يوسف إدريس يلهم جيلا جديدا من السينمائيين

21/08/2016 - 12:56:55

ريم حجاب يمين الصورة فى فيلم بيت من لحم ريم حجاب يمين الصورة فى فيلم بيت من لحم

صفاء الليثي - مونيرة وناقدة سينمائية مصرية

التعريف الشائع للفيلم القصير أنه يشبه القصة القصيرة من حيث الفكرة الواحدة التى يتم تناولها مع اقتصاد فى عدد أبطالها وحدوثها فى مكان واحد غالبا مع حدث واحد رئيس يحلل ويعرض بكل تفاصيله. وقد وجد الدارسون بمعهد السينما فى قصص يوسف إدريس القصيرة قالبا جاهزا لتطبيق الفيلم وتكون القصة الأساس الذى يبنى عليه السيناريو الذى يصورونه كورقة امتحان عملية قبل التخرج.
واحتلت قصة "بيت من لحم" مكانة كبيرة فى مشروعات كثير من الطلبة بل تم اقتباسها فى أحد أجزاء فيلم يسرى نصر الله "احكى يا شهرزاد". ولم تكن "بيت من لحم" وحدها، بل تناول فيلم الطالب أحمد فهمى عبد الظاهر قصة إدريس "طبلية من السماء" فى مشروعه ملتزما بجو الريف وحوار القصة وتتابعها دون الخروج على أى من مكوناتها.
ولم يكن القالب الجاهز فقط هو ما جذب شباب السينمائيين لتناول قصص يوسف إدريس فى أفلامهم القصيرة، بل كسره للتابوهات وخاصة الجنس والدين، يستمدون من تهكمه على هذه الثوابت القوة دون خشية من رفض رقابى أومجتمعى.
وقد كان للمخرج مروان حامد رحلة مع إبداعات إدريس، فقدم فى أفلامه القصيرة عددا منها، "آخر الدنيا" 1998 كمشروع للسنة الثالثة، وفى السنة الرابعة مع التخرج أخرج "الشيخ شيخة" 1999، ومن الطريف أن زميل دفعته تامر حبيب لم يكتف بكتابة السيناريو بل قام بتمثيل الدور الرئيس فيه. وختم مروان حامد أفلامه القصيرة بالقصة البديعة "أكان لا بد يا لي لي أن تضيئي النور؟" فى الفيلم القصير "لي لي" إنتاج 2001 وقام بالبطولة عمرو واكد وسامي العدل ودينا نديم. مدير تصوير إيهاب محمد علي، موسيقى تصويرية وتصميم شريط الصوت خالد حماد، إنتاج أمين المصري. وحصل فيلم "لي لي" على جائزة لجنة التحكيم من مهرجان برلين. وفي القصة يبدع إدريس موقفا كتبه بعين سينمائى حيث يترك إمام الجامع المصلين ساجدين ليهرع صاعدا حيث الفاتنة التى أضاءت النور فى غرفتها المواجهة للمسجد. هذه الصورة وهذا الإيقاع الذى أطال فى وصفه إدريس نجح المخرج فى تقديمه فى زمن سينمائى مقنع مستخدما عناصر اللغة السينمائية من تصوير وشريط صوت وأداء تمثيلى بالطبع من الممثل الصاعد وقتها عمرو واكد.
التزم مروان حامد حرفيا بالقصة حتى أنه استخدم نصوصا من القصة كتعليق على بعض المشاهد فى شكل تقليدى من أشكال التعامل مع الأدب المكتوب قلما خرج عنه مخرج سينمائي.
في موقع للأفلام على الشبكة الدولية نقرأ "تدور أحداث الفيلم حول إمام مسجد تم تعيينه في حي الباطنية في القاهرة الشهير بتجار المخدرات، ويسعى الإمام لهداية أهل الحي ويقنعهم بضرورة الصلاة. وبعد أن يستجيب الأهالي لأداء الصلاة في الجامع يتعرض الإمام الشاب للغواية من الفتاة الجميلة «لي لي» ويدور بداخله صراع نفسي كبير. الفيلم يدور حول صراع الإيمان والفضيلة... ولكن في النهاية شهوة الإمام تنتصر على إيمانه ما يعتبر إهانة للإسلام والمسلمين حيث منع الفيلم من العرض لتعرضه لكثير من الانتقادات" وهذا الملخص يضرب القصة والفيلم فى مقتل فلم تكن مساحة جهد الإمام فى القصة على درجة من الأهمية مقارنة بموقف الغواية الذى استجاب له الشيخ بمثابة تعبير خفى من إدريس عن أفضلية نعيم الحياة الدنيا على نعيم الآخرة. ومن الطريف أننى وجدت أثناء البحث مقطعا من القصة تحت عنوان "تربص الشيطان".


