يوسف إدريس مبدعا مسرحيا

21/08/2016 - 12:58:46

ملك القطن ملك القطن

د. عمرو دوارة - كاتب ومخرج مصري

يوسف إدريس وبالرغم من مكانته المتميزة بعالم القصة القصيرة - والتي استطاع أن يصبح وبإجماع النقاد والمتخصصين أحد روادها وفرسانها المتميزين الذين أسهموا في تطويرها - إلا أنه أيضا أحد كتاب المسرح المتميزين، وأوضح دليل على ذلك أننا لا نستطيع الحديث عن مؤلفي جيل الستينيات الذين أسهموا في تحقيق نهضة المسرح وأثروا بأعمالهم مسيرة المسرح العربي (وفي مقدمتهم: ألفريد فرج، نعمان عاشور، سعد الدين وهبة، ميخائيل رومان، نجيب سرور، عبدالرحمن الشرقاوي، صلاح عبد الصبور) إلا ونتذكر على الفور تلك الإسهامات القيمة لهذا المبدع.
لا يمكن قصر إسهامات يوسف إدريس بمجال المسرح على إبداعاته المسرحية (مسرحياته الثمانية)، حيث تتضمن أيضا بخلاف مجموعة مقالاته النقدية ودراساته التحليلية إضافة مهمة في مجال التنظير، وبالتحديد محاولته الجادة للبحث عن جذور للمسرح المصري، تلك الدراسة التي جاءت بعنوان "نحو البحث عن مسرح مصري". ونظرا لتعدد الدراسات النقدية حول مسرح هذا الأديب الكبير، وتناول جميع مسرحياته بالنقد والتحليل من خلال أقلام نخبة متميزة من كبار النقاد والمسرحيين، ونظرا لضيق المساحة والتي لا تتيح لي فرصة تناول كل مسرحية من مسرحياته الثمانية بالنقد والتحليل سأكتفي في هذا المقال برصد أهم إسهاماته بالتفصيل مع رصد وتوثيق شهادات نقدية مهمة كتبت بأقلام نخبة من كبار الأدباء والنقاد وفي مقدمتهم: د. طه حسين، د. لويس عوض، محمود أمين العالم، د. علي الراعي، رجاء النقاش، صلاح عبد الصبور، فاروق عبد القادر، عبد الفتاح البارودي، د. محمد عناني. حيث يمكن من خلال تلك الشهادات التعرف على مدى تميز وثراء تجربته المسرحية، ومدى استمرار تأثيرها على خريطة الإبداع المسرحي حتى الآن.
1 ـ الإسهامات المسرحية
باستثناء مجموعة المقالات النقدية والدراسات المسرحية التي كتبها يوسف إدريس يمكن تصنيف إسهاماته المسرحية إلى قسمين:
أولا: الإبداعات المسرحية
بخلاف مسرحية قام بإعدادها ومسرحيات تم إعدادها عن بعض قصصه القصيرة أثرى إدريس المكتبة العربية بثمانية نصوص مسرحية مهمة تفاصيلها كما يلي:
- جمهورية فرحات: المصرية الحديثة (1956)، إخراج فتوح نشاطي، بطولة عبد الله غيث، عبد السلام محمد، إبراهيم الشامي، ملك الجمل، (نشرت بالمؤسسة القومية بالقاهرة 1957).
- ملك القطن: المصرية الحديثة (1956)، إخراج نبيل الألفي، بطولة فؤاد شفيق، نادية السبع، علي رشدي، شفيق نور الدين، (نشرت بالمؤسسة القومية 1957).
- اللحظة الحرجة: المسرح القومي (1960)، إخراج نور الدمرداش، بطولة ملك الجمل، حسن البارودي، رجاء حسين، توفيق الدقن، (نشرت بسلسلة "الكتاب الفضي" لروز اليوسف بالقاهرة 1958.(
- الفرافير: المسرح القومي (1964)، إخراج كرم مطاوع، بطولة توفيق الدقن، عبد السلام محمد، سهير البابلي، ناهد سمير، (نشرت بدار التحرير بالقاهرة 1964).
- المهزلة الأرضية: المسرح القومي (1966)، إخراج كمال يس، بطولة سناء جميل، محمد السبع، عبد المنعم إبراهيم، طارق عبد اللطيف، (نشرت بسلسلة "مجلة المسرح" بالقاهرة 1966.(
- الجنس الثالث: المسرح القومي (1970)، إخراج سعد أردش، بطولة محسنة توفيق، عبد الرحمن أبو زهرة، ماجدة الخطيب، فردوس عبد الحميد، (نشرت في "عالم الكتب" بالقاهرة 1971).
