نهايات وبدايات .. جدل الفرد والجماعة

21/08/2016 - 1:00:21

فاروق عبد القادر - كاتب مصرى

انطفأ نور يوسف إدريس بعد أن ظلت ذبالته تتأرجح أمام رياح الموت الباردة أياما طويلة وليالى..
رحل يوسف إدريس بعد أن ملأ الدنيا وشغل الناس. وكأنما شاءت رغبته الطاغية فى أن يبقى “نجماً” يدور الحديث عنه ولا ينقطع، أن تطيل أيام غيبوبته (مايو - أغسطس 1991) ، وكانت المفارقة أن يبقى حديث الناس دائرا عنه، وهو لا يعى!
ترى : ماذا رأى يوسف فى غيبوبته الطويلة ؟
هل رأى حياته الممتلئة الصاخبة: طفلاً يسعى إلى المدرسة الابتدائية فى “فاقوس” ثم صبيا ينتقل بين المدارس الثانوية فى مدن الدلتا: دمياط والزقازيق والمنصورة وطنطا، ثم شابا يأتى إلى القاهرة، يدرس الطب فى جامعتها ، ويغوص فى حياة جيله الموار بالثأر والثورة؟
هل رأى آلاف الصفحات تنقل للقارئين حروفه وكلماته أكثر من أربعين سنه متوالية (1950 - 1991) ، وصفحة بعد الأخرى يزهو اسمه ويتألق، ويرتبط برؤية جديدة شابة للأدب والحياة؟
هل رأى جدران السجن تطبق عليه، بعد أن أصدر مجموعته الأولى التى تفجرت فى الحياة الأدبية والثقافية، وبدأ تحققه الفعلى ليبقى أكثر من سنة، ثم يطلق سراحه نتيجة مناورة، ذات طابع سياسى، يقوم بها العسكر؟
هل رأى صعوده فى ظل النظام المنتصر ليبقى وجها من أنضر وجوه الثقافة المصرية العربية المعاصرة، ومثالاً نموذجياً للكاتب الذى يلتزم مواقف فكرية صحيحة ومتقدمة، لكنه - فى أعماله الإبداعية - لا يرفع صوته بالصخب أو الدعاوى الفجــة أو الشعارات الخاوية؟
هل رأى تحوله التدريجى - خطوة صغيرة بعد خطوة صغيرة - ليصبح واحدا من “الصفوة” فى العاصمة، و “نجماً” ساطعاً فى سمائها ، ومن ثم فقد تبنى مسلك هذه “الصفوة” وأسلوب حياتها، وجاراها حتى فى نزواتها وتبذلها؟
هل رأى حياته هذه السنوات العشرين الأخيرة، وقد تفتت الفن بين يديه، وازداد شهرة وبريقا ، وتتالت “مفكراته” الأسبوعية على صفحات الأهرام”، وتكثف حضوره فى مختلف وسائل الإعلان، وتبدلت أفكار له ومواقف، وبدأت بعض مواقفه تلقى النقد والرفض من جيل أحبه واعتز به، وبدأت أقلام تهاجمه هنا وهناك، هو الذى لم يألف أن يقرأ سوى المديح والإطراء؟
هل رأى كيف اتسع عالمه وضاقت رؤيته، حتى لم يعد يرى حوله - أنى قلب وجهه- سوى يوسف إدريس؟
ترى: ماذا رأى يوسف فى غيبوبته الطويلة؟
•••
أجمع أصحاب الدراسات الجادة التى كتبت عن يوسف إدريس - كذلك أصدقاؤه والعارفون به - على أنه كان - فى حديثه عن نفسه وعن الآخرين - يمزج الصدق بالكذب ، الواقع بالتخيل، ما حدث بما كان يتمنى أن يحدث (بكلمات ناجى نجيب: “وليس من النادر أن تفتقد الفاصل بين الواقع والخيال فى تمثل إدريس للأشياء، وأيضاً فى مراجعاته للماضى، فهو يجنح أحياناً فى أحاديثه إلى إضفاء ذلك البعد الأسطورى القصصى الذى يرى منه الأشياء (..) ومن ثم اختلفت البيانات التى يوردها الدارسون، دون مراجعة، نقلا عنه”، (الحلم والحياة فى صحبة يوسف إدريس” القاهرة ، 1985، ص 21)، من هنا تبقى أعماله الإبداعية وحدها هى الدالة عليه، المعبرة تماما عن رؤاه ومواقفه، ومن هنا أيضاً يفقد الكم الأكبر من “مقالاته” و “مفكراته” و “أحاديثه” أهميته، وتتحدد قيمته - فقط - كمؤشرات ذات دلالات مشكوك فى صدقها أو صحتها!
