نظرة على عصر الانقلابات في العالم العربي

21/08/2016 - 12:52:38

الملك فاروق فى البرلمان يجلس على كرسى العرش مرتديا ملابس التشريفة الملكية سنة 1937 الملك فاروق فى البرلمان يجلس على كرسى العرش مرتديا ملابس التشريفة الملكية سنة 1937

د. أحمد إبراهيم الفقيه - كاتب ليبي

حول ملف العدد الماضي
يعلق د. أحمد إبراهيم الفقيه على ملف العدد الماضي، بإطلاق أحكام بعضها يحتاج إلى مراجعة، وبعضها ربما يثير سخرية قراء مصريين شهدوا نهاية العصر الملكي.. سخريتهم لا ضيقهم بوصف الكاتب لما جرى فجر 23 يوليو 1952 بأنه "المؤامرة ضد العرش المصري"، وأنه أكبر الانقلابات "وأخطرها وأكثرها تأثيرا في الحياة السياسة العربية". وهي مفارقة يلاحظها قارئ التاريخ الذي لا يعثر على تأثير خطير لأي حدث مضاد للتاريخ، في محيطه الإقليمي، اللهم إلا إذا حظي بإجماع شعبي وإقليمي يتزايد حتى بعد رحيل قادة الثورة، وانقلاب السلف على آباء الثورة.
علق الكاتب على عناوين بعض المقالات، ولم يذكر مقالا تسجيليا ذا عنوان ساخر (الحياة "الديمقراطية" قبل ثورة 23 يوليو 1952" لعبد العزيز جمال الدين.
"المحرر"
*********
أراه تقليدا نافعا، أن تخصص مجلة "الهلال" عددا من صفحاتها، لمعالجة موضوع واحد، تستوفيه من عدة زوايا، ويخرج منه القارئ بحصيلة من الأفكار والرؤى، تلقي عليه مزيدا من الضوء، وتستجلي ما غمض من جوانبه، دون أن يشكل الملف عائقا أمام القارئ الذي يريد التنوع وينتظر أن يرى مادة يتطلع إليها، تغطي الجوانب الأدبية والفنية والعلمية، ليحصل على ما يريد من مجلته.
وإذا كنت قد تأخرت عن المشاركة في ملف العدد الماضي، فلن أتأخر عن إبداء وجهة نظر في الموضوع، أستهلها بملاحظة عابرة حول الملف، وما ورد فيه من مشاركات بلغت أربعة مقالات تصدرها مقال رئيس التحرير الذي يكشف عنوانه عن فحواه، عندما يقول "قريبا من الديمقراطية التي قضى عليها الضباط الأحرار"، أما العناوين الثلاثة الباقية فهي "مصر من الثورة إلى البوتقة"، لم يكن يرى الثورة تحولا لصالح الديمقراطية، ومقال من الأرشيف للدكتور العميد طه حسين، بعنوان "ثورة 52 بعيون مصرية" ولعله من أول من أطلقوا اسم "ثورة" على ما كان يسمى الحركة المباركة، والمقالات الثلاث تتناول ثورة الضباط في مصر، ثم مقال رابع، كتبه الباحث الفلسطينى سلامة كيلة، بعنوان "نوستالجيا ديمقراطية النخب"، وهو وإن لم يقدم أطروحة مضادة للمقالات التي تنعي على الديمقراطية غيابها من هذه الثورة، إلا أن له رأيا مخالفا عن الديمقراطية في أنظمة ما قبل الانقلابات العسكرية، التي أطلقت على نفسها ثورات.
وردا على السؤال الذي يقول: هل كانت الثورات والانقلابات التي حصلت في الوطن العربي منذ منتصف القرن الماضي إلى آخر القرن، بهدف الاستقلال تعطيلا لمسيرة الديمقراطية؟ فالجواب السريع الذي يأتي بالبداهة ودون كثير تأمل وتفكير هو نعم، كانت فعلا تعطيلا للمسار الديمقراطي، احتكاما لما كان قبلها من أنظمة أطاحتها هذه الانقلابات العسكرية التي كانت بداياتها في سوريا، عام 1949، وكيف رافق القمع وتكميم الأفواه هذه الانقلابات، بينما كانت حرية القول كما تخبرنا الشواهد التاريخية، في سوريا الأربعينيات وعراق الأربعينيات، ومصر الأربعينيات، وليبيا والسودان قبل دخول العامل الانقلابي، موجودة وحاضرة.
