كيف يتحقق الشعر تحققا كاملا دون وزن أو تقفية؟

21/08/2016 - 12:51:48

محمود قرني - شاعر مصري

نعم. لاتزال قصيدة النثر تبحث لها عن أنصار. هذه ربما إجابة عن سؤال لم يُسأل. لكن المفارقة أن الإجابة تأتي ممن يفترض الواقع أنهم لم يكونوا شهداء على الميلاد الواسع والضاج لهذا النص وما تبعه من مخاضات مؤلمة. ففي عام 1956 كتب الدكتور طه حسين مقالا فريدا وشديد الجرأة في جريدة "الجمهورية" ردا على موقف شديد الرجعية في تصوراته ضد التجديد أطلقه الشاعر عزيز أباظة في المنبر نفسه.
كان رأي العميد أن أباظة مسؤول عن اعتقاده باحترام القديم والتزام جادته، ولم ير ضيرا من دفاعه عنه لكن تسفيهه لمعتقدات الآخرين وانحيازاتهم الجمالية أمر لم يكن مفهوما بالنسبة للعميد لأسباب رأى أنها ماسة بتحولات زمنية وتاريخية وكذلك ماسة بحاجات عصرية ليس شرطا أن تكون هي نفسها حاجات عزيز أباظة، كما رأى العميد أن الحق في التجديد الذي منحه الشعر لنفسه في الجاهلية وصدر الإسلام ثم عبر دولته المتتابعة في الأندلس وغير الأندلس شهد تطورات واسعة في الأشكال والمضامين، فبأي حق نكفل ذلك للقدماء وننكره على المحدثين منهم. لكن أخطر ما قاله العميد جاء حول قناعته بأن الشعر يمكن له أن يتحقق تحققا كاملا دون وزن أو تقفية عندما يقول في المقالة نفسها: "لم يعرف الشعر اليوناني القديم قافية ولم يعرف الشعر اللاتيني قافية وأتيح لكليهما رغم ذلك من الروعة والخلود ما لا يرقى إليه الشك، وتحلل بعض الشعراء الأوروبيون من الأوزان والقوافي التقليدية فلم يزر ذلك بشعر المجيدين منهم.
فليس على شبابنا من الشعراء بأس فيما أرى من أن يتحرروا من قيود الوزن والقافية إذا نافرت أمزجتهم وطبائعهم، لا يطلب إليهم في هذه الحرية إلا أن يكونوا صادقين غير متكلفين وصادرين عن أنفسهم غير مقلدين لهذا الشاعر الأجنبي أوذاك ومبدعين فيما ينشئون غير مسفين إلى سخف القول ومالا غناء فيه. فإذا أتيحت لأحدهم أو لكثير منهم هذه الحرية الخصبة المنتجة المبدعة كنا أحب الناس لشعره، وأكلفهم به، لأننا سنجد فيه ريا من ظمأ وشفاء لهذه الغلة التي تحرق نفوسنا تحريقا فما أشد ظمأنا إلى نفحات جديدة في الشعر. وما أحر تشوقنا إلى لون جديد من هذا الفن الرفيع يرضي حاجتنا إلى تصوير جديد للجمال".
هذه تصورات العميد طه حسين للتجديد في الشعر في لحظة كان يتمدد فيها النص التفعيلي المرتبط ارتباطا مشيميا بالدولة القومية، حيث كانت المنبرية عمل ذائع الصيت. وكما كانت الخطابية في الشعر مبعث اهتمام لدى كثيرين من عامة القراء فإن المضامين التي يمكن لها أن تخاطب الحواس والعقل في هدوء لا يتأتى على حساب طبيعة الشعر نفسه أخذت مرتبة تالية في الأهمية، لذلك يتبدى موقف طه حسين إلى جانب استشرافه الدقيق للمستقبل يبدو كأنه يمثل تحديا كبيرا لواقع يناهض وينافر الطبيعة المهموسة للشعر الذي يعتمد على جماليات مستحدثة تخلو من المحسنات التقليدية وعلى رأس ذلك الوزن والقافية. لذلك فإن المرء ليتملكه الاندهاش عندما يطالع مواقف المحدثين من الشعراء والنقاد الذين يعيش بعضهم لايزال بين ظهرانينا وهم ينكرون كل فضل للتجديد ويبتكرون من الأساليب ذات الطبيعة السلطوية وغير السلطوية ما يبتكرون، بهدف إقصاء المختلفين من الشعراء الجدد رغم أن ذلك لن يُزْرِ، بتعبير العميد، من شعرهم ولن ينال من مكانتهم شيئا، ولعل أبرز الأمثلة التي صادفتنا خلال السنوات الماضية تلك المقالات الخمس التي تناهض قصيدة النثر وتنفي عنها شعريتها والتي نشرها الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي بجريدة الأهرام ثم عاد ونشرها في كتابه "القصيدة الخرساء".