خذ مثالاً يكشف الاختلاف بين ما يدل عليه عمله الإبداعى، من ناحية، ومقالاته التى تعبر عن حساباته ومصالحه أكثر مما تعبر عن اقتناعاته الداخلية الحقيقية، من الناحية الأخرى، هو موقفه من السنوات الأخيرة فى حكم عبد الناصر بعد 1967، إن قصصاً مثل “الخدعة” و “الرحلة” و “العملية الكبرى” و “حامل الكراسى”، لا يمكن فهمها إلا فى ضوء أنها صرخات احتجاج ضد تسلط هذا النظام وصاحبه، وقهره للناس، واستبداده، وتفرده باتخاذ القرارات الخطيرة التى يمكن أن تؤدى بالسيدة صاحبة “العملية الكبرى” إلى النزف حتى الموت، هذا من ناحية، من الناحية الأخرى كتب يوسف إدريس عقب رحيل عبد الناصر مباشرة فى “الأهرام” يناجى الراحل: “يا أبانا الذى فى الأرض - يا صدرنا الكبير الحنون” ، ويقول : “أصبحت الدنيا لأول مرة بلا عبد الناصر، ونحن لم نتعود أبداً أن نتنفس هواء لا يتنفسه هو ، ولا أن ننام إلا ونحن نحس أنه هناك فى كوبرى القبة، ولا أن نستقبل الصباح إلا على صورة له وابتسامة” .. إلخ.
بعبارة أخرى: إن مقالات يوسف إدريس- التى جمعها فى كتبه: “بصراحة غير مطلقة” ، “اكتشاف قارة” “جبرتى الستينيات”، “شاهد عصره”، “من مفكرة يوسف إدريس (1)، (2)” ، “أهمية أن نتثقف يا ناس”، “فقر الفكر” ، “انطباعات مستفزة”.. إلخ - لا تثبت لنقاش جاد، فهى - فى معظمها - تعبير عن رؤية شديدة الخصوصية للواقع ومشاكله ، لا تبالى - فى سبيل إثبات صحتها - .. أن تنفى اليوم ما أكدته بالأمس، أو أن تصيب صاحبها “نساوة” تجعله يمضى إلى نقض ما سبق له إثباته، كما أن كل قضية يعرض لها - مهما كان ثقلها الموضوعى فى الواقع - هى عنده “قضية حياة أو موت”، لا أقل !
ويبقى استنطاق أعماله الإبداعية، وحدها ، هو العمل الوحيد المجدى، فهذه الأعمال ذاتها هى “كل” ما بقى لنا منه.
•••
فى 65/1966 حدثت فى حياة يوسف تجربة أعتقد أنها مهمة فى الكشف عن أشياء كثيرة، فى ذاته وفيما حوله: تلك هى تجربة جائزة مجلة “حوار”، والتى يذكر تفاصيلها كل من عاش تلك المرحلة، وهى كثيرة، لكن المؤكد أن يوسف قد حوصر حتى أرغم على رفض الجائزة التى سبق أن أعلن قبوله لها، ونشرت المجلة حوارا طويلا معه لمناسبة هذا الفوز (أجراه مراسلها فى القاهرة : غالى شكرى) ، وحين هبت أقلام وطنية وقومية تفضح المجلة ومصادر تمويلها (“المنظمة العالمية لحرية الثقافة” التى ثبت أنها تمول من حلف الأطلنطى) أحس يوسف بالحصار، وأنه مهدد بفقد كثير من أرضه التى ربحها خلال تلك السنوات، فأعلن رفضه لها (لا تنس أننا كنا آنذاك فى ذروة المد القومى، والعداء للولايات المتحدة، قبل قاصمة الظهر فى 1967).
الواقعة الثابتة الآن - رواها يوسف وكتبها كثيرون ممن عرفوا بها فى حينها - أنه استدعى إلى مكتب عبد الناصر، حيث أبلغه سامى شرف تقدير الرئيس لموقفه، وسلمه مظروفا يحوى قيمة الجائزة (كانت الجائزة عشرة آلاف ليرة لبنانية، وتسلم يوسف ألفين وخمسمائة جنيه مصرى، وكان هذا المبلغ يعنى آنذاك ثروة صغيرة) ، وحين حاول يوسف أن يقول شيئاً حول الموضوع أفهمه المسئول الخطير أن مراجعة “الريس” فى هذا الأمر ستغضبه ، وأنه لا يجرؤ عليها !
