رحلة إلى دار الجبل المحفوظية

21/08/2016 - 1:43:53

نجيب محفوظ فى مقهى ريش نجيب محفوظ فى مقهى ريش

د. محمود الشنواني - كاتب مصري

يوليو 1975
أستلقى وبين يدى "ميرامار"
"الإسكندرية أخيرا..
الإسكندرية قطر الندى، نفثة السحابة البيضاء، مهبط الشعاع المغسول بماء السماء، وقلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع".
ترتجف روحى رجفة ما زال صداها وتوابعها تتردد حتى الآن.
نجيب محفوظ أخيرا..
المحطة الفاصلة لفتى عشق القراءة، لكن خطواته الأولى قادته إلى المنفلوطي والسباعي وإحسان ومحمد عبد الحليم عبد الله، إلى أن جاءت تلك اللحظة التى قرأ فيها أولى فقرات "ميرامار"، فهبط الشعاع المغسول بماء السماء المحفوظية إلى قلبه المتقلب بين الشهد والدموع، وتغيرت الحياة بعدها.
فبراير 1976
اليوم جمعة، أتسكع فى شوارع وسط البلد، برودة جميلة، رواد حفلة السادسة فى السينمات يغادرونها، ورواد حفلة التاسعة يتزاحمون ويتطلعون للأفيشات والصور. أسير فى شارع طلعت حرب بالقرب من مقهى ريش. هل الواقف على الرصيف هو نجيب محفوظ؟
أتقدم إليه، أصافحه، أقول له إننى قرأت له وإننى شديد الإعجاب برواياته. يجيبنى بود: "لو تحب تعالى اقعد معانا، بنكون كل جمعة هنا فى "ريش" الساعة خمسة ونص.. أهلا وسهلا".
وتوالت أيام الجمعة سنين وسنين، وتشبعت الروح برحيق الإنسان الفريد.
من المقاهى إلى الفنادق
"مقهى ريش"، منتصف السبعينيات.
الستينيات تقاوم زحف السبعينيات، الوجوه والأفكار والمصطلحات ونوعية القضايا المثارة، تحاول أن توقف التقلبات التى يشهدها المجتمع كله، ويشهد عليها غضب رواد المقهى وحدتهم. ويأتى القرار الغريب المريب بإغلاق المقهى يوم الجمعة. وبعد توقف قصير لشهور قليلة فى مقهى على بابا تفتتح الندوة عهدا جديدا فى كازينو قصر النيل على الضفة الأخرى من النهر الخالد.
تختفى وجوه عديدة مع هذا الانتقال وتأتى وجوه جديدة، وتتواصل المفاجآت فى الأحوال العامة وتتواصل الحيرة وتقلبات الأفكار والانحيازات فى الندوة. وفى أكتوبر 1988، تزدان نوبل باسم المبدع العظيم نجيب محفوظ، وتتحول الندوة شبه الشخصية إلى مكان للتغطية الإعلامية والفضول، مع محاولات من أصدقاء وتلاميذ الأستاذ لاستعادة جلستهم الأسبوعية.
وفى أكتوبر 1994 يتلقى الإنسان البسيط الوديع طعنة غادرة من قوى الجهل والتطرف، خلفت جرحا غائرا وأجلت لقاء الأستاذ بمحبيه لما يقرب من عام كامل، وبعدها اختلف اللقاء نوعيا. توزعت ندوة الجمعة على أيام الأسبوع، ويتحول اللقاء المفتوح إلى لقاء شبه مغلق، ويتغير المكان من مقهى وكازينو إلى قاعات فندقية وعوامة على النيل وبيت خاص. وتتغير الأجواء كثيرا، الحضور لا يزيدون على عشرة أشخاص فى أغلب الأحوال، منهم أصدقاء الأستاذ القدامى ومنهم أصدقاء جدد، ومنهم من يأتى فقط ليتفاخر بالحديث عن لقائه الأسبوعى بصاحب نوبل الشهير.
ويصبح اللقاء أكثر حميمية وأكثر هدوءا. وكان نصيبى الشخصى أن يتحول مكانى من محاولة الجلوس على مقعد قريب للاستماع إلى الأستاذ كثيرا والحديث إليه قليلا فى المقهى، إلى الجلوس إلى جواره على أريكة كل أربعاء فى فندق سوفيتل المعادى بين عامى 1966 و2006.