غير أن هناك احترازا على هذه الإجابة، هو أن الديمقراطية لم تكن جزءا من المشروع المعلن لهذه الانقلابات، لأن المشروع المعلن لها، هو التحرر الوطني، ومحاربة الهيمنة الخارجية، سواء كانت أحلافا أو وجوداً عسكرياً، حتى وإن قامت هذه الانقلابات في بلدان أحرزت استقلالها، إلا أنه استقلال ناقص، كما كانت تراه النخب العسكرية المعنية بالشأن الوطني والسياسي، والمؤهلة للتآمر على قلب أنظمة الحكم، يوافقها على ذلك جزء كبير من الرأي العام، الذي قد لا يتوافق معها بالضرورة على أن الانقلاب العسكري هو البديل، وهناك قصة شهيرة عن رد فعل الزعيم مصطفى النحاس زعيم حزب الأغلبية في مصر، حزب الوفد، عندما اقترحت عليه قيادة عسكرية، استخدام الجيش في الإطاحة بالنظام الملكي، ولعل صاحب الاقتراح كان الضابط محمد نجيب نفسه، الذي أصبح رئيسا للجمهورية بعد حركة 23 يوليو، فقد رفض النحاس باشا رفضا قاطعا مبدأ أن يتدخل الجيش في السلطة، رغم أن الاقتراح جاء عند وجود أزمة مع الملك فاروق الذي كان يتلاعب بالحراك السياسي الوطني، ويؤلب الأحزاب ضد بعضها، ويعتمد في حكوماته على أحزاب الأقلية، وكان الانقلاب المقترح يأتي في سياق التمكين لحزب الأغلبية من إدارة البلاد. أسوق هذا كمثال على أن حل الانقلابات العسكرية لم يكن بالضرورة هو الوصفة العلاجية التي يؤمن بها أهل الوطنية والزعامة في تخليص البلاد من أوصابها.
ولا بد أولا من الذهاب إلى أول هذه الانقلابات التي دشنت هذا النوع من الحكم في المنطقة العربية وهو ذلك الذي حدث في سوريا عام 1949، على يد الجيش بقيادة ضابط اسمه حسني الزعيم، وكان النظام السياسي في سوريا الذي انقلب عليه حسني الزعيم نظاما جمهوريا مدنيا برلمانيا يتولى رئاسته السيد شكري القوتلي، إلا أن أزمات كثيرة عصفت به، كما عصفت بأنظمة أخرى في المنطقة، إثر الحرب التي خاضها العرب في فلسطين، وانتهت بهزيمة الجيوش العربية، وإعلان دولة إسرائيل بدعم وتأييد من الدول الغربية، وعلى رأسها دولة الاحتلال السابق بريطانيا، ثم أمريكا بفضل ما كان يمارسه اللوبي الصهيوني من نفوذ داخل دوائر الحكم، وما يقوم بحشده واستنفاره من مناصرة داخل الرأي العام، في البلاد التي تتزعم العالم الحر، كما كان المعسكر الغربي يسمى نفسه، بل لم يقتصر تأييد قيام إسرائيل على ذلك المعسكر، وإنما كان للدولة الإسرائيلية الوليدة، حظوة حتى لدى الدولة التي تتزعم المعسكر الاشتراكي، أي دولة الاتحاد السوفييتي التي لم تتأخر في الاعتراف بالدولة الصهيونية، وكانت ردة الفعل لدى الشعوب العربية، شعورا بالإحباط والخيبة، والنقمة ضد حكامها، وتأزم العلاقة بين النخب الحاكمة وبين سائر الناس، ومن هنا كانت الثغرة التي نفذ منها مجانين الحكم إلى تحقيق أغراضهم، وعلى رأسهم هذا الضابط السوري المغامر، الذي لم يكن يستطيع تحقيق السطو على الحكم، لولا دعم وتحريض وتخطيط متقن من مخابرات دولة كبرى هي أمريكا، كما يعترف بذلك السيد مايلز كوبلاند.
