فرحة صغيرة

21/08/2016 - 12:55:13

أحمد الخميسي - كاتب مصري

نحيفا، طويلا، هشا، يرتقي الدرج. يتطاير الشعر الأبيض الخفيف على جانبي رأسه الأصلع. يتأرجح بين الجدار وسور السلم فيستند إلى السور بيده اليمنى ويحكم بوعي قبضته الأخرى على علبة "آيس كريم". في سن السبعين يصبح صعود أربعة طوابق مرهقا. يلهث. يتمهل قليلا. تهون المشقة حينما يتخيل وجه حاتم حفيده متهللا بالنظر إلى "آيس كريم". بعد خروجه إلى المعاش ووفاة زوجته قضى عشر سنوات وحده إلى أن طلقت سناء ابنته وقررت أن تقيم معه هي وطفلها.
بعد عامين لم يعد يتصور الحياة من دون ذلك الطفل القصير القزعة، بسنواته الخمس، وركضه بين الحجرات، وهو يلاحقه ببصره ويشعر بنفسه مثل شجرة عجوز جف ماؤها ثم مدت فرعا أخضر. أدار المفتاح في باب الشقة. الصمت يعم المكان. أيكون نائما؟ حين يكون نائما يقترب ويجلس على حافة السرير يوقظه. يقول له: "قم. قم. جدك جاءك بآيس كريم". يعتدل جالسا على سريره على الفور كأنه لم يكن نائما. يمد ذراعيه إلى الجد يضمه إلى صدره بقوة ويغرز أصابعه في رقبته متشبثا بها إلى أن يتألم جده من العناق. سار إلى حجرة الصغير بهدوء ورأى السرير خاليا. عاد إلى الصالة. وقف في منتصفها يدير رقبته متطلعا لأعلى يسأل بصوت مرتفع متجنبا النظر ناحية منضدة الطعام: "فين حاتم؟ يا تُرى فين حاتم؟". كعادته مختبيء في الفراغ تحت المنضدة، صامتا، وعيناه مفتوحتان إلى آخرهما. يعيد الجد استفساره "يا ترى فين حاتم؟". يجيبه صوت رفيع من أسفل المنضدة "حاتم ليس هنا"، يقولها وعلى الفور يمد رقبته ويطل ليستوثق أنه غير مرئي: "أنت شايفني؟" يقول الجد متظاهرا بالحيرة: "لا. لا. أنت فين ياترى؟". يشعر الجد وهو واقف بفرحة حاتم الصغيرة أن يختبيء وأن يفتش عنه الجد ولا يجده. تمتم الجد: "خسارة أن حاتم ليس هنا، لأن جده جاءه بآيس كريم". يندفع خارجا على الفور معرضا رأسه للارتطام بحافة المنضدة، يهجم على العلبة بيديه الاثنتين، ينتزعها ويعافر ليفتح غطاءها. يرتمي الجد على المقعد المجاور للشباك. يسرح في حياته التي تبدو له بعد انقضائها لحظة قصيرة جدا يستغرب أحداثها وأناسها وأزمنتها كأنها كانت حياة شخص آخر. من النافذة يتناهى إليه نداء ممطوط "أي حاجة قديمة للبيع.. بيكيا. روبابيكيا". تذكر المجلات والصحف الموضوعة على رف في الطرقة. نهض وفتح الشباك. دلى نصف جسمه خارج الشباك: "يا روبابيكيا. بيكيا". من وراء جدار العمارة المقابلة يبرز في الشارع رجل بجلباب وعمامة مع صبي في نحو العاشرة يمسك بحمار يجر عربة يد. يرفع الرجل رأسه لأعلى ليعرف من أي نافذة استدعوه. لمح الجد في الشباك، فظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة، وصاح: "حالا". هتف الجد: "الطابق الرابع. الرابع". يقول الرجل: "أيوه. الرابع. أيوه". فتح الجد باب الشقة بعد قليل ورأى الرجل واقفا مبتسما بأدب. لم يفهم الجد سبب ابتسامته. "تفضل". طأطأ الرجل رأسه ودخل والصبي من خلفه. قاده الجد إلى الرف المكدسة عليه الأوراق القديمة. نظر الرجل إلى الكومة يزن قدرها كأنها مجوهرات. سأل: "هم دول؟". أجاب الجد: "أيوه". استفسر: "وحضرتك عاوز كم فيهم؟". قال الجد: "أنت عاوز تدفع كم؟ بس خلي بالك الكمية كبيرة". هز الرجل رأسه: "خمسة جنيه". في هذه اللحظة برز حاتم من حلق الطرقة المفضية إلى الصالة، توقف وهو يرفع بنطلونا قصيرا لأعلى وسطه، ويهزه لأعلى وأسفل، شاكيا: "يا جدو.. البنطلون مش عاوز يلبسني". صحح له الجد: "أنت اللي بتلبس البنطلون مش هو اللي بيلبسك". أجابه حاتم وهو يتأمل الصبي الكبير: "لما أكبر أبقى ألبسه". ثم سأل ابن الرجل: "أنت ما عندكش بنطلون؟". ابتسم الصبي ولم يجب، فاندفع حاتم يجري إلى الداخل. التفت الجد إلى الرجل يتابع الفصال: "خمسة جنيه إيه بس؟! الورق غال دلوقت. قل كلمة حلوة لأجل نخلص البيعة". قال الرجل متأسيا: "والله خمسة جنيه كويس يا بيه. الورق راحت عليه. اللي شغال دلوقت الأكياس البلاستيك". قال الجد: "لاء. مش صحيح. الورق بياخدوه يفرموه للمطابع. قلت إيه؟". قال الرجل كأنه يعاني من ألم يكتمه بصعوبة: "طيب عشان خاطر حضرتك بس سبعة جنيه". ظهرت علامات الرفض على ملامح الجد: "خليها عشرة جنيه ونخلص". قال الرجل بأسف: "عشرة كتير". لبث الجد لحظة صامتا يمصمص شفتيه بأسف، ويظهر استياءه بينما راحت تتجمع في صدره فرحته وهو يتصور كيف سيتهلل وجه الرجل الصعيدي حين يفاجئه بأنه سيعطيه الورق كله لا بخمسة جنيه ولا بعشرة.. لكن مجانا ولن يأخذ منه مليما واحدا! حانت اللحظة التي يصل فيها المشهد لذروته، فتلمع عينا الرجل المسكين من فرح غير متوقع. ابتسم الجد وشع وجهه بالرضا والثقة الكاملة في الخطوة التي سيقوم بها وأثرها. ربت على كتف الرجل: "طيب يا الله يا عم.. خدهم ببلاش". وقهقه الجد: "مبسوط بقى؟!". وحدق بالرجل يتلمس في ملامحه أثر ما قاله. بالفعل، ابتسم الرجل، ودار بعينيه مدهوشا بسرور، وقال: "مش معقول يا بيه؟ ربنا يخليك لنا"، ثم انحنى يطوق بكفيه وذراعيه كومة الورق ويرفعها إلى كتفه. ابتسم الصبي ابن الرجل وأطلق ضحكة: "ما احنا عارفين إن حضرتك كنت ح تقول خدوهم ببلاش". هبط الجد ببصره إلى الصبي: "عارفين إزاي يعني؟". قهقه الصبي: "يا بيه احنا جئنا لك قبل كده كثير وكل مرة تعمل الحكاية دي، وفي الآخر تعطينا الجرايد ببلاش. هيء. هيء". ظهر الحنق على وجه الجد والتفت إلى الرجل بغضب: "أنت جئتني قبل كده؟". ارتبك الرجل ناظرا بسخط لابنه واعترف: "أيوه جينا". كز الجد على ضروسه بغضب: "أقول له سأعطيك الورق مجانا فيتظاهر بالفرح وهو شايف من الأول الموضوع رايح فين وعامل أنه مش شايف؟! لئيم سايرني كأنني طفل صغير!". تحرك الصعيدي بحمولته على كتفه إلى باب الشقة قائلا بخفوت: "سلام عليكم". وما إن خرج حتى صفع ابنه على قفاه: "بوختها مع الرجل الطيب. بتتكلم ليه يا حمار؟". زام الصبي شاكيا: "ما هو كل مرة يعمل الحدوته دي. الله". زغده الصعيدي يدفعه على السلالم وهو يقول له: "كلامك ماسخ يا ابن الماسخة. هو مبسوط كده، أنت مال أمك؟". أغلق الجد باب الشقة بصفعة قوية. وظل واقفا في الداخل يتطلع إلى الباب بخيبة أمل. قال لنفسه: "والله لأجعله يدفع الثمن مضاعفا المرة القادمة. المهم أن أتذكر وجهه". استدار ليتجه إلى المطبخ فجاءه صوت حاتم ورأسه بارز من تحت المنضدة "أنا مش هنا يا جدو. شوف بقى أنا مستخبى فين. بس دور كتير، ما تلقانيش بسرعة". توقف مكانه ولم يكمل سيره نحو المطبخ. عليه الآن أن يذرع الصالة ذهابا وإيابا، يروح ويجيء مدة طويلة، يضرب كفا بكف، متعجبا مستفسرا " يا ترى حاتم فين؟".