ترى “ ماذا دار بفكر يوسف إدريس حول هذه الواقعة ودلالاتها؟ وما الذى استخلصه منها؟
لست أعرف الجواب، لكننى أعرف أن هذه كانت المرة الأولى التى يعرف فيها يوسف “عطايا الرؤساء” لكنها - أبداً - لم تكن الأخيرة .
•••
حين بدأ يوسف احتضاره الطويل، كتبت عن وجهه المضىء (“من أوراق الرفض والقبول”، القاهرة ، 92، ص 109) ، ووجدت نفسى - دون تعمد - أقف عند أول السبعينيات، لا أتجاوزها، عندها جف نبع الإبداع أو كاد.، وأعماله التى نشرها خلال العقدين الأخيرين من حياته، واهية الصلة بأعماله التى نشرها خلال العقدين السابقين عليهما (فى القصة القصيرة، فنه بامتياز، أصدر ثلاث مجموعات محدودة القيمة، وفى الرواية شيئاً متعثراً هو “نيويورك 80” وفى المسرحية لم يقدم سوى “البهلوان”) . وواكب هذا تدفق فى مجموعات مقالاته التى سبقت الإشارة إليها.
ويوسف كان صاحب علاقة قديمة ووثيقة بالسادت، - كتب يوسف - باسم السادات - كتبا ومقالات، وأدى له خدمات ذات طابع سياسى، نمت علاقتهما فى صحيفة “الجمهورية” ثم “المؤتمر الإسلامى” وقد حمته هذه العلاقة من التعرض لبطشه، وكان يوسف - من جانبه - ذكيا وحذرا فى “مفكراته” يعرف “الخطوط الحمراء” فلا يتجاوزها، ويعرف كيف يمكن أن ينقد دون أن يخدش أو يستفز، وقد خاض يوسف - خلال هذين العقدين - عددا من المعارك ، وبطبيعة الحال كان على صواب فى بعضها، ولم يكن كذلك فى بعضها الآخر،و كان يجاهد كى يخفى التمزق الداخلى العنيف بين ما “يريد” أن يكتبه، وما “يستطيع” أن يكتبه لذا طاشت معظم سهامه فى تلك المعارك ، وأرغم على التراجع فى بعضها، أما حين تخطى الحدود الحمراء فى مقالات “البحث عن السادات” فى 1983 ، أقامت له صحافة النظام محاكمة رهيبة، ولقى هجوما رسميا شديدا (شارك فيه الرئيس نفسه، فتحدث عنه دون أن يذكر أسمه، لكنه أسماه “الزبون”!) ومنع “الأهرام” - ويوسف من كتابه الكبار - نشر ردوده على تلك الحملة، فنشر فى أسبوعية “الأحرار” خطابا موجها للرئيس عنوانه دال عليه : “أشكو إليك منك” !
ومرة أخيرة، عرف يوسف معنى أن يتخطى الخطوط الحمراء، فلم يعد إليها.
لكن الأمر المثير للدهشة فى مسلك يوسف خلال هذه السنوات الأخيرة كان تبدل موقفه من جيل القاصين التالين له، فى الخمسينيات والستينيات كان يوسف يحتفى بالقاصين الجدد، يقرأ أعمالهم ويحدثم عنها ويسعى لنشرها كمسئول عن القصة فى “روزاليوسف” و “الكاتب” وسواهما، وقد لا ينسى هذا الجيل ترحيب يوسف إدريس الحار بالقصة الأولى التى نشرها ليحيى الطاهر عبدالله فى “الكاتب” ، ورواية صنع الله إبراهيم الأولى “تلك الرائحة” التى كتب مقدمة لها، كما قدم عدداً كبيراً ممن أصبحوا أهم قصاصى هذا الجيل، أما فى هذه السنوات الأخيرة. فقد هاجم يوسف هذا الجيل ذاته بضراوة واتهمه بأنه يريد القضاء على يوسف إدريس!
وليس لهذا من تفسير عندى سوى نضوب نبع الإبداع، الذى جعله لا يطيق وجود مبدعين آخرين، لهذا السبب ذاته صدرت عنه آراء ومواقف طائشة تجاه فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل فى 1988 .
ومثل هذا كثير.