ملحمة الحرافيش
"فى ظلمة الفجر العاشقة، فى الممر العابر بين الموت والحياة، على مرأى من النجوم الساهرة، على مسمع من الأناشيد البهيجة الغامضة، طرحت مناجاة متجسدة للمعاناة والمسرات الموعودة لحارتنا".
شهقت إعجابا وتعجبا لتلك المقدرة الفذة على التعبير. كنت جالسا على مقهى بجوار سينما راديو فى انتظار حفلة السادسة، ومعى مجلة (أكتوبر) وعلى غلافها (ملحمة الحرافيش) رواية جديدة لنجيب محفوظ.
واصلت القراءة وامتدت الصفحات، وفاتنى الفيلم. ولكن لم يفتنى الاستغراق فى الرواية التى أضعها على قمة ما قرأت فى عالم الأدب. تدب الأجساد على أرض الحارة تصنع مسيرتها ومصائرها، ويحلق الخيال فى سماء الحارة يداعب أحلامها وأشواقها. وكلما خطت حياتى فى طريقها وأردت أن أتأملها، أجدنى مع "ملحمة الحرافيش" التى تتراءى لى مع كل مرة، أكثر اتساعا وعمقا وإبداعا وفتنة. تشاكسنى الحياة وتحيرنى، فألجأ إلى كلمات النجيب البديعة:
"عاد إلى دنيا النجوم والأناشيد والليل والسور العتيق. قبض على أهداب الرؤية فغاصت قبضته فى أمواج الظلام الجليل. وانتفض ناهضا ثملا بالإلهام والقدرة فقال له قلبه لا تجزع فقد ينفتح الباب ذات يوم تحية لمن يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة".
الخميس 14 أكتوبر 1988
فى الحادية عشرة كنا أنا وزوجتى ندخل مكتب الأستاذ فى الأهرام، لنشكره على تهنئته لنا بمناسبة زواجنا. وبمودة الأب الجميل ومحبته ونظرته الحانية استقبلنا، وطوفنا بين الأمور العامة والأمور الخاصة، وغادرنا نحو الثانية عشرة والنصف تصحبنا أمنيات المحبة وأنوار الحكمة تضيء لنا طريقنا الذى بدأناه حديثا. وبعدها بساعات كان الفرح العظيم يعم مصر كلها "نجيب محفوظ يحصل على جائزة نوبل للآداب".
الفرحة الكبرى لم أحسها ولا أظن أن مصر أحستها خلال عمرى إلا عند عبور القناة فى 1973 وعند حصول نجيبها على أرفع وسام أدبى وعند الاستماع إلى خطاب التنحى فى فبراير 2011. الفرحة التى تسرى فى الوجدان إلى أعماقه، والتى تسرى فى أوصال الوطن إلى أطرافه، فتنعشها وتطلق دموع الفرح من مكامن شجنها، وتمنحها الثقة والآمال العريضة. وفى اليوم التالى ورغم زحام الناس والكاميرات، احتضنت الأستاذ وقبلته، قبلنى وقال: أهلا بوش السعد.
11 ديسمبر من كل عام
يوم ميلاد الأستاذ، تتكاثف اللقاءات الصحفية وومضات الكاميرات والشموع والأغانى، التى لم تكن تروق للأستاذ كثيرا، لكنه يتفهمها ويوطن نفسه على تقبلها. ولكن فى ذلك العام حدث موقف لا أنساه. دخل أحد أصدقاء أستاذنا الجليل، قبله وقال له:
ـ النهارده أنا جايب لحضرتك هدية.
بلطف معهود قال له الأستاذ: أهلا أهلا.
فرد الصديق: معى صديق قديم من العباسية.
تقدم رجل أنيق الملبس تجاوز السبعين وقال:
ـ أنا مصطفى شديد.
لمعت عينا الأستاذ: أخو عايدة؟!
"طاف كمال عبد الجواد بشوارع العباسية حتى وصل إلى القصر الجميل، فاستقبلته الحديقة الفواحة بعطر الورود".
سأله الأستاذ عن الراحلين، وتألقت الذكريات حتى فاض المكان كله بالحنين. وأخرج الرجل صورة فوتوغرافية من جيبه وأعطاها للأستاذ.
ـ دى صورة قديمة للأسرة، عايدة هى اللى واقفة على اليمين.
أمسك الأستاذ بالصورة، وأخذ يحدق النظر، كان البصر أضعف من أن يرى التفاصيل، أخذ يبعد الصورة عن وجهه ثم يقربها، لعله يلتقط نظرة. ارتخت يداه، شرد، وسمعت تنهيدة عميقة.
