الكتابة تتوهج بمبدعها في حضرة يوسف إدريس

21/08/2016 - 1:01:21

لقطة من فيلم الحرام لقطة من فيلم الحرام

د. خالد الغريبي - كاتب تونسي

ما الكتابة؟ وكيف تكتبنا؟ وكيف يحقّق الكاتب فرادته في غابة من النصوص المتشابهة؟
تلك هي محاولتنا في استقصاء شذرات من آراء يوسف إدريس حول الكتابة وعلاقتها بالذات والتاريخ والوجود. نروم من خلالها الوقوف على القيم الجمالية الثابتة والدائمة الموصولة برؤية إدريس للكتابة على خلفية منجزه الإبداعي.
في الكلام على الكلام
"الكلام على الكلام صعب" كما يقول التوحيدي. فما بالك بكلام المبدع على إبداعه ينثر علينا أفكاره وما خفي من أسرار الكتابة وما غام بين خفايا السطور مسكوتا عنه. وقد يجاهر الكاتب ببعض أسراره وقد يراوغ. وقد يذهب في البوح أشواطا حتى يفيض بمكنون شخصيته لا متهيّبا، ولا وجلا ولا واضعا لكلامه حدودا.
فالكتّاب والفنانون عامة هم في هذا الباب أصناف وطبقات بمثل ما وصفنا. ولنا في أدبنا العربي الحديث من خلال أدب السيرة وما يُجرى للمبدعين من حوارات أو مساجلات مكتوبة أو مسموعة أو مرئية في وسائل الاتّصال والإعلام ما يشكّل في عرف النقد المعاصر ونظرياته الإنشائية نصّا موازيا Paratexte لا يقلّ قيمة عن نصّ الإبداع ولا يمكن أن يكون في الوقت نفسه بديلا منه.
لعلّي أقول إنّ شخصية الكاتب هي كلّ لا يتجزأ حتى وإن بدت صورة الفنان مختلفة عن الإنسان. ولست أرى في شخصية يوسف إدريس من خلال ما يكتب إبداعا وما يصرح به لماما، وهو القاص والروائي والمسرحي والصحفي والمحاور والناثر، إلاّ زوايا متعدّدة لوجه واحد. أو مرايا متعاكسة تكشف لنا عن صورة فنان تشكّلت معالم فنه من خلال الأوساط التي عاشها ريفا ومدينة ومن خلال الخبرات المتدرّجة التي اكتسبها نضالا ومعرفة بالذات والآخر وتنوّعا معرفيا بين الطبيب والأديب وانخراطا في سياقات ثقافية وسياسية وإبداعية شملت جيلا بأكمله أراد أن ينفلت من أسر سلطة الأب وسلطة الحاكم ولم يستطع من ذلك فكاكا إلاّ بوتائر مختلفة وأنفاس مجهدة.
ما تبقى من يوسف إدريس
والواقع أنّ من الدروس التي علّمنا إياها يوسف إدريس من خلال تجربته الشاملة قولا وإبداعا هو: كيف تصير الكتابة وطنا، يذود الكاتب من خلالها عن كيانه الموجود والمفقود وحضوره في تاريخ الكتابة وتجلّياتها أوّلا. وكيف تغدو اللغة بوصفها حدثا وخطابا، بؤرة تشكّل للمرئي والمعيش، اختبارا للواقعي يرقى بعفوية ودون تصنّع إلى مصاف الفني ثانيا. وكيف تصير كلّ الأشكال التعبيرية مجرّد واسطة بين عقل الفنان والعالم، حيث تذوب المسافة بين الأجناس فيحتمي القصّ بالشعر والشعر بالمسرح والمسرح بالسرد ثالثا. وجماع كلّ هذا ومحصّلته حضور الدلالة الإنسانية وهي تنبع من تراب الواقع ومن تشققاته ومن ذاكرة تتسلّق صور الكدح الإنساني، ريفا ومدينة، ومن صناعة أبطال مسكونين بمصريتهم: "مصرية من ذلك النوع الذي يوقظ فيك مصريتك ويجعلك تعشقها من جديد"، مصرية تلوذ بتاريخها الأثيل وبسمرتها الشفافة.
أليس هو القائل متحدثا عن المحلّية: "العالم ليس هو العالم الكبير الذي يشمل البشرية كلها، بل هو الذي يبدأ صغيرا ثم يتّسع.. والمفروض في الأديب أن يخاطب العالم الصغير.. عالمه.. فإذا نجح في مخاطبة عالمه فإنّه يكون بمثابة من نجح في مخاطبة العالم كلّه ..." (من حوار بين يوسف إدريس وصحيفة الأهرام المصرية منشور في كتاب "عزف منفرد" ليوسف إدريس).