•••
قلت أن استنطاق أعماله الإبداعية وحدها هو ما يبقى لنا، ولا شك أن إنجازه الحقيقى هو فى ميدان القصة القصيرة، لا الرواية ولا المسرحية، لنبدأ رحلتنا بأشهى ثماره، وقبل أن نبدأ يحسن أن نثبت ملاحظة قد تفيد قارئيه ودارسيه: أصدر يوسف ثلاث عشرة مجموعة قصصية، الأولى هى “أرخص ليالى” فى 1954 (21 قصة) ، والأخيرة هى “العتب على النظر” فى 1987 (6 قصص) ، وفيما بينهما: “جمهورية فرحات” 56 (3 قصص ورواية “قصة حب”) ، “أليس كذلك؟” 57 (15 قصة)، حادثة شرف” 58 (7 قصص) ، “آخر الدنيا” 61 (8 قصص)، “العسكرى الأسود” ، 62 (5 قصص) ، “لغة الآى آى” 65 (12 قصة) . “النداهة” 69 (8 قصص)، “بيت من لحم” 72 (12 قصة)، “أنا سلطان قانون الوجود” 80 (8 قصص، إحداها مكررة فى مجموعته الأخيرة) “أقتلها” 82 (7 قصص).
لكن يوسف دأب - فى السنوات الأخيرة - على أن يعطى أكثر من ناشر حق طبع “أعماله الكاملة” ، ولم تكتمل هذه الأعمال أبدا عند أى منهم، لكن تعدد الطبعات قد أدى لخلق بعض الصعوبة فى جمع أعماله على وجه الحصر، وأضرب أمثله قليلة: إن مجموعته “أليس كذلك؟” قد انقسمت مجموعتين : الأولى بذات العنوان.، والثانية بعنوان “قاع المدينة” (ولهذا ا ء طبعة أخرى تحمل عنوان “ليلة صيف”) ، أما مجموعة.
“العسكرى الأسود”فقد رفع منها القصة التى تحمل ذات العنوان ليجعلها رواية مستقلة، ورفع منها كذلك قصة “السيدة فيينا” ليضمها مع روايته الأخيرة “نيويورك 80” فى مجلد واحد، ومجموعة “البطل” لم تصدر لها طبعة ثانية بعد طبعتها الأولى، بل تفرقت قصصها القليلة على أكثر من مجموعة.. كان يوسف لا يجد حرجا فى أن يرفع بعض القصص عن هذه المجموعة ليضمها إلى تلك، دون نظر للاختلاف الواضح بين هذه وتلك (فى مجموعة “اقتلها” الصادرة فى 1982 يضع يوسف قصتى “صح” و”البطل” اللتين تنتميان لمجموعة صادرة فى 1957).
وهكذا، لا سبيل أمام الدارس الذى يريد التعرف إلى عالم يوسف إدريس كله سوى إحدى اثنتين: اللجوء للطبعات الأولى من أعماله فهى الأكثر صدقا وتحديدا، أو الانتظار حتى صدور “الأعمال الكاملة” عن أى من ناشريها الكثيرين!
•••
وتميز يوسف إدريس فى فن القصة القصيرة له أسبابه الموضوعية وبواعثه الذاتية كذلك، فحين نشر قصته الأولى “أنشودة الغرباء” فى 1950 - لم يضمها لأى من مجموعاته - كان نجوم القصة القصيرة هم محمود كامل وإبراهيم الوردانى ومحمود البدوى وسعد مكاوى وأمين يوسف غراب وسواهم (أما يحيى حقى - هذا الرائد العظيم - فقد كان كعادته متواريا “فى الظل”، وكان ابتعاده الدائم عن القاهرة سببا آخر لحضوره المحدود)، وكانت قصصهم - فى معظمها - ذات طابع رومانسى شاحب، تدور حول “عذاب المحبين” أو تحكى حكاية ذات أحداث غربية، لاتخلو من مفاجأة يخفيها الكاتب وراء ظهره حتى اللحظة الأخيرة، وكثير منها يدور فى أرض غريبة، أو داخل القصور والفيلات فى أحياء القاهرة الجميلة، وأبطالها دائما من الطبقة العليا فى المجتمع، أو التى تليها فى السلم الاجتماعى، أعنى الشرائح الكبرى من الطبقة الوسطى.، وهى مكتوبة - على الأغلب - بلغة فصحى تلتزم قواعد البلاغة التقليدية السائدة، ويدفعها طابعها الرومانسى إلى المبالغة فى تصوير المشاعر والمواقف، مبالغة تنأى بأبطالها عن أن يرى القارئ فيهم أناسا يعرفهم، أو مشاعر يمكن له - ولسواه من “صغار الناس” - أن يمارسها.