لقد انتهي ذلك الصراع لصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت قوة عظمي بلا منافس على الساحة الدولية كما سقطت أنظمة استبدادية وصلت إلى السلطة على خليفة ذلك الصراع وجاءت بدلا منها أنظمة ديمقراطية تمثل إرادة الشعب خاصة في أمريكا الجنوبية حيث يرجع الفضل في حسم الصراع لصالح الديمقراطية إلى النضال الأسطوري الذي خاضته الشعوب قبل أن يعود لأريحية أمريكا ورغبتها في اقتلاع أولئك العملاء المأجورين الذين جعلتهم حكاما.
المصالح الكونية لقوة عظمي مثل أمريكا هي التي تحدد سياستها وعلاقتها ببقية أقطار العالم قبل حكاية القيم الديمقراطية أو المثل والمبادئ والأخلاقيات التي يقولها المتحدث الرسمي الأمريكي لمشاهدي التلفاز وعلى مدى تاريخ طويل من الأحداث والتحولات التي شاركت في صنعها السياسة الأمريكية كانت هناك أجندة علنية تذيعها الإذاعات وتنشرها الصحف لا علاقة لها بالأجندة الحقيقية الخفية التي لا يعرفها إلا أصحاب القرار في البنتاجون والبيت الأبيض ومقر الوكالة المركزية للاستخبارات وما هذا الحديث الصاخب عن الديمقراطية المفقودة في العراق (وهي مفقودة منذ خمسة وأربعين عاما) وتحريره من أسلحة الدمار الشامل إلا الواجهة الخادعة التي تخفي خلفها أجندة تطل من شقوقها النجمة السداسية.
وانتقل من الانقلاب الذي دشن عصر الانقلابات في العالم العربي إلى ما تلاه من انقلابات وأكبرها وأخطرها وأكثرها تأثيرا في الحياة السياسة العربية كان الانقلاب الذي أطلق عليه أصحابه حركة الجيش أو الحركة المباركة قبل أن يأتي من يسميه ثورة 23 يوليو ويتم اعتماد هذه التسمية للعصر الجمهوري الذي دخلته مصر بعد عصرها الملكي الذي هيمنت فيه أسرة محمد علي، على الحكم منذ وصول مؤسسها إلى الحكم قبل ما يقرب من قرن ونصف، ولا بد من القول إن تفاعلات الحرب العربية الإسرائيلية حرب 48 كانت بالتأكيد عاملا حاسما وباعثا أساسيا على تحريك ضباط الجيش نحو هدف الإطاحة بالنظام، وأبلغ دليل على ذلك قضية الأسلحة الفاسدة التي تبنتها الصحافة، وهيجت الرأى العام، وكانت سببا في تهيئته للقبول بمثل هذا التغيير، طبعا لم تكن الحرب ونقمة الجيش سببا وحيدا، ولا عاملا أساسيا من عوامل نجاح المؤامرة ضد العرش المصري، وإنما عوامل نجاحه جاءت من تقاطع رغبات ومصالح تريد التخلص من ذلك العرش، بمن فيهم رعاة هذا العرش، لما أظهره في الحرب العالمية من ميل للجانب المعادي للحلفاء، ورغبة صريحة لمناصرة الحاكم الإيطالي الفاشي، ومن خلاله الحاكم النازي الألماني، ولم يكن الوقت مناسبا لإزاحة الملك أثناء الحرب أو عقبها مباشرة، وكان لا بد من انتظار الوقت المناسب لإزاحته، ويأتي العامل الثالث هو أن الدولة التي استلمت رئاسة دول الغرب، جاهزة لاستلام الإرث الاستعماري بأسلوب جديد ومنهج جديد.
ولكن هل كان يمكن للوطن العربي النجاة من هذه الانقلابات، أظنه كان مستحيلا حتى لو نجا من الانقلابات أن ينجو من التآمر ويترك ليحقق الإقلاع الاقتصادي والتدرج الحضاري الذي حدث لبلاد مثل جنوب شرق آسيا، لأن هناك ثلاثة عوامل تمنع أن تترك الدول الكبرى العالم العربي يتفرغ لبناء القوة، وتحقيق التنمية، ويسخر موارده لمصلحة شعوبه، وهذه العوامل الثلاثة التي يمكن العودة للحديث عنها بتفصيل أكثر هي إسرائيل والنفظ والموقع الجغرافي في قلب العالم وممراته المائية.