- المخططين: مسرح الطليعة، الفرقة المركزية (1982)، إخراج أحمد زكي، بطولة أحمد ماهر، عبد الله إسماعيل، أحمد عقل، علية حامد، (نشرت بمجلة المسرح بالقاهرة 1969).
- المهزلة (رؤية جديدة للمهزلة الأرضية): المصرية للكوميديا (1983)، إخراج شاكر عبد اللطيف، بطولة محمد عوض، معالي زايد، سعيد عبد الغني، نجاح الموجي.
- البهلوان: المسرح القومي (1987)، إخراج عادل هاشم، بطولة يحيى الفخراني، سحر رامي، صلاح رشوان، نهير أمين، (نشرت بمكتبة مصر بالقاهرة 1983).
- المهزلة (رؤية جديدة للمهزلة الأرضية): المسرح الحديث (1997)، إخراج شاكر عبد اللطيف، بطولة عمر الحريري، شيرين، سامي مغاوري، طارق دسوقي.
- النص نص (إعداد عن قصة قصيرة): مسرح القاهرة للعرائس (1972)، إعداد بهيج إسماعيل، وإخراج صلاح السقا.
- بيت من لحم (إعداد عن قصة قصيرة): مسرح الشباب (1999)، إعداد رشا خيري، إخراج عاصم نجاتي، بطولة انتصار، رشدي الشامي، منال زكي أماني يوسف.
- وجوه الساحر (إعداد عن مجموعة قصص ومسرحيات): مسرح الغد (2008)، إخراج عمرو قابيل، بطولة عبد الرحيم حسن، أشرف شكري، طارق شرف، محمود الزيات.
وذلك بخلاف قيامه بالإعداد المسرحي لمسرحية "العش الهادي" لتوفيق الحكيم، والتي قدمها مسرح التليفزيون (1962)، من إخراج كمال يس، وبطولة برلنتي عبدالحميد، محمد رضا، عمر الحريري.
ثانيا: التنظير المسرحي
كان لإدريس السبق والريادة في الدعوة إلى تقديم مسرح مصري أصيل بعيدا عن إعادة استنساخ الشكل الغربي الذي دأب على تقديمه جميع المسرحيين في العالم العربي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تلك الدعوة التي وجدت ترحيبا وتعضيدا كبيرا من بعض كبار الكتاب والنقاد المصريين وفي مقدمتهم توفيق الحكيم الذي قدم كتابه المهم "قالبنا المسرحي"، وعلي الراعي الذي قدم مجموعة كتب ودراسات مهمة في هذا المجال ومن بينها: "الكوميديا المرتجلة"، و"فنون الكوميديا من خيال الظل إلى نجيب الريحاني". ونظرا لأهمية هذه الدعوة فقد ترددت أصداؤها بين كل من أقطار المغرب والمشرق العربي، حيث برزت تجارب مهمة ومن بينها "مسرح الحلقة" وتجارب أبو الطيب الصديقي التي أسهم في التنظير لها الأساتذة: د. حسن المنيعي، د. عبد الكريم برشيد، د. عبد الرحمن بن زبدان، وكذلك بالمشرق العربي برزت تجارب مهمة للحكواتي اللبناني والفلسطيني وكذلك نصوص سعد الهك ونوس ورفاقه من الكتاب السوريين والعراقيين.
كتب إدريس ثلاث مقالات مهمة في مجلة "الكاتب" (يناير، فبراير، مارس 1964) بعنوان "نحو مسرح مصري"، تناول خلالها الدعوة لتقديم مسرح مصري أصيل ينبع من الذات المصرية والهوية المصرية، وذلك لإيمانه بأن لكل شعب من شعوب الأرض - مهما بلغت درجة حضارته أو تخلفه - تكوينه النفسي والروحي وذوقه وأحاسيسه المستمدة من تراثه ومناخه وتاريخه وتقاليده، وبالتالي فإن قيمة كل فن وبلاغة كل لغة لا يمكن تحديدها إلا بالنسبة للشعب الذي يتحدث هذه اللغة ويستوعب ويستمتع بهذا الفن. ولذا فهو يرى أن الفن المسرحي الذي نسميه عالميا ليس سوى الفن الأوروبي الذي نطلق عليه صفة العالمية نظرا لدرجة انتشاره الكبيرة، والتي أصبحت تهدد المسارح الشعبية الأخرى في كل بلاد الدنيا. وهو يرى أننا مهما بدلنا وطورنا في المسرح الأوروبي ستبقى طبيعته أوروبية بعيدة عنا بعد أوروبا عنا، ولا يمكن أن يحل محل مسرحنا الخاص بنا أو يمنع ظهوره، إلا إذا كان باستطاعة اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أن تغنينا عن لغتنا العربية وتحل محلها بعد أن تقضي عليها! وفي هذا الصدد يحسب لإدريس مهارته وبراعته في توظيف لغة الحوار، حيث اختار بحزم طريق اللغة الدارجة التي ينبغي أن تعكس بأمانة ما يشعر به وما يريد أن يوصله إلى الناس بصورة ولغة فنية عامة.