ولم ير يوسف فى هذا كله إلا اقتباسات يقوم بها هواة عن مادة أدب أجنبى، أو بتعبيره هو : “إن الشخصيات وطريقة القص، وموضوع القصة، كانت كلها مختلفة عن الحياة الواقعية اختلافا كاملا” وأخذ يوسف على عاتقه - هو الطموح الذى لايقف فى وجه طموحه شىء أو أحد - مهمة ثقيلة هى أن يقدم “القصة المصرية الخالصة” وحين بدأ نشر قصصه فى “المصرى”- أوسع الصحف المصرية انتشارا آنذاك - لفتت قصصه الأنظار، من حيث اختلاف أبطالها وأسلوب صياغتها جميعا، أما حين صدرت مجموعته الأولى فى 1954- وهى لم تضم كل القصص التى نشرها خلال تلك السنوات الأربع - فقد كانت حدثا تفجر فى الحياة الأدبية، وبدا أن يوسف قد حقق قدرا عظيما من مهمته الثقيلة، وأنجز بعض مشروعه الطموح.
من ناحية ثانية، فلا شك فى أن التكوين الشخصى ليوسف - القلق الساخط المتمرد المتململ المندفع إلى الفعل، غير القابل للتكيف أو المواءمة أو التوصل لأنصاف الحلول وأنصاف الأفكار والمواقف، الذى ما أن يقتنع بشىءحتى يحمله على عاتقه، ويمضى يبشر به ويخوض المعارك فى سبيله مؤمناً - أعمق الإيمان - بأنه “قضية حياة أو موت” لكن قلقه يدفعه لإعادة النظر فى إيمانه هذا، وقد تؤدى به إعادة النظر تلك للتخلى عنه، ليحل محله -على الفور - إيمان جديد، يحمله ويمضى به من جديد، عند يوسف: التوقف موت، والحركة بركة، ولحظة الإبداع مراوغة شموس، ما أن تقبض عليها - بنصف وضوح حتى ! - حتى تسارع إلى تقييدها فى حروف وكلمات، وأفضل أعماله - فى نظره - هى التى كتبها فى “حالة هاجس أو انتشاء، وفى جلسة واحدة”.
أقول إن هذا التكوين الشخصى المتفرد وراء امتيازه فى فن القصة القصيرة: هى فن اقتناص اللحظة، الخاطرة، الصورة، فن طيع لأقصى حدود الطواعية، منوع لا حد لتنوعه ولا ضفاف، وقد أفاد يوسف من هذا كله، فما أرحب العالم الذى تنفتح عليه قصصه، وما أشد ثرائه وخصوبته وتنوعه!
هذا التكوين ذاته قد لايتيح له العكوف على عمل كبير واحد، رسم خطته مسبقا، وهو ينفذها جزءا صغيرا بعد جزء صغير، بعبارة أخرى: أنه ليس معماريا، ولا صانعا حاذقا، قدر ما هو موهوب عظيم الموهبة، وهب عينا لاقطة وذاكرة واعية، وقدرة هائلة على انتقاء التفاصيل، وحسا رائقا بالفكاهة (الصافية فى أعماله الأولى، المريرة فى الأخيرة)، وجرأة على اللغة وكليشيهاتها المستخدمة، وتطويرا خصبا للعامية: ألفاظا وتعبيرات وصيغا وصورا.
من هنا بقى ما أنجزه يوسف فى القصة القصيرة أكثر وضوحا وبقاء وتأثيرا مما أنجزه فى فن الرواية، ولعل أفضل ما فى هذا الأخير لوحات أو مشاهد أو تحليلات لمشاعر ومواقف، يمكن أن تستقل، وحدها، عن البناء - غير المحكم- للعمل الروائى.
أما المسرح وحديثه فأمر آخر.
•••
حفلت قصص يوسف إدريس بحشد هائل من الأبطال الذين دخلوا إلى التعبير الأدبى فى القصة المصرية للمرة الأولى، حشد هائل من الفلاحين الفقراء والعاملين العاطلين والعاملين الهامشيين وعمال التراحيل والموظفين الصغار وشيوخ القرى وأبناء الليل ومالكى الفدان أو أقل، والذين لايملكون إلا عافيتهم وفؤوسهم، مرضى الأجساد والعقول فى البيوت الطينية أو على أسرة المستشفيات، أطفال وصبية ومراهقين فى المدارس والحقول وأماكن العمل وشوارع المدينة، نساء فى البيوت ونساء بلا بيوت، مساجين وعسكر داخل الأسوار العالية التى تعزل الجميع عن الحياة فيجعلون لأنفسهم حياة أخرى بديلة، وفى أعماله الأخيرة أضيف لهؤلاء جميعا أبطال آخرون: أساتذة فى الجامعة وأطباء كبار ومسئولون بين أيديهم الحل والعقد.