شخصيات الحياة
السيد أحمد عبد الجواد والست أمينة.. كمال وياسين وفهمي.. حميدة وعباس الحلو وزيطة.. سعيد مهران ورؤوف علوان ونور.. ريري وعيسى الدباغ.. أنيس.. محجوب عبد الدايم وعلى طه.. إحسان ونفيسة.. زهرة وسرحان البحيرى.. عاشور الناجي وشمس الدين وسماحة وجلال وزهيرة.. الست عين وفرج يا مسهل.. جعفر الراوي.. الجبلاوي.. سيد سيد الرحيمى..
ليست شخصيات قرأنا حكاياتها، بل هى شخصيات تحوم حولنا، تحاورنا، تعايشنا وتعيش معنا. هى شخصيات أكثر حياة عندنا وفينا ممن هم حولنا.
إلى دار الجبل
انطلقت قافلتنا عبر الزمان والمكان قاصدة (دار الجبل) يتقدمنا شيخنا نجيب محفوظ، ونتبعه أنا محمود الشنواني وصديقي "ابن فطومة".
رآنا شيخنا فى آلام الحيرة ودوامة التساؤلات والغضب من الأحوال، فقال لنا: ليس مثل الأسفار وسيلة للسلوى وللوصول إلى المرفإ، فعليكم بها، طوفوا بالبلاد وعيشوا وسط العباد، وليكن مقصدكم دار الجبل، لكن الطريق إليها لا بد أن يمر بالديار الأخرى.
قادتنا القافلة وقادنا شيخنا إلى (دار المشرق) ثم إلى (دار الحيرة) وبعدها إلى (دار الحلبة) ثم (دار الأمان)، وقبل محطتنا الأخيرة وصلنا للاستراحة فى (دار الغروب) قبل أن نصل إلى (دار الجبل) المنشودة.
وفى رحلتنا كان شيخنا نجيب محفوظ يسجل ما يرى فى دفتر تكاثرت صفحاته مع الزمن، ونصحنا أن يكون لكل منا دفتره وقال: سيبقى رحيق ومغزى ما ترونه فى داخلكما، لكن العودة إلى ما سجلتما سيعيد الحياة إلى ما تشوش من أفكار ومشاعر، كما أن هذا الدفتر وما فيه هو إرثكما الذى عسى أن ينتفع به من يقرؤه بعدكما.
وفى ليلتنا الأخيرة عند سفح (دار الجبل) ونحن نتطلع بوجل وأمل إلى ممر الصعود الوعر، نظر لنا شيخنا الحبيب نظرة كلها حنان ومحبة وإشفاق، وضمنا إليه..
وفى الصباح لم نجده، وتساءلنا والفقدان يملأ فؤادنا: هل صعد إلى دار الجبل؟
وجدنا دفتره العامر الذى ثقل حتى أصبح يصعب حمله، وقلنا هذا إرثه الذى عسى أن ينتفع به الناس.
أغسطس 2006
النعش بجوار المقبرة. الكاميرات وأقلام الصحفيين تلاحق الوجوه المألوفة لديها، مرت ما يقرب من ساعة فى انتظار وصول سيارة أسرة الراحل الكريم التى ضلت الطريق إلى المدفن
ورغم الزحام، فالنعش وحيد.
أقف بجواره، أربت عليه بيدى، أتشبث بالمصافحة الأخيرة. تصل سيارة الأسرة وتبدأ مراسم الدفن.
أرفع مع آخرين النعش، ولا تستطيع الدموع أن تحجب الرؤية، أجد نفسى فى عمق المدفن، أتلمس الجسد النحيل وأشارك فى إراحته على الأرض.
تتردد الآيات القرآنية وأسمع صوتا يقول: من يحب الأستاذ نجيب يحسو على جسده بعض التراب.
أرتكز على الأرض وتلتقط كفي حفنة من التراب وبألم كبير أنثرها على الحبيب، تشملنى رجفة، أسلم تسليمة الوداع..
ثم يطالعنى الضوء والوجوه والصخب.
وداعا مولاي الحي في قلبي.
حديقة الورد.
سئل الشيخ عبد ربه التائه: هل تحزن الحياة على أحد؟
فأجاب: نعم.. إذا كان من عشاقها المخلصين.
وقال الشيخ عبد ربه التائه:
ـ إذا أحببت الدنيا بصدق، أحبتك الآخرة بجدارة
و.. قال الشيخ عبد ربه التائه:
ـ ما أجمل راحة البال فى حديقة الورد.