"ولكن عذرى يا شيطان أنك كنت تعرف أين كنت أنا؟ ولم أكن أعلم أنا من أنت، ولا أين أنت؟ وكم نقشوا على قلوبنا الأخطاء عنك حتى ارتسمت فى أذهاننا دائما رجلا.. بشعا، ولم يفكروا أن يقرنوك بالجمال مرة، مع أنك لا يحلو لك التربص إلا محاطا بالجمال، وإلا على هيئة ست، وإلا فى أكثر الأماكن نعومة وإمتاعا، وفى أحلى البسمات، بل أحيانا فى النكتة.. فى أروعها تنصب الشباك." والقصة فى مجموعة "بيت من لحم".
العلاقة بين الجنس والدين تبدو هاجسا قويا لدى إدريس، وقد وجد فيه السينمائيون من كل الأجيال فكرة جاهزة أشبعت الميل لكسر التابوهات بداية من "الحرام" لبركات ثم "النداهة" وليس انتهاء ببيت من لحم التى تناولتها المخرجة سعاد شوقى فى مشروع تخرجها والمخرج تامر محسن فى مشروع السنة الثالثة مركزا على مشهد الخاتم الوحيد الذى تتبادله النساء لخداع الأعمى المتزوج من إحداهن، الخاتم أداة التواطؤ كان عنصرا مهما فى القصة اهتم بها البعض وتجاهلها تماما المخرج أحمد الهوارى فى مشروع تخرجه عام 2009.
"ضجيج الحياة دب، الزوج زوجها وحلالها وعلى سُنة الله ورسوله، فماذا يعيب؟ وكل ما تفعله جائز، حتى وهي لم تعد تحفل بالمواربة أو بكتمان الأسرار، حتى والليل يجيء وهم جميعا معا، فيطلق العقال للأرواح والأجساد، حتى والبنات مبعثرات متباعدات يفهمن ويدركن وتتهدج منهن الأنفاس والأصوات، مسمرات في مراقدهن يحبسن الحركة والسعال، تظهر الآهات فجأة فتكتمها الآهات.
كان نهارها "غسيل" في بيوت الأغنياء، ونهاره قراءة في بيوت الفقراء، ولم يكن من عادته أول الأمر أن يئوب إلى الحجرة ظهرا، ولكن لما الليل عليه طال والسهر أصبح يمتد، بدأ يئوب ساعة الظهر يريح جسده ساعة من عناء ليل ولى، واستعداد لليل قادم، وذات مرة بعد ما شبعا من الليل وشبع الليل منهما، سألها فجأة عما كان بها ساعة الظهر، ولماذا هي منطلقة تتكلم الآن ومعتصمة بالصمت التام ساعتها؟ ولماذا تضع الخاتم العزيز عليه الآن ـ إذ هو كل ما كلفه الزواج من دبلة ومهر وشبكة وهدايا ـ ولماذا لم تكن تضعه ساعتها؟".
هذا المقطع من قصة "بيت من لحم" العبقرية يفسر سبب تحويلها لعدد كبير من الأفلام القصيرة، فالجمل قصيرة ونافذة، دون جناس ولا سجع، لغة وصفية محملة بالدلالات وكأن كل جملة لقطة، وكل فقرة مشهد سينمائي يحفل بكل فنون السينما من رسم شخصيات، ووصف المكان والتفاصيل الصغيرة، تفصيلة الخاتم التى استخدمها كل من حول القصة لفيلم سينمائى فيما عدا أحمد الهوارى الذى تجاهلها تماما لتصبح قراءته لبيت من لحم قراءة تناسب العصر، الذى تجاوز الصمت بحجة الخاتم إلى التواطؤ الصريح غير المحتاج لأى حجة كالخاتم.