وتأخذ معظم القصص - لنقل أفضل النماذج - شكلا بنائيا متقاربا: يبدأ الكاتب من نقطة، ويدور دورة كاملة حتى يعود إليها، وقد اغتنى الموقف القصصى بكل التفاصيل المنتقاة والمتراكمة. إنه لايترك هذه النقطة، أو يتجاوزها امتدادا أو يحلق فوقها، لكنه يوالى الحفر فيها حتى يصل أعماق اللحظة النفسية المشتبكة بجذور الشخصية، بمبرر وجودها ذاته، من ناحية، ودلالة واقع اجتماعى يشملها ويحدد لها استجاباتها وردود أفعالها، وعلاقاتها بالآخرين، من الناحية الثانية.
وتنتظم قصص يوسف إدريس فى منظومات رئيسة كبرى، وأخرى ثانوية أصغر، ولعل أهم المنظومات الأولى تلك التى تتمثل فى علاقة الفرد بالجماعة، والعلاقة بالمرأة والجنس، ثم تحولات الواقع السياسى - الاجتماعى ودلالاتها.
•••
وقد تميز يوسف بقدرته على تصوير الجماعة، فى حركتها التى تتجاوز حركة الأفراد، تشملها وتحتويها، لكنها تكاد تكتسب منطقها “الجماعى” الخاص، والفرد واحد منها، وفى ضوء العلاقة القائمة بين الطرفين ينبثق معنى البطولة وتتحدد معالمه، وعدد من قصص مجموعاته الأولى - بوجه خاص - يعرض لهذه العلاقة، ويقلب البللورة على وجوهها المتعددة.
فى قصة من قصصه الأولى (لها عنوانان مختلفان : “المثلث الرمادى” و “الرأس”) يصوغ يوسف - على نحو لايخلو من القصد والمباشرة - العلاقة بين القائد والجماعة: صبى يعابث قافلة من الأسماك الصغيرة، تسير فى ماء المصرف ظهيرة يوم قائظ، يلقى فتات الخبز أمام رأس المثلث، السمكة التى تقود القافلة، فتتجاهلها مرة ومرة، لكنها حين تقرر أخيرا أن تنحرف عن طريقها لتلتقط الفتات، يضطرب المثلث.. “لكنه اضطراب قليل “تحركت القافلة برهة بغير السمكة التى فى المقدمة، لكنها بعد مسافة قصيرة توقفت، ومضت عشرات آلاف زعانفها الصغيرة تلمع فى الماء الصافى بينما طوابير السمك لاتتحرك، غير أن هذا لم يدم إلا برهة خاطفة، إذ سرعان ما وجدت سمكة من الصف الثانى تندفع وتصبح فى المقدمة، ثم تتبعها بقية الصفوف، ولم تلبث القافلة أن عادت لسيرها المتحمس”.
ورغم كل محاولات مالك الأرض أن يحكم بناء السور الذى يحيط أرض السوق، إلا أن فلاحى القرى الشرقية لم يعدموا ثغرة توصلهم لقلب السوق بدل أن يلفوا حوله كله، وبقى الأمر كما هو رغم كل المحاولات.. وأنت “إذا وقفت فى الصباح الباكر من أى سبت فسوف تجد المشاية تحفل بالطابور الذى لاتعرف كيف يبدأ، ولكنك تراه ينتهى فى السوق من خلال السور، ودائما ستجد هناك حديدة مكسورة..” (الطابور)، وقد كان فى القرية شجرة “طرفة” يتبرك بها “الناس”، فيستخدمون قطرات من أوراقها لعلاج عيونهم، حاول الطلبة المتعلمون فى القرية إثناءهم عنها فلم يفلحوا، ثم تبين لهم أن خبرة الجماعة على حق، وأن بأوراقها، فعلا، ما يمكن أن يشفى العيون، تقبل “الناس” كلامهم بفتور، ثم مرت أعوام كثيرة فقدت فيها الشجرة قداستها ووظيفتها، واقتنع الناس أن “القطرة انضف”. فى تلك المواجهة بين القديم والجديد، بين خبرة الجماعة المتراكمة وآراء بعض أفرادها المتمردين عليها، يأتى التطور الحتمى على مهل، دون إكراه أو إرغام، فى خطوة الوئيد الواثق.