وقد أوضح بدراسته القيمة أن شخصيتنا المستقلة في الأدب والفن والعلم وفي كل مجال يمكنها النمو عن طريقين أساسيين هما: أولا تعميق جذورها في تراثنا وتاريخنا، وثانيا فتح جميع النوافذ الحضارية عليها. ولتحقيق تعميق الجذور في تراثنا يجب الاستفادة من بعض الظواهر الفنية والشعبية مثل السامر الشعبي والفرفور والحكواتي وخيال الظل والأراجوز والاستفادة من شعبيتها وتطويرها.
2 ـ الشهادات النقدية
"هو طبيب حين يكتب، يضع يده على معناه كما يضع يده على ما يشخص من العلل حين يفحص مرضاه، وينقل إلينا خواطره كما يصور أوصاف العلل وكما يصف لها ما ينبغي من الدواء، وله بعد ذلك خصلة تميزه عن غيره من كتاب الشباب، فالميل إلى تصوير الحياة الاجتماعية ظاهرة عند أدبائنا من الشباب، تختلف حظوظهم منه ويختلف توفيقهم فيه، ولكن كاتبنا لا يميل إلى تصوير الحياة الاجتماعية وما فيها من الآمال والآلام فحسب، ولكنه يحسن تصوير الجماعات ويعرض عليك صورها كأنك تراها". (طه حسين: مقدمة "جمهورية فرحات" (1956).
"مسرحية "اللحظة الحرجة" بشكل عام زاخرة بالأفكار واللفتات الذكية والحوار الخصب، وهي فضلا عن هذا تعبر عن شجاعة "يوسف إدريس" في معالجة لحظة سلبية خائرة في جو عامر بالبطولات، وفي محاولة تحطيم أسطورة البطل المطلق المجرد، ومتابعة نمو الإحساس بالبطولة والشجاعة في نفس بشرية بسيطة متابعة مستأنية. والمسرحية إلى جانب حدثها الرئيسي تبرز قضية الشعور بالوطنية بصورة تجسيمية حية، فالقضية الوطنية والكفاح ضد العدوان على الوطن... والتقسيم الخارجي للمسرحية يتسم بالدقة والمهارة". (محمود أمين العالم: مجلة "الرسالة الجديدة" (1958).
"من "جمهورية فرحات" إلى "الفرافير" طريق طويل، تميز فيه "يوسف إدريس" بالجرأة الفنية والرؤية الثورية... كان جريئا حين اختار هذا الموضوع الشائك المعقد لمسرحيته "اللحظة الحرجة"، وكان ثوريا حين تلمس أرض الواقع الجديد ليرى أين يقف منه في "الفرافير"، وكان في تلمسه هذا مخلصا في البحث عن روح "مصر" ووجهها الحقيقي.. وسيبقى هذا ما يميزه دائما بالجرأة والريادة في تجربة التعبير". (فاروق عبد القادر: مجلة "المسرح" يوليو 1964).
"لم تثر مسرحية من المناقشات عندنا في السنوات الأخيرة مثلما أثارت مسرحية "الفرافير" ليوسف إدريس، ويرجع ذلك إلى أنها مسرحية جريئة من الناحية الفنية ومن الناحية الفكرية على السواء... فقد اتجه "يوسف إدريس" بجرأة واضحة إلى الواقع الاجتماعي الراهن، ووقف وجها لوجه مع مجتمعنا العصري، بلا تردد ولا خوف ولا مواربة... كانت المسرحية تطل على حياتنا بوجه جديد غير مألوف، وتتحدث بصوت جديد غير مألوف، ولم تكن الغرابة مصدرها الشذوذ، بل مصدرها أن الكاتب كان جريئا، واضحا في جرأته إلى أبعد الحدود... لقد عثر "يوسف إدريس" على موضوع مسرحي ممتاز، وهو موضوع يشغل وجدانه وعقله، هو موضوع "فرفور والسيد" أو بعبارة أخرى محاولة "فرفور" أن يتخلص من النظام الذي يفرض عليه أن يكون تابعا لسيد آمر مطاع... إن مسرحية "الفرافير" عمل مسرحي غاضب صريح في غضبه، إنها مسرحية احتجاج واعتراض، ورغبة عنيفة في التجديد والتغيير". (رجاء النقاش: "في أضواء المسرح" (1964).