إذا سُئل شخص لا يعرف القصة فسيخبره من قرأها أنها عن أرملة تزوجت قارئ القرآن على روح زوجها المتوفى بموافقة بناتها الثلاث، كانت تضع خاتم الزواج فى إصبعها فيتعرف عليها الرجل من بين كوم اللحم الذى تمتلئ به الحجرة الواحدة التى يسكنها الجميع، وأصبحت من تضع الخاتم هى الزوجة فى نظر الضرير فيواقعها إذ ليس على الأعمى حرج. الخاتم إذن هو حجر الزاوية فى الموضوع، كل الأفلام التى تعاملت مع القصة كان الخاتم أحد أبطال العمل وحجة هذه اللخبطة الشنيعة. أحمد الهوارى لم يلتفت للخاتم نهائيا، ونفى أن يكون الأعمى غير مدرك لما يحدث، إنه على الأقل غير متأكد فقط فى المرة الأولى حين تتسلل الوسطى "ريم حجاب" وترقد بجواره وهو فى قيلولة النهار. فى المساء يقول للأم "عايزك تظبطيني زي الصبح" لتصعق الأم وتظل تفكر أيهن التى أقدمت على فعلها. وبعدها يصبح التناوب شبه علنيا ولعبة متفقا عليها بين جميع الأطراف.
القصة تبدأ بالصمت، والخاتم ولكن الفيلم يبدأ بصخب الواقع، ويحتفى بالمكان، مقابر 6 أكتوبر بعض الأحواش يتخذه الناس مسكنا وهو مختلف عن حجرة القصة التى تتكدس فيها النساء الأربع ومنها استمدت القصة اسمها "بيت من لحم". لم يلتزم الهوارى حرفيا بكل هذه التفاصيل ولكنه حافظ على جوهر العلاقات: "ينصب زوج من الكشافات المصوبة بدقة" العيون المتلصصة للبنات الجائعات تنظرن من فتحات الحائط تعبر عن الجملة الأدبية وبصورة جديدة تناسب المكان ومنازله من الحجارة المتراصة وبينها شقوق. أدت "ريم حجاب" دور الابنة الوسطى الجريئة، وكانت بصمتها ونظراتها ترجمة للكلمات والجمل القصيرة التى أطلقها يوسف إدريس والتقطها المخرج الموهوب لتصبح فيلما ناريا تمكن فى زمنه الذى لم يتجاوز 17 دقيقة أن يعبر عن كل الأطراف مضيفا إلى القصة الصارمة روحا فكهة مرحه بأداء الممثل "محمود حافظ" لدور الكفيف، وما منحه له من تجل بالغناء بعد الشبع والرضا من الحياة، هنادي الابنة الممتلئة البارعة فى المطبخ وعمل المحشي تُكافأ بعد وجبة طعام أعدتها "تعالى اغسلى لى ايدى" تنهض وسط صمت الأخريات. بدون الخاتم قرر الهوارى والشيخ الكفيف منحهن قسمته العادلة، الصغرى أيضا لها نصيب والأم "سوسن بدر" استسلمت.
قرأت الفيلم كقسمة للحق فى الحياة، يأتى من تبادل العطاء فكل له دوره وكل له نصيب.
كرؤية لكاتب السيناريو والحوار تامر أنور الذى قدم إبداعا موازيا للقصة الأصلية محافظا على جوهرها غير ملتزم حرفيا بتفاصيلها وطوعها ليصبح الفيلم المقدم عام 2009 نسخة عصرية لقصة "بيت من لحم"، قصة فنان القصة القصيرة يوسف إدريس، التى تلهم صانعى الأفلام القصيرة وخاصة مشروعات التخرج لطلبة معهد السينما. قدمها رامي عبد الجبار السينمائي المستقل فى فيلم غلبت عليه الشكلانية دون أن يعكس أهمية الموضوع، وحتى طالب موسكو "أشرف سمير عبدالباقي" قدم مشروع تخرجه بموسكو عنها بممثلين روس.
فى مهرجان بورسعيد، حصل "بيت من لحم" على الجائزة الذهبية من لجنة تحكيم مكونة من داوود عبد السيد وكاملة أبو ذكري ورأسها محمد كامل القليوبي، ورأس دورة المهرجان لذلك العام المخرج البورسعيدي سيد سعيد، وأتصور أن كل هؤلاء المبدعين وجدوا إبداعا موازيا لفنان القصة القصيرة فى الفيلم الذى قدم معالجة لقصته دون التزام حرفي بها.