يوسف إدريس ورؤيته الجمالية لصلاح جاهين

21/08/2016 - 12:57:51

صلاح جاهين ورشدى أباظة فى فيلم لا وقت للحب صلاح جاهين ورشدى أباظة فى فيلم لا وقت للحب

د. حسن يوسف طه - كاتب مصري

يوسف إدريس قيمة وقامة. يكتب فيجبرك أن تقف عند كل لفظ. إدريس مبدع وعبقري في كتابة القصة القصيرة فيذهلك ويدهشك ويمتعك بكتابته وبعد أن تقرأه تقف وقتا طويلا متأملا.. ترى كيف كتب؟ وكيف رأى؟ وكيف التقط؟
في ظني الخاص أن عبقرية إدريس تكمن في قدرته على السفر داخل اللحظة، فاللحظة عنده مليئة. يقف عند اللحظة ليسافر فيها ليرى الذي لم يره أحد. أو يجعلك ترى الذي لم تكن تراه في الذي تراه. وأعتقد أن قراءة يوسف إدريس تجعلنا نتيقن أنه تمكن من الوصول إلى تصوير أدق سريان اللحظة أو ما يعبر عنه الآن بالفيمتوثانية لأحمد زويل. أي أن إدريس سبق زويل في تلك الرؤية فهو يلتقط جزيئات اللحظة ليضعها في عمل أدبي فني، وزويل يصور تلك اللحظات لتخدمنا في حياتنا الواقعية. لذلك فهما متكاملان.
الأدب والفن دائما ما يسبقان العلم في الرؤية. والعلم يحقق ما قد رآه وفكر فيه الفلاسفة والأدباء والشعراء. لكن الفرق بين هذا وذلك هو أن العالم يركز كل طاقته في نقطة واحدة من أجل أن يسيطر عليها ويخضعها لمعاييره وتقنياته لكي يخرج بالقانون وبالأجهزة والحلول المنشودة لحل أمر ما. بينما الفلاسفة والشعراء والأدباء في حالة دائمة من السفر والترحال في عالم خاص بهم، إنه العالم الكلى وليس الجزئي. إن ما يفعله العالم هو السيطرة على الطبيعة. سعادة العالم أن يجعل الطبيعة تدخل إلى الذات عن طريق القانون الذي يحكمها. إن العالم يعتقل اللحظة من أجل أن يقيدها بقانون يقهرها ويخضعها. أما الفنان والفيلسوف فهو يتأمل اللحظة ويسافر معها، إن نفس الفنان والمبدع تخرج إلى الطبيعة من أجل تأملها والتماهى معها. ذات الفنان تنفتح على الطبيعة من أجل أن تعيش في رحابها بشكل رحب وحتى لا نسهب في الحديث فإنني أتوقف عند ما كتبه إدريس عن صلاح جاهين.
فكيف رأى إدريس جاهين؟
لقد رآه بعين الفنان والمبدع. لم يتوقف عند ما يكتبه جاهين أو ما يرسمه وما يمثله، انتقل إلى ما وراء ذلك كله. إنه التقاط الخافي في الظاهر. كشف الستار عن الظاهر لكي تصبح الرؤية أقوى وأفضل وأروع. وما أجمل ما يلتقط المبدع لحظات مبدع آخر. كيف رأى إدريس صلاح جاهين؟ لقد رآه من الزاوية الجمالية.. جمالية إبداعه في رسمه في شعره في تمثيله.. رؤيته ليست راصدة أو تسجيلية أو تقريرية. إنما هي رؤية تجاوزية الماثل والحال والمرئي إلى ما هو بعدى وهذا الأمر لا يتوفر للكثيرين فهي رؤية توجد لدى من لديهم إحساس جمالي خاص. وإدريس يقول عن صلاح جاهين إنه لغز! لماذا رأى ذلك؟ لأنه وجد في كل مجالات صلاح كما هائلا من الإبداع ومن الإبهار ومن الدهشة. ولذلك تجد نفسك تسأل ماذا يكون صلاح جاهين؟ الإجابة إنه اللغز.
ولكي نفهم اللغز نحتاج لقدرات خاصة نتمكن بها من حل طلاسم ذلك اللغز. وكلنا نرى صلاح جاهين من خلال ما يبدعه. لكننا لم نقف أمام اللغز. لماذا؟ لأننا لا نملك الأدوات الكافية لنفهم ذلك اللغز أو الدخول لذلك العالم اللغز. ولماذا تمكن إدريس من ذلك؟ لأن يوسف إدريس يمتلك أدوات فهم ذلك اللغز لأنه لا يرى مثل ما نرى، ولكنه يرى بطريقته ومن زاويته الخاصة هو لا يقف عند الماثل أمام نظرنا هو مسافر إلى ما هو أعمق وأشمل. يوسف إدريس يلتقط ذلك الكنز ليتأمله ولكي يسبر أغواره ويقوم بفك طلاسمه لكي يوضحه لنا ويبينه لنا فنندهش ونتعجب ونقول فعلا تلك هي الحقيقة لكننا لم نكن نتمكن من الوصول إليها. لقد نظر إدريس لصلاح جاهين من خلال التمثيل أو من خلال فلسفة التمثيل عند صلاح جاهين. التمثيل ليس مجرد أداء لدور إنما التمثيل هو تعبير عن كل.. عن رؤية. التمثيل شعر ورسم وفكر وأداء. كل ذلك يتضح من خلال التمثيل ورؤية التمثيل من تلك الزاوية الشمولية والمسافرة للأعماق نقول إنها فلسفة التمثيل.