"مسرحية الأفكار هي مسرحية العصر الحديث، فقد بهت رونق مسرحية المشكلة العائلية، واستهلك المسرحيون منذ "أونيل" حتى "تنسي ويليامز" ومعاصريه مشاكل علم النفس، وعقد "أوديب" و"ألكترا" وما شاء من العقد الأخرى، وتعرض الإنسان في هذا العصر الحديث لأزمة كبيرة من أزمات العقل، وابتدأ يعيد النظر في المسلمات الأولى... لقد دار الإنسان في حلقة مفرغة، وسقط طموحه للمساواة صريعا بين الأمل والواقع، ولكنه مازال يبحث عن حل، حل يحقق العمل والسيادة، ويخدم التقدم والحرية معا، هذه هي الأفكار الرئيسية التي أراد "يوسف إدريس" أن يبثها إلينا في مسرحيته الجديدة "الفرافير"، وهي مسرحية أفكار، ولكنها أفكار ناضجة في بنائها المسرحي، فهي لا تعرض الأفكار عارية ناتئة العظام، ولكنها تكسوها لحما بشريا، وتجريها على ألسنة بشر محددي الأبعاد، يضحكون ويبكون ويصرخون ويسبون... لقد حقق المؤلف للمسرح المصري عالمية رائعة المستوى من خلال هضمه وتمثله لاجتهادات المسرح العالمي الحديث، وجرأته البالغة في علاج مشكلات الوجود الكبرى". (صلاح عبد الصبور: "حتى نقهر الموت" (دار الطليعة ببيروت 1966).
"إن "يوسف إدريس" وهو في نظري - بفضل ما حبته به الطبيعة من أغوار خصبة وموهبة خلاقة من معدن غامض نفيس - أقرب كتابنا المعاصرين إلى اجتياز تخوم الإقليمية والمحلية إلى رحاب الفن الإنساني العظيم الذي تسقط فيه الحواجز بين البشر.. انظر إلى "الفرافير" مثلا هذه المسرحية الجميلة تؤكد أننا قد اقتربنا أو أوشكنا أن نقترب من تصدير فننا إلى العالم.. لأنها تدور حول مشكلة يفهمها ويحسها ويحب أن يناقشها الناس في كل بلد من بلاد الأرض مهما اختلفت مستويات حضارتهم.. هذا الموضوع الجميل العميق الذي يطرح قضية الحرية والضرورة مجسدة في علاقة السيد بالعبد أو الحاكم بالمحكوم أو الدولة بالفرد أوالنظام بأبناء المجتمع إلخ، موضوع جميل وعميق وهو ما يمكن أن يؤرق الإنسان في أي حضارة من الحضارات". (لويس عوض: "الثورة والأدب" (1967).
"عندما يكتب "يوسف إدريس" للمسرح فإنما يطاوعه إحساسه العميق بحقيقة التيارات الفنية والثقافية التي تساهم في تشكيل بلادنا من جديد، إنه يكتب للمسرح لأن هذا الفن أصبح أقوى أدوات التعبير في هذه البلاد، وهذا أصبح كذلك لأن الجماهير تتطلع في قدر متزايد من الشغف والتحفز إلى من يستطيع أن يخاطبها مباشرة وبلا وسيط في اجتماع عام له طبيعة الاجتماع السياسي عن قضاياها، كل قضاياها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والروحية والفنية... إن "يوسف" يجلب إلى المسرح كل خصائص قصصه الممتازة: الملاحظة الدقيقة الخلاقة والحوار الواقعي المرهف، والفكاهة الصافية أحيانا المشوبة بالأسى أحيانا أخرى، والقدرة الكبيرة على تصوير حياة الفلاحين خاصة، تلك القدرة القائمة على الفهم الكامل والاندماج الشديد في هذه الحياة". (علي الراعي: مقدمة كتاب "نحو مسرح عربي" (بيروت 1974).
"أغفل النقاد فيما أغفلوا أن هدف "يوسف إدريس" كان من البداية هو إضفاء البطولة المسرحية على الإنسان العادي الذي تجاهله كتاب الدراما الكلاسيكية قرونا، ولم يكن يظهر إلا في الكوميديا. وكان منذ البداية يرى أن المدخل الحقيقي للأدب الجديد ينبغي أن يكون من باب الإنسان العادي بكل عناصر ضعفه وقوته، وأنه يمكن أن يكون بديلا للملوك والأمراء والقادة، وكان هذا ما فيه من تحد لتراث المسرح المصري حتى تلك الآونة سواء في مترجماته أو مؤلفاته، وكان في هذا ما فيه من ثورة على المسرح الدرامي نفسه... إن حسه الدرامي يغلب على بنائه القصصي مثلما يغلب ولوعه بالإنسان العادي الذي يتبدى في قصصه ومسرحه، خصوصا حين نرى أن الإنسان العادي دائما ما يوضع في موقف تحكمه المفارقة الدرامية الفكرية". (محمد عناني: مجلة "الهلال" أغسطس 1991).