيش ألف شـهر، أو حتى أكثر دون أن تنالها، فهذه ليلة إلهية، ينفتح فيها القلب على عالم الملكوت، وتنال الروح الهائمة العفو الذى تبتغيه.
وفى حلم رقم (320): "رأيتنى أحتفل مع الحبيب لعودته من رحلة موفقة، ودُعيت للغناء فغنيت: "أمانة يا رايح يمه تبوس لى الحلو فى فمه، وقل له عبدك المغرم ذليل"، وجاءونا بالعشاء صينية من الذهب الخالص رصت عليها أطباق المشهيات من أغانى شيراز، أما الطبق الرئيسى فكانت السورة المباركة: "والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى"، وقال الحبيب هذه الليلة خير من ألف شهر".
ها هو تصـوف محفوظ الساحر يتجلى فى هذا الحلم البديع، حيث يتداخل الحبيب الذى يتمنى أن يبوسه فى فمه، مع روحانية أغانى شيراز، فشاعره الأثير حافظ شيرازى، والذى استخدم أشعاره باللغة الفارسية فى ملحمة الحرافيش، ها هو يتجلى هنا، مرة أخـرى، مع سـورة الضحى، فى "ليلة القدر"، والتى هى خير من ألف شهر.
وفى حلم رقم (380): "رأيت أننى فى ذكر من أذكار الصوفية أذهب وأجيء، وكان المنشد الأستاذ العقاد حتى تساقطنا على الأرض بين فاقد وعيه وآخر يكاد يفقده، ولما ساد الصمت غنى الأستاذ العقاد بصوت مؤثر: يا أهل مصر هنيئا لكم الحسين."
أنظر إلى تصوف محفوظ كم هو جميل وراق، إذ يختلط بفن الموسيقى والأنـس والغناء، كما يمتزج عنده الذكر بالطرب، ويتماهى حب آل البيت مع عشق الحياة.
هذه الأحلام الساحرة جديرة بقراءة واعية ومتأنية، إذ تعد خلاصة لفلسـفة نجيب محفوظ، وتقطير لرؤيته الإنسانية الرحبة، فهى آخر إبداعاته وأروعها، فقد توج كل أعماله الخالدة بهذه النصوص القصيرة، كما توج فن القص العربى بهذه المقطوعات البسيطة المعجزة.