على أن العلاقة بين الجماعة: وأفرادها تتخذ فى الأعمال التالية صيغا وأشكالا أكثر تعقيدا وأقل مباشرة ولكنها - جميعا - تثبت القاعدة الإنسانية الصحيحة: الدفء والتحقق فى الانتماء، والبرودة والخواء فى الانسلاخ والتخلى. وثمة أفراد تمثلوا أصفى قيم الجماعة، وتخلوا عن الانحصار داخل ذواتهم الضيقة ومصالحهم المحدودة، وقدموا للجماعة أفضل ما عندهم، فكافأتهم الجماعة على صنيعهم، وأنزلتهم من قلبها أعز مكان : هذا “عوف” “فى الليل” هو التميمة القادرة على فتح أفواه رفاقه وإطلاق ضحكاتهم، بعد أن سمرها عمل مرهق طول النهار، “وما كان أحد يستطيع أن يزعل من عوف أو يتأثر من كلامه، كانوا كلهم قد أجمعوا على حبه، رغم أنه كان أفقر رجل فى القرية، ورغم أن حياتهم كانت جدباءصعبة لايستطيع الحب أن يجد مكانا فيها”.
وهذا عم حسن “صاحب مصر”، اختار لنفسه مهنته : “أن يخدم الناس حيث لايتوقع للناس خدمة، فهو لا بلد له ولا بيت، موطنه الدائم يوجد حيث يوجد بيته، وبيته يوجد حيث يوجد عمله، وعمله يوجد حيث يرى أن حاجة الناس إليه أقوى وأشد”، صحيح أن هناك من يأتى ليوقع به العقاب ويأمره بالرحيل، لكن هذا أمر عارض، والحقيقة الباقية هى أنه اعتبر المصريين كلهم أهله، وهكذا.. “وبمنتهى الجرأة والألفة والبساطة ألقى نفسه فى وسطهم، فى البحر الضخم الهائل الذى يكون ملايينهم، ومن الواضح تماما أنه لم يغرق، وأن الأيدى رفعته، ولازالت ترفعه وتتداوله، ومن المكان إلى المكان يلقى بنفسه إلى يد ترفعه بحنان ورفق لتضعه حيث يحدد، أو لتسلمه إلى يد جديدة إذا أراد”.
ثم هذا “أحمد العقلة” أو “أحمد المجلس البلدى”.. يقدم لجميع الناس جميع الخدمات، ولا يطيق رؤية الأعوج دون أن يصلحه، ورغم أنه بساق واحدة، إلا أنك أنى تذهب كنت تلقاه.. “نجارا تلقاه، حلاقا تلقاه، تاجرا فى مخلفات الجيش تلقاه، ثم هو بعد هذا يجيد شغل الآلاتية وكى الناس للشفاء من الأمراض وجس البهائم العشر والقيام بأعمال الأبونيه* وتعهدات فرق المزيكا والرقص، وإصلاح الكلوبات والبوابير فى الأفراح، وحتى فى :تلتيم الموتى تلقاه”.. وحين استطاع الحصول على ساق صناعية، بعد مغامرات له وأهوال، وجد أن ساقه الجديدة تلك ستلزمه سلوكا لايستطيعه، فقرر التخلص منها والرجوع لحضن الجماعة.
لكن هناك أيضا من ينسلخ عن الجماعة ويتخلى عنها، مصعدا فى طريقه الفردى، وتلك المواجهة الفريدة فى “لغة الآى آى” بين “الدكتور الحديدى”، واحد من صفوة الصفوة فى العاصمة، ورفيق طفولته المتفوق “فهمى” الذى حوله الفقر وسرطان المثانة إلى كائن مثنى على نفسه يطلق صرخات ألم تتحول لهمهمات غير إنسانية بالمرة. فى ضوء الألم الساحق والأعماق المحترقة يواجه الحديدى ماضيه وحاضره جميعا، ويقارن حياته بحياة فهمى : فهمى قد عانى من الفقر والبؤس لكنه كان لائذا بحضن الجماعة “يعمل مع الرجال ويضحكون سويا، ويتشاورون فى مشاكل العمل ويستمتعون بمشوارهم إلى السوق .. (..) بهذه الأشياء الصغيرة المتناثرة فى طريق حياتهم يمتلئ كل منهم بإحساس يومى متجدد أنه حى، وأن الحياة، مهما صعبت، حلوة”.. أما هو حين ينظر وراءه فهو يرى شاشة حياة “مليئة بالصلات المقطوعة، بالصداقات المبتورة، بأجزاء العلاقات، بقيم على الطريق مهدرة، بإنسان لايريد أن يرتبط بأحد حتى لايعطله الارتباط، ولا أن ينتمى لجماعة أو حتى لصديق، لأن فى الانتماء فقدانا لذاته الحرة وكيانه، والنتيجة جرى سريع إلى قمة الوصول هو فى الحقيقة هرب سريع من الحياة”.. والنتيجة أنه ميت حى، أكثر من فهمى الذى يعرف يقينا أن المرض الضارى الذى افترسه لن يبقيه سوى أيام.