ولعل الدكتور طه حسين كان أجدر الناس بأن يكون أبا روحيا لشيخ النقاد الدكتور محمد مندور. فهو أحد أهم الذين سلكوا نفس النهج واستمسكوا بعرى التحديث العقلي والفكري وانحازوا إلى الانفتاح على الآخر ونقلوا عنه ما نقلوا من علوم عقلية وفكرية وسياسية وإبداعية، الأمر الذي أسهم في تشكيل عقل جديد استطاع أن يكون شريكا حقيقيا في إلحاق الثقافة العربية بركب الحداثة، تلك التي احتمت لزمن طويل بالأفكار القومية استمساكا بحماية سياسية وجغرافية كان من الطبيعي أن تمثل هاجسا كبيرا ومتعاظما صادرا من مستعمرات تقليدية، بعد أن تحولت تلك المستعمرات في الأدبيات الغربية التقليدية إلى ملعب استعراضي لكل مفردات القوة.
وقد كان المقال الذي نشره الدكتور محمد مندور في جريدة "الجمهورية" في السابع عشر من يناير 1962 تحت عنوان "نسمات من الشعر" واحدا من أعلى تمثيلات الحرية التي منحها لنا هذا العقل المنفتح والمتجدد في وقت صعب وخطر ولم يكن من الملائم فيه، على أي نحو، إعلان الانحياز لقصيدة النثر، لاسيما وأن التوقيت نفسه، كما سبقت الإشارة، كانت قد استوت فيه قصيدة الشعر الحر على عرش الشعر العربي، في الوقت نفسه كان تمدد تيار طليعي يتبني قصيدة النثر لدي "مدرسة شعر" اللبنانية يثير الكثير من الصراعات بين مركزين مؤثرين للثقافة العربية هما بيروت والقاهرة. غير أن ذلك لم يكن يعني شيئا بالنسبة للدكتور مندور سوى كونه تعزيزا من ناحية لوضعية القاهرة كمركز من مراكز إنتاج الاستنارة والتقدم ومن ناحية أخري كمركز للتجديد وقبول التنوع والتعدد رغم اختلاف رؤية الدكتور مندور لقصيدة النثر عن تلك الرؤية في لبنان.
فالمتابع سيجد مقدمة ديوان "لن" للشاعر "أنسي الحاج" قد اعتمدت اعتماد كليا على المرجعية الغربية وهو ما كشفته الترجمات التالية لكتاب "مقدمة لقصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا" للناقدة الفرنسية الشهيرة سوزان برنار، وهو أمر كان له تأثيرات شديدة السلبية فيما بعد لاسيما في التأثيرات الغربية على النص العربي. أما الدكتور مندور فقد انطلقت رؤيته لقصيدة النثر من واقع إيمانه العميق بالجمالية العربية التي لم تهمل دور اللغة ولا طاقاتها التخييلية كما لا تنكر عليها أدواتها من المحسنات. ولعل وعي مندور المتقدم والأبرز بتطور الشعر على مدار التاريخ والذي بدا جليا في كتابه المهم "فن الشعر" مكنه من تشكيل موقف أقرب إلى العقائدية تجاه قضية التحديث. وقد أشار مندور إلى تلك القضية المتشعبة في فن الشعر عندما تناول بالتحليل رؤية الفيلسوف "فيكو" التي تدور حول أن محور الأدب في التاريخ الإنساني تطور بشكل منطقي فرضته صيرورة تاريخية فانتقل من البحث عن الآلهة وتقديسها، إلى تقديس الأبطال الأسطوريين، ثم وصل في عصور الحداثة إلى الإنسان. ويبدو انحياز مندور لتلك الرؤية في جوهره انحيازاً للإنسان أولا، وانحياز لحاجات تلك الذات المسحوقة ثانيا، باعتبارها محورا للعالم، وهو ما يفسر انحيازه للأدب الواقعي واحتفاءه به على أكثر من صعيد، وربما لتلك الأسباب كان الدكتور مندور واحدا من كبار منظري ثورة يوليو فكريا وسياسيا حيث تعاظمت في ظلالها قوة وحضور الفنون المرتبطة بالواقع وإنسانه، من هنا كانت رؤية الدكتور مندور المتحفظة على المناهج القديمة المؤمنة، في الوقت ذاته، بالتجاوزات التاريخية التي رسختها المدارس الأحدث، غير أنه ظل مؤمنا بالغنائية كواحدة من مفردات النص الشعري الرئيسية، وهي من القضايا الخلافية الكبرى حتى يومنا هذا، غير أن الواقع أكد بما لا يدع مجالا للشك أن موقف مندور المنحاز للغنائية كان صائبا تماما. ففي المقابل مثلا، كان شعراء قصيدة النثر بداية من مدرسة شعر يظاهرون الغنائية العداء، إلا أن منجزهم لم يتخل، في أية لحظة، عن تلك الغنائية، رغم الشعارات الواسعة والطنانة التي أطلقوها في أحاديثهم النظرية.
كانت مقالة مندور "نسمات من الشعر" 1962 أول منشور نقدي عملي ينقل حلم طه حسين بالتجديد الشعري إلى الواقع التطبيقي، ولا يجب أن ننسى هنا أن مقدمة لويس عوض لديوانه "بلوتولاند" كانت هي الأخرى تمثل إطارا ثوريا شديد الطليعية في الدعوة إلى ثورة دائمة علي الثوابت الجمالية للقصيدة العربية وكان ذلك سابق لموقفي طه حسين ومحمد مندور حيث صدر ذلك الديوان عام 1947. غير أن الفارق بين العميد ومندور هو ذاته الفارق بينهما وبين مقدمة أنسي الحاج، حيث يتبدى موقف أنسي وعوض أكثر ثورية فهو يمثل دعوة مباشرة لهدم الثوابت والثورة عليها أما موقف مندور وحسين فهو دعوة للبناء على منجز السابقين من هنا بدت معقولية موقفهما وشيوعه ومن ثم وضعه موضع الاعتبار.
مقالة مندور "نسمات من الشعر" تناولت ديوانا لواحد من رواد قصيدة النثر في مصر هو الشاعر "حسين عفيف" الذي صدر وقتها تحت عنوان "الأرغن". يتأسى مندور على التحاق المحامي حسين عفيف بسلك القضاء حتى وصل إلى منصب المستشار ثم توقفه عن إصدار دواوين جديدة، حتي صدر ديوان "الأرغن" فتجددت بذلك أواصر علاقة قديمة نشأت بين مندور إبان دراسته الجامعية وبين دواوين عفيف. يربط مندور بين شعر جبران خليل جبران كواحد من رواد الحداثة الشعرية والنثر العربي وبين حسين عفيف، وفي وصف فتنته بشعر عفيف يقول مندور: "كنت أحس بأن هذا الشعر المنثور يعتبر من أجمل الشعر رغم أنه غير منظوم كغيره من الشعر العربي التقليدي، ولكنني كنت عاجزا عندئذ عن تبرير اعتباري له شعرا رغم خلوه من النظم حتى تقدمت بي السنون واتسعت قراءاتي فعثرت على ما يبرر إحساسي على أساس فكري سليم، عندما رأيت أرسطو كبير فلاسفة البشر يؤكد في كتابه عن الشعر أن النظم ليس هو الذي يميز الشعر عن النثر، وإنما الذي ميز الشعر عن النثر هو مضمونه والملكات النفسية التي يصدر عنها كل منهما". ومن هنا تأسست رؤية مندور الذي أشار في غير موضع في كتابه "فن الشعر" إلى أن الوزن والقافية ليسا مناط الشعر ولكن الشعر لغة تمتاز بالكثافة وتفارق التحليل والتقرير كصفتين ملازمتين للنثر. ورغم تحفظات مندور على موقف أنصار الشعر الصافي الذي بدا معاديا للغنائية إلا أنه استمسك بموقفه لأنه ظل يرى أن "الموسيقى لا يمكن أن تكون دخيلة على الشعر بل وسيلة أصيلة ونابعة من اللغة ذاتها للتعبير عما تعجز دلالات الألفاظ التقريرية عن التعبير عنه من ظلال المعاني وألوانها".
وموقف مندور من الغنائية هنا ليس جديدا تماما فقد عالجه بشكل أكثر عمقا في كتاب "نظرية مندور النقدية" الذي أعده وقدمه الدكتور طارق مندور وصدر عن هيئة الكتاب عام 2013، وهو كتاب جامع ومرجعي ويبدو تطويرا دقيقا للمرجع المهم لمندور "النقد المنهجي عند العرب". يشير الدكتور مندور إلى قضية الإيقاع باعتبارها إحدى أهم مظاهر الغنائية في الشعر ورغم أنه كان بصدد الدفاع عن قصيدة الشعر الحر التي كسرت حدة الرتابة في القصيدة التي تؤمن بوحدة البيت إلا أن وصول حديثه إلى منتهاه سيمس عمليا تلك القناعات التي قامت عليها قصيدة النثر، وفي ذلك يفرق مندور بين القصيدة التقليدية القائمة على وحدة البيت التي يراها تصلح للإلقاء في المحافل وعبر المنابر وبين القصيدة الهامسة التي لا يبرز فيها الإيقاع، وهي قصيدة في رأيه تصلح للقراءة بأكثر مما تصلح للإلقاء، وهو تصور بات ينطبق علي قصيدة النثر بأكثر ما ينطبق علي قصيدة التفعيلة التي آمنت بوحدة التفعيلة واستخدمت ما يسمى بالبحور الصافية وتركت البحور المركبة بسبب طبيعتها التي تناقض الاسترسال وتحد من حركة الشاعر بين السطور الشعرية.