هل نحن أمة تفضِّل القتال على الجدال؟

21/08/2016 - 12:50:51

سعيد بودبوز - كاتب من المغرب

ليس من قبيل البلاغة المحضة أن يوصف الفكرُ المتخلِّفُ بـ"التحجُّر"، ففي الواقع هناك خاصية صلبة وعميقة مشتركة بين "الفكر" و"الحجر"، فلو قضيتَ دهرا من الظلمات مع حجر ساكن بارد، ما استطاع إلا أن يبدو لك حجرا، ولكن لو حدث أن صدمته بحجر آخر، عند ذلك سيتغير في رأيك ويغدو حجرا راجحا، لأنه بفضل صدمه بحجر آخر ستشتعل النار وتنير الظلام حولك. وكما أن الحجر لا يُنير إلا إذا اصطدم بحجر آخر، فكذلك الفكر لا ينير إلا إذا اصطدم بفكر آخر، وهذا هو "الجدال".
عندما يتصدَّى مفكر لآخر بالنقد الشديد والمفصَّل، يضطر المفكر المنقود إلى الدخول في واحدة من تجربتين لا ثالث لهما؛ إما أن يَصدر منه ما يثير إعجابه واستغرابه (هو قبل غيره) من الأفكار العميقة، البناءة، الجادة، والنيرة، وإما أن يشعر بأنه جثة هامدة. وفي كلتا الحالتين تستفيد الأمة، وتتقدم ثقافيا وفكريا وعلميا؛ إذا ارتفع مستوى المفكر الذي تعرَّض للجدال والنقد الجادَّين، فسيفيد الأمة بأفكاره الراقية التي انقدحت من ذهنه كما تنقدح النار من الحجر. وإذا أرداه النقد الجادُّ جثة هامدة، ستستريح الأمة منه ومن خرابشه، بهذا تكون الأمة قد استفادت في كلتا الحالتين، وهكذا حتى يحيا من يحيا عن بينة، ويموت من يموت عن بينة، وإلا فينبغي أن نعترف بأننا أمة تتصدَّر مشهدها الثقافي والفكري نخبةٌ من المُحنَّطين والمنحطين، يُلقون أكثر مما يتلقَّون، ويُحدِّثون أكثر مما يتجادلون، ويحاضرون وهم فكريا يُحتضَرون.
ويجدر التوضيح بأنني لا أتحدث هنا عن "التحنيط" و"الانحطاط" بالمعنى الأخلاقي، وإنما بالمعنى الحضاري/الثقافي/الفكري، فالمحنَّط عندي هو ذلك المؤلف الثرثار ذو القلم المدرار الذي أوتي من الطاقة على التكرار والاجترار ما يجعله مستعدا لإعادة تأليف جميع أمهات وبنات الكتب القديمة، إلا أن يأتينا بشيء جديد. أما المنحطُّ، فهو ذلك الذي لا تكاد تعرف ما إذا كان متعرِّبا، أو متفرنسا، أو متنجلزا، فهو إذا ناقشتَه بالعربية ، تلعثم بحجة أن المسَّ قد أصابه من "هوجو"، بحيث يضطرُّ لفكِّ العقدة من لسانه ببعض الكلمات الفرنسية، وإذا ناقشتَه بالفرنسية في قلب فرنسا، تلعثم بحجة أن اطلاعه الواسع والعميق على الشعر العربي، وما جاء به الخليل، وسيبويه، والجرجاني، والجاحظ يدفعه لسدِّ ثغرةٍ ما بلسانٍ عربيٍّ مبين لعلَّنا نعقل.
وهكذا؛ إذا ناقشتَه حول الأدب الفرنسي، مالَ بك إلى الأدب العربي. وإذا ناقشتَه حول الأدب العربي، مالَ بك إلى الأدب الفرنسي، إذ يتصرَّف كحصان امرئ القيس؛ مكر مفر مقبل مدبر معا.. وصفوة القول أن هذا الصنفَ من المؤلفين غير قادر حتى على التكرار والاجترار كما هو شأن الحافظ المُحنَّط، لكنه، مع ذلك، شديد الحضورِ في معظم المهرجانات والمنابر الثقافية، فهل بمثل هذه الأوضاع تتقدم الأمم؟ لنعد قليلا إلى الوراء، حيث كان يُقال بأن الأمم المتحضرة والمتقدمة حاليا كانت تنهل من علوم وأفكار أجدادنا، فكيف استطاعت الأمة الإسلامية أن تبلغ ذلك المستوى؟ وكيف بلغت اليومَ هذا الدرك الأسفل من الرداءة والسطحية والضحالة، حيث أصبحنا نقرأ كتبا ومقالات تثير الغثيان من فرط عقمها وتفاهتها؟
إن السرَّ في هذا وذاك هو "الجدال"، فهل نحن أمة تفضِّل القتال على الجدال؟ يبدو أن هذا السؤال صعبٌ وعصبٌ في نفس الوقت؛ فبقدر صعوبته، تبدو عصبيته مدخلا