ومن عجيب هذا اليوسف أنه لم يقطّع سراويله على مقاعد اللغة وإنّما خبرها وهو يكتب. استقاها عامية من لهجات عمّال التراحيل ومحطات "الأوتوبيس" ومن نبرات شخصيات الأرصفة و"الشوارع الخلفية" والحواري والأزقة والمقاهي والترع والأودية الموغلة في تفاصيل الذاكرة.
لعلّ هذا ما به تميّز يوسف إدريس، وهو يكتب روايته اللاذعة "الحرام" أو "العيب" أو مسرحية "الفرافير" التي تشكّل علامة مائزة في فن كتابة المسرح أو هو يخط ما يخطّ من ألوان القصص القصير.. ففي شتى هذه التعبيرات وبها حقّق يوسف إدريس إيقاعه الخاص وشيّد طابعه المحلّي لكتابات تصنع أفقا إنسانيا.
بهذا يمكن القول بلا مواربة إنّ يوسف إدريس هو خلاصة مركّبة من كاتب متجذّر في مصريتة دون تعصّب وفي يساريته دون جمود عقائدي، صانعا من الطبيب الذي كان أديبا يشرّح بمشرطه جسد الواقع ويغوص في أعماق النفس البشرية يلوذ بمعارف النفس وبها يستأنس وهو الخبير بأحوال الناس من شتى أصقاعهم وطبقاتهم يرصد معاشهم في حلّه وترحاله.
تلك هي ميزات يوسف إدريس أو ما تبقّى منه لا يفنى ولا يبيد. واحد في صيغة الجمع. جاءته الكتابة منقادة وتوهّج بلظاها حتى صارت منه إليه، مدهشة في بساطتها، لائذة بأصقاع الذات تستغور كنهها، لاقطة للتفاصيل اليومية والوقائع المسرودة والأصوات المتداخلة. كتابة قوامها الإلهام ومدارها على الكشف والاستكشاف، محورها الإنسان ظاهرا ومخبرا.
ألم يقل: "أعتقد أن الإلهام هو التعبير المثالي لمزاج الفنان النفسي أو الحالة المزاجية الكتابية.. وبالنسبة لي هو حالة الشوق الحار المندفع الذي لا يقاوم، يمكنك أن تسميها الشوق إلى الكتابة أو الحبّ أو الاتحاد تجعلني هذه الحالة أحسّ بأني أحب العالم كلّه". (مجلة "الهلال" أغسطس 1991).
بهذا كله كانت الكتابة عنده "توهجا وحضورا آنيا ومعاناة، وهي تولد في لحظة صدامية مع الواقع وتستهدف تغييره إلى الأرقى والأكثر حرية وتقدما، وليست قضية روتينية يومية. ولذلك فأنت تجد أن معظم أعمالي وقصصي قصيرة ونادرا ما أكتب رواية لأنها تحتاج إلى وقت وصبر وزمن ونفس طويل وكتابة يومية". (من حوار مع يوسف إدريس ورد في كتاب "حوار مع هؤلاء لعبد الرحمن أبو عوف" الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة،1990).
وهكذا أيضا اقترنت الكتابة في مسيرته بمنعرجاتها وهبوطها وصعودها بالتجريب بحثا عن الأشكال المناسبة دون أن تفقد أساس كونها معاناة مدخلها الرغبة وأفقها الخبرة: "طريقي الأساسي في ممارسة الكتابة اتخذ في البداية شكل نوبات عانيت منها؛ فقد جرّبت الشعر، وكتبت القصة القصيرة في وقت شعرت فيه أن معظم من أقرأ لهم من كتّاب القصّة القصيرة لم يعد يقنعني؛ كنت أبحث عن المصرية في شكل القصّة القصيرة فكتبتها بهدف البحث، وما زلت أكتبها بنفس الهدف حتى الآن غير أني أعترف بأنني أحقّق وجودي في المسرح".
لا شكّ في أن يوسف إدريس سيظل علامة من علامات أدبنا العربي المعاصر في مجالي القصّ بأنواعه والمسرح. سيظل اسما من الأسماء التي ينتقشها التاريخ الأدبي جنبا إلى جنب مع عمالقة الأدب. ولا شكّ في أن الحكم على تجربته ومواقفه من الكتابة والثقافة والسياسة حكما موضوعيا لا يتأتى إلاّ في سياق ما يبديه الكاتب من مواقف وما تحف بهذه المواقف من عوامل ذاتية وموضوعية.
وحاصل القول إنّ ما تبقّى من يوسف إدريس إنّما أسّسه المبدعون وحملة القلم قبله وبعده: أجيال تتلاحق وتتعانق، تمحو وتؤسس وتنجز، تتّصل وتنفصل، دون أن تغطي شجرة ما غابة كثيفة من الخلق والإبداع. تلك هي سنّة الكتابة على مرّ التاريخ لا يبقى منها إلا ما هو وليد معاناة ومخاضات ووضع وولادة. لعلّنا نقول مع أديبنا الوجودي محمود المسعدي "الأدب مأساة أو لا يكون".