كان تمثيل صلاح جاهين بمثابة التعبير عن الفكرة ورسم للفكرة وتجسيد وأداء للفكرة. وإذا وقفت عند ذلك التمثيل أدركت كم الإبداع وضخامته عند صلاح جاهين. من الذي يتمكن من التقاط ذلك؟ إنه المبدع الفيلسوف. وكان إدريس مبدعا وفيلسوفا تمكن من الوقوف عند الجوهر الحقيقي عند جاهين، لذلك عبر عنه أجمل تعبير يجعلك تعيد النظر في كل ما كونته عن إبداع جاهين.
يقول إدريس "جبرتي الستينات": حاولت أن أحل لغز صلاح جاهين.. عشت مع أبعاده الثلاثة: الرسام والشاعر والممثل، وبرغم ما كتبه هو في "صباح الخير" وحاول فيه أن يبذر بذور الخلاف بين أشخاصه الثلاثة، وبرغم محاولات المقارنة وإيجاد أشكال التناقض بين شعر صلاح ورسومه، فالحقيقة أني بعد دراسة وتأمل وجدت أن مواهب صلاح المثلثة تتعقد وتتشابك بطريقة تدرك معها أنها كل واحد متماسك.
وأنت لا يمكنك أن تحل لغز صلاح إلا إذا شاهدته وهو يمثل، فيشخصه – بكتلته الحية – بانفعالاته حين تنتقل إليك دون مانع أو وساطة، يعطيك صلاح مفتاح شخصيته وسر موهبته.. إنك حين تقرأ شعره وتتأمل رسومه، تحس أن كلماته وخطوطه محملة بشحنات تعبيرية تتعدى حدود الشعر بمفرده أو الرسم بمفرده. إن شعره ليس مجرد شعر، ورسومه ليست مجرد رسوم، إنك تحس بهذه أو تلك جزءا من كل، والكل لا تحسه إلا إذا أعطاه لك صلاح بكله، وهو يعطيك إياه إذا مثل".
لماذا يتوقف إدريس عند التمثيل! رغم أن التمثيل مجرد أداء فالممثل يؤدى الدور الموكول إليه أو المنوط به أداؤه. لكن التمثيل في جانب آخر نوع خاص من الوجود فالتمثيل لا ينحصر في المرئي. ولكن الأهم هو اللامرئي. في التمثيل العميق لا نقف عند الأداء الماثل وإنما ضرورة أن تسافر إلى اللامرئي. وهذا أمر لا يتوفر للأغلبية. قلة نادرة هي التي تتمكن من التقاط الخفي اللامرئي من خلال المرئي.
يقول إدريس: إن شعر صلاح لا يتكامل إلا إذا أنشده أمامك، وكأنه أدوار يكتبها لنفسه ليعتمد على نصها في التعبير عن معانيها تعبيرا كاملا حين يمثلها. ويخّيل إلىّ أنه لم يختر الكاريكاتير عبثا، فهو فن الرسم الكوميدي أو فن الكوميديا المرسوم. والتشبيهات الجسدية الكثيرة في شعره ليست نزعة إلى "التجسد" بقدر ما هي نزعة إلى "التمثيل"، فهو في شعره أيضا يعبر، وكأنه على خشبة مسرح، بالجسد. وصلاح في تمثيله ليس ممثلا فقط، ولكنه مؤلف تمثيل، وهدفه ضخم كبير كأهداف مؤلفي التمثيل الكبار. إنه يهدف إلى تمثيل عصرنا والتعبير عنه، إذ هو في موهبته الضخمة الشاعرة الرسامة الممثلة فنان معاصر بكل مضمون الكلمة ومعناها، أكاد – حين استعرض عصرنا وبيئتنا – لا أجد من يضارعه لكي يعبر عن كل بساطتنا الحاضرة المعقدة وكل عقدنا البسيطة، ومرحنا الخفي وحزننا الظاهر، وظاهرنا المرح وأعماقنا الحزينة، وكل سخريتنا بعصرنا وسخرية عصرنا بنا.
وكالكبار أيضا.. لا تجده يعبر عن عاطفة بعينها ويجعل من هذا هدفه.. هو يعبر عن الحزن أو المرح أو الاكتئاب، أن يستعمل العواطف والأفكار كمواد خام يمزجها ويلون بها كلماته وخطوطه ليستطيع أن يعبر بها عما هو أكبر من الحزن والتفاؤل والرقة، عن الإنسان – وبالذات – عن إنساننا المعاصر.. كل ما ينقص صلاح ليكون شارلينا ونجيبنا، أن يؤمن بالموهبة الخارقة التي كان – دون أن يدرى – يعد لها نفسه، بشعره ورسوماته.. لقد ظللنا مدة طويلة نترقب مهدينا المنتظر في التمثيل، وحين شاهدت صلاح جاهين دمعت عيني فرحا..
فى "جبرتي الستينات" وقف إدريس على جماليات وعمق التمثيل عند جاهين. التقط جوهر التمثيل عند جاهين لكي يراه بشكل أعمق. ونحن رأيناه من خلال رسومه وكلماته. نحن رأيناه فوجدنا فيه عبقريا يتجسد من خلال الكلمة والرسم. ورآه إدريس فوجده عبقريا يتجسد من خلال التمثيل. والتقاط إدريس لتلك الزاوية تجعلك تعود لترى الذي لم تكن تراه. ولتبحث عن الذي وجده إدريس. هنا تشعر بمتعة التلقي وبألق تلك المتعة والجمال. ومع إدريس نعيد الرؤية والإدراك لصلاح جاهين.. رحم الله العمالقة.