أنادي البياض وأختفي

21/08/2016 - 12:54:21

صَحْبيـّا الحاج سالم - شاعرة تونسية

ماذا سأفعل هذا الصباح
فقت مكسرة العظام
وضائعة كنملة في جوف العاصفة
البارحة تركت دمعة مظلوم
تغتصب في قاعة الجلسة
تصيح وتتوجع من شبع المتآمرين
تركت وطنا يحك جرب القضاة
وجرائم العدالة التي لا تنتهى من العويل
نهضت بجسم مشوه
وباهت..
يتآكل في غليان الاصفرار
أفقت ولم أرني بعد
كانت خضرتي مهملة في السكون
لم أجد وجهي
لم أتحسس أعضاء الملكوت
كان أنفي منتفخا
ويابسا
احتبس فيه كل الهواء الفاسد
لطمته حشرات قاسية
وهربت فرحة بدمي
دمي الذي يزداد فقرا كل يوم
كانت عيوني ضيقة
متورمة من كثرة الذباب الذي شوش شبكية بحثها..
أفقت بثديين صغيرين جدا
يتكومان كرضيع حديث الولادة
جائع لحياة لا يعرف بعد بياضها
وسوادها..
حاولت أن أعرفني هذا الصباح
ولكن لم أجد مرآة في الحمام
تكسرت في يوم غابر
أكلت فيه مياه المجاري كل لعنات القدوم إلى الوجود...
بقيت عارية لدقائق أمام جثة لزجة في مغسل الأطراف
أظنها فراشة
أو كائنا يشبه نفس غريب
يقترب مني في الليل
ويربك خلوتي بوحدتي..
طرحت الكثير من الأسئلة في محراب العراء
ربما كنت أترافع
أو أهذي..
لماذا أغسل جسمي
لماذا أفركه في الشراشف التي لا تتكلم إلا بحركات الرفع
والنصب
لماذا أقف حائرة أمام ضيق الحوض
الحوض الذي يشبه القبر
أو أغنية حزينة في بيت مهجور
يقولون إن سكانا آخرين يتوسدون صك ملكيتهم للمكان
فلا تقتربوا من الخراب
ولا تزعجوا ملك النوم هناك
اتركوه وحيدا ليفرخ كائناته بطريقته التي تعجبه...
لست أدري
لماذا لا أجد راحتي في هذا الحوض
مياهه لا تكفي لأغرق
تحت رغوة الخزامى المقطرة
فقاقيع الأفكار لا تتكاثر
فقط توهمني بالخيال
الحوض يجعلني أشتهي أن أفصل جسدا آخر على مقاس عالم أقل وحشة
أرداف بشكل حمامة
صدر يعتدل في إرسال إشراقات الشهوة
يسهل عدو الغزلان والسلاحف..
وجه ممتلئ بأزهار اللوز
والرمان ..
ظهر غافل في عيون الشمس
أما بقية الأعضاء
أريد أن أراها كرحى العجائز
نحصد لها القمح
والشعير
في الشتاء نجمع لها الزيتون..
الرحى سيكون شامخا
ومنبها لكل الحواس
الروائح ستنطلق كالنجم
حرة بين السماء والأرض..
ولكني لا أقدر أن أسترسل في كل هذا الشرك
الحوض صغير
والمياه ليست مستسلمة
إنه الضيق... إذا ...
تماما كذلك المتهم الواقف بسلسلة تحدد رقم زنزانته
والسجن الذي يغذي وقته الميت
المحكمة المختصة
والقاضي المؤهل لزفر خطيئته الوجودية
أنا لا أفعل شيئا أمامهما
أحاول فقط أن أتحرر من حوض
جسمي الذي يغرقني في الأسئلة
صوتي يصبح سنونوة
حركتي تتحول إلى حشرجة مسمار في اللحم
أحاول أن أجد الوقت الذي يناسب اجتراح فرص الإنصاف
أحاول أن أقتل المسافة بينهما
أعلقها بالسقف
وأتلذذ بتعذيبها
المسافة التي تغتصبنا كل يوم
وتحولنا إلى عبيد
ولقطاء
ياه ...
يا له من صباح
أفقت.. بلا انتماء لأحد
ولم أر شيئا إلى حد هذه الدقيقة
ذلك المشهد نام في أعماقي
مارس معي الحب بوحشية
إنه العراء
لست أدري
إنه ضيم الحقيقة التي لا تنتهي
ذلك الظلم
يؤهلني لألد كائنا يشبه تنين الأساطير
مخيفا ومشوها حد احتضار الأبدية
تلك المسافة تتناسل في مخاض ميت..
وأنا لا أفعل شيئا
أبكي ككفن بائس
أجمع الأحواض لجسمي
أصففها كصوف بين أسنان المغزل
أعتني بها كقلب ينتفض في زلزلته الأولى
أغرق في الرغوة
أختنق بشهقة البحث..
نعم
ياه..
منذ الصباح أبحث عن فكرة منصفة
تنمو من تقاطع الأصوات
تجعلني لا أرى شيئا
لا أسمع ديدان صداي
فقط أنادي البياض وأختفي...