ولئن كنا اليوم نرى فى النهاية التى تنتهى إليها هذه المواجهة الفريدة (الحديدى يحمل فهمى على كتفيه ويغادر الحى الراقى معلنا أنه : “رايح فى طريق تانى صعب شديد”.. )نهاية تعبر عن تفاؤل ساذج، أو تتضمن رشوة صغيرة للقارئ، أو غارقة فى عاطفية مفرطة، فقد لايجب أن ننسى أن منتصف الستينيات لم تكن قد شهدت بعد، تحطم الحلم “بالاشتراكية” وتناثره شظايا.
غير أن يوسف لايقع فى أسر التبسيط السهل، فيرى الجماعة دائما على حق، هى أحيانا تكون متواطئة، أو تتفجر أحشاؤها بعدوان طاغ ضد هذا الفرد أو ذاك من أفرادها : فى “حادثة شرف” تسقط الجماعة تصورها على الأنثى الجميلة المحبوبة فيها، ومن أجل أن ترغمها على قبول هذا التصور تفقدها ماهى جميلة محبوبة به، فتحملق العيون الجاحظة فى أخص خصوصياتها، وتستجيب الفتاة لهذا الظلم الواقع عليها - دون ذنب جنته سوى أنها جميلة مشتهاة - فتتخلى عن خجلها الفطرى، وتواجه الجميع “بعيون مشرعة حلوة، لاتنخفض ولا تخجل”.
أما فى “الأورطى” فإن الجماعة تمضى خطوة أبعد، فتمارس أبشع ألوان العدوان على فرد منها، حتى تعريه تماما دون رحمة، بل بنشوة واستمتاع، ولئن بدا عرى الضحية بشعا فإن عرى الجلاد أبشع، لكنك لاتستطيع أن تبرئ “عبده” تماما، فلاشك فى أن ذلته، وخضوعه لهذه المذلة هى ما هيأته - بامتياز - ليكون الضحية.. “فقد كان نحيفا غلبانا، ما حفلت عيناه مرة بنظرة تحد، ولا واجه أحدا مرة بنية إثبات الوجود أو الدفاع عنه (..) وإذا فاض به الحال بكى، كالأطفال أو النساء يبكى، بكاء لا ليونة أو طفولة فيه ولايستدر العطف، إنما الكارثة أنه بكاء رجال يستدر الاشمزاز”.. كذلك تعمد الجماعة إلى القتل حين تشك - مجرد الشك - فى أن هذا الأصم الأبكم الذى لم يكونوا يأبهون بحضوره، حتى عرف أسرارهم جميعا وفعالهم، إنما هو يسمع ويتكلم، وهو ، من ثم، قادر على خلخلة أمن الجماعة القائم على إخفاء الأسرار وإقامة الأسوار (الشيخ شيخة)، وفى “بيت من لحم”يتحقق التواطؤ بين أفراد الجماعة الصغيرة، تواطؤ صامت يحقق رغبات الجميع، ويقوم أمامه جدار الصمت لايقوى أحد على اختراقه، لأن الكل راض عنه، مستفيد من قيامه، فمن ورائه فقط يتحقق للأرملة وبناتها الثلاث نصيب من متعة الجسد وفرحة الحياة. أما الدكتور عويس بطل “سنوبزم” فإن حكايته حكاية، ولعله لايزال مندهشا من “إجرام الجماعة” الذى أصابه وترك آثاره على وجهه وجسده، وهو - كأستاذ جامعى - يصف الظاهرة ويشخصها : “اللعبة تتم فى صمت، ولا أحد يخرج على قواعدها، والقاعدة إنك ما تشفش، وإذا شفت كأنك ما شفتش، وإذا حصل لغيرك مالكش دعوة، وحتى إذا حصل لك أنت ولا كأنه حصل لك”.
وثمة تنويعات أخرى على علاقة الفرد بالجماعة : علاقة تؤدى ببعض الأفراد إلى التمرد على الجماعة، وحمل السلاح فى مواجهتها “يا قاتل يا مقتول”، فيتحول الفرد إلى “قتال قتلى: وابن ليل” (قصة “الغريب” بوجه خاص)، أو قد يتمايز الفرد عن الجماعة ويقودها فى طريق هو طريقها بالذات، طريقها لمواجهة مستعمر أو ظالم (قصتا “سره الباتع” و “الهجانة” بوجه خاص).