يوسف إدريس .. إنجاز مصري إنساني يتجاوز عبدة النصوص

21/08/2016 - 12:59:28

المهزلة الأرضية المهزلة الأرضية

محمود عبد الوهاب - كاتب مصري

يحيى مصطفى طه، بطل رواية يوسف إدريس "البيضاء"، شاب في الخامسة والعشرين قدم من إحدى قرى الدلتا وفي قلبه لعائلته وأهل قريته شعور عميق بالحنين والولاء والامتنان. عاش في قاهرة الأربعينيات طالبا بالجامعة وطبيبا وعضو جماعة تقدمية ومحررا بمجلة تصدرها الجماعة.
أضاءت وعيه الفكري والسياسي الحياة السياسية بالعاصمة: مظاهرات الطلبة وإضرابات العمال ومؤتمرات الأحزاب وصحف المعارضة ومنشوراتها السرية وفرق الكفاح المسلح ضد القاعدة العسكرية الإنجليزية. وأرهفت وجدانه ندوات الأدب وعروض التمثيل والأوبرا والباليه. وأنست روحه لفقراء المدينة في أحيائها الشعبية وفي محيط عمله كطبيب بورش السكك الحديدية.
يتعرف يحيى إلى سانتي اليونانية الجميلة التى تطوعت للعمل بالمجلة إيمانا منها بعدالة القضية المصرية فيبلغ إعجابه بها حد الافتتان، وحين يستقبلها في منزله لإعطائها دروسا في اللغة العربية يتحول إعجابه إلى هوى مشبوب. كان حبها يتغلغل حتى أعماقه وكان يتعذب كي يشعرها بحبه: بالقصائد والخطابات والاعتراف المباشر والاندفاع الحسي.. بالنجوى الحميمة وانفجارات الغضب والدموع، لكن سانتي تظل هناك: الزميلة ورفيقة الدرب الأجنبية البعيدة عن دفء عواطفه وحرارة انفعاله.
كانت علاقته بسانتي ذات الطابع السرى قد دفعته إلى التخلص من مسكنه بالحي الشعبي واختيار مسكن جديد في حي الزمالك حيث الأجانب والمصريين المولعين بتقليد أساليب الحياة الأوروبية، وكانت اجتماعات المجلة قد تحولت إلى دوامات من الجدل العقيم يحاول فيها إقناع زملائه – دون جدوى – بضرورة تعريب المجلة وتمصيرها وإضفاء ملامح الواقع المحلي والوطني عليها.
كان يحيى وسانتي وأفراد الجماعة يعيشون على أرض مصر ويخالطون أفرادا من شعبها لكنهم معزولون عنه وكأنهم جالية أجنبية تستلهم أفكارا أجنبية (هيجل وبول ايلوار وشيلي وبيرون،...إلخ) وتتذوق فنونا أجنبية (رمسي كورساكوف وموزار وبيتهوفن وسيزان.. إلخ) وتتداول فيما بينها شعارات ورموزا ومصطلحات أجنبية.
كان يحيى قد اعتنق فكر الجماعة وانتمى إلى تنظيمها كي يصبح أحد طلائع الكفاح الثوري لتحقيق العدل والحرية والكرامة لجماهير شعبه.. طليعة تقود الجماهير وتعمل معها وبها ومن خلالها. لكن يحيى صار يشعر مع الجماعة ببرد العزلة ووحشة الانفصال عن أبناء الحي وأهل القرية وأفراد الأسرة وجموع الشعب.
كانت سانتي البيضاء الأجنبية وجها ولسانا وثقافة هي الوجه الآخر لجماعة تدعى أنها طليعة ثورية لشعب لا تعرفه ولا يعرفها.
كتب يوسف إدريس في مقدمته القصيرة لهذه الرواية (1955) أنه أراد أن يسجل فيها مرحلة مهمة وخطيرة من عمره وعمر بلاده. وفي تقديري أن "البيضاء" لا توثق فحسب لإحدى تجارب النضال الثوري في مصر الأربعينيات ولكنها توثق أيضا لموقف يوسف إدريس النقدي من فكر وأساليب عمل بعض فصائل اليسار.
كان يوسف إدريس ينأى بعيدا عن بعض فصائل اليسار التى توهمت أنها قادرة بسحر ما اعتنقته من مفاهيم نظرية وإجابات جاهزة ودروس مستخلصة من تجارب ثورية أجنبية معاصرة.. قادرة على إنجاز كل مهام التنظير والتفسير والدعوة والتحريض والحشد والتنظيم بل قادرة على استشراف المستقبل القريب والبعيد.
كتب يوسف إدريس مسرحية "المخططين" ليسخر من الخواء العقلي والروحي لهذا الفريق من الثوار الذين يعبدون النصوص فتعميهم عن رؤية الواقع في خصوصيته وتحولاته، والذين يقمعون قدرات أتباعهم على النقد والإبداع حتى لا يتبقى لهم إلا ذاكرة الببغاوات، والذين يختزلون العالم الموضوعي والإنساني في معادلات صالحة لكل زمان ومكان، والذين يرفعون لافتات تقدمية لكنهم عاجزون عن نقد ما حققوه من إنجازات ومواصلة تطويرها واستشراف الآفاق الجديدة التي تلهمها الكشوف العلمية والتجارب الثورية المعاصرة.
في رواية "البيضاء" ومسرحية "المخططين" كان يوسف إدريس يساريا ينقد بعض فصائل اليسار، ويعترض على أساليبها في الدعوة والدعاية، ويرفض أن يظل معها أسيرا لهوامشها المحدودة المعزولة عن حركة التيارات الوطنية والقومية والاجتماعية الفعالة والمؤثرة في صفوف الجماهير العريضة.
ويظل أحد هموم يوسف إدريس العميقة هو البحث عن كيفية الاقتراب والتواصل والتفاعل مع المكونات الوجدانية لجماهير الأمة: مكونات ترسخت فيها قيم الولاء والطاعة للأب والجد وشيخ القبيلة والحاكم، وتعمقت فيها طقوس الشكوى والضراعة لساكن الضريح في المعبد والكنيسة والمسجد، وتطاولت فيها الأسوار العالية حول الذات الفردية لتكفل لها قليلا من أمان، وتراكمت فيها هالات من قداسة حول عقد الملكية وحقوق الميراث وغشاء البكارة.
كانت حيرة يوسف إدريس وبحثه الدائب عن الشكل المناسب لتجسيد رؤاه الفنية هي حيرة من يدرك بعد المسافة ووعورة الطريق ودقة جراحة الفصل والوصل في عمق عميق من عقل الأمة محصن بالأسوار ومدجج بنصوص التحريم والتجريم.
كان مثل لاعب السيرك في قصته "أنا سلطان قانون الوجود" تجأر قواه الإبداعية مثل مضخة تحاول باستماتة الوصول إلى مياه الجمهور العميقة وسحبها لتصعد إلى مستوى ما يبثه من فكر جديد، آملا أن يحدث التفاعل بينهما فتنمو الدهشة والحيرة وينبثق هاجس الشك في الرواسخ وتتقلقل قيم موروثة تخلفت عن عصور بائدة، وتتخلق ثغرة في حوائط المحرم والمحظور والمكروه والممنوع ربما تكفى ليتسرب منها شعاع من نور العصر.
ويكتب يوسف إدريس القصة والرواية فيستلهم من تراثنا روح الراوي والمسامر والحكيم والشاعر، وتنطلق من إبداعاته القصصية والروائية روح مصرية خالصة تبوح بأسرارها بحرارة وعمق، وتمزج حكمة العقل بدفء العاطفة بمرح الفكاهة، وتوازن بين متطلبات الحكى العفوى وضرورات البناء الفني المحكم.
ويجرب يوسف إدريس القص من موقع الراوي المهيمن على عالمه المحيط بماضيه ومستقبله المفسر لأحداثه والمعلق عليها بالشرح والنقد والتقييم، والقادر على إقناع القارئ بقوة المنطق وذكاء البرهان ووجاهة الحجة.
ويكتب يوسف إدريس المسرحية ذات الفصل الواحد وذات الثلاثة فصول ملتزما بقواعد البناء الفني التى استخلصها النقاد من أفضل النماذج في الأدب الأوروبي، لكنه يتوقف ليتساءل عن جدوى الكتابة من خلال هذا الشكل الأوروبي، وهل يستطيع كاتب ما المساهمة في إحداث تحول في وجدان شعبه بكتابة مضامين مصرية في أشكال أوروبية؟ أليس الشكل في حقيقة الأمر هو ذاته التجربة الفنية بعد أن بلغ تمازج عناصرها وتفاعلها نهاية النمو وتمام الاكتمال ألم تتخلق تلك الأشكال عبر تحورات ألهمتها للكاتب الأوروبي استجابات قرائه، وأثمرتها محاولات بحثه الدائم عن إضافات لما تم إنجازه في وعي الجمهور وحساسية استقباله وقدراته على التذوق؟
الشكل الأوروبي إذن هو ثمرة الثقافة الأوروبية والالتزام بقواعد هذا الشكل يعني الانعزال مرة أخرى عن الجماهير والتحاور مع هامش محدود من مثقفي العاصمة والمدن الكبرى.
ولأن يوسف إدريس كاتب مهموم بالتواصل مع جماهير شعبه فهو يتوقف ليتأمل الأشكال الفنية التى يقبل عليها جمهوره.
ويكتب مجموعة مقالاته عن المسرح العربي ليقدم حصاد تأمله في أشكال من العروض الفنية لا تقدم على خشبة المسرح ذى العمارة الأوروبية والتقاليد الأوروبية في الأداء.. عروض تقدم في الأجران والأسواق وشوادر الموالد.. لا يقدمها ممثلون محترفون ولا ينقسم فيها العرض إلى خشبة عالية ومتفرجين، إذ من قلب الجمهور يخرج الممثلون ليقدموا عرضا حافلا بالفكاهة والطرافة وفنون المحاكاة والسخرية، ويظل ما يقدمه الممثلون مرتكزا على استجابة الجمهور وتعليقاته ومساهماته.
ويكتب يوسف إدريس مسرحية "الفرافير" مستلهما من سامر القرية شخصية الفرفور: ذلك الفلاح البسيط المتميز بالذكاء وخفة الدم وموهبة التعليق الفوري اللاذع، والقدرة على المبالغة المضحكة في تقليد الشخصيات والسخرية من الجميع حتى من نفسه والتجاوز – أحيانا – بالحركة أو الكلمة عما تفرضه تقاليد اللياقة والوقار والاحتشام.
ويتحول الفرفور إلى سفير يحمل إلى جمهور يعرفه ويألفه ويسعد بملاحظاته وسخريته بعض أبعاد رؤية يوسف إدريس الشاملة وبعض تساؤلاته عن مشروعية انقسام البشر إلى سادة وعبيد.. قاهرين ومقهورين، جبابرة ومستضعفين، ويحمل بعض اعتراضاته النقدية على ما استقر في النفوس باعتباره من المسلمات أو من الأمور التي لا ينبغي أن تكون موضوعا للنقاش أو الجدل.
ولأن ما يطمح إليه يوسف إدريس هو المساهمة في نقل وجدان أمة من عصور الأسلاف إلى عصرنا، ولأنه يواجه فكرا وقيما ورؤى تتشربها الأجيال المعاصرة في طفولتها والعقل غض وبكر، ثم تتعهدها المؤسسات الرسمية عبر سنين العمر حتى تمتد جذورها عميقا. لأنه يواجه منهجا في التفكير والاستدلال واستخلاص النتائج ثابتا وراسخا لذا يعمد في مسرحيته "المهزلة الأرضية" إلى خلخلة هذا الثبات بأساليب في العرض تتداخل فيها الأزمنة وتتبدل فيها ملامح الوجه الواحد وتتمزق أواصر الأخوة والبنوة والأمومة، وتتخذ الحكمة طابعا جنونيا، وتصبح الفضيلة الفردية سلوكا اجتماعيا شريرا، ويجلس صفر (الساعي والتومرجي ورمز الجموع الصامتة) – بإرادة الجميع – فوق المنصة العالية ليتولى محاكمة الجميع حاجبا ونائبا عاما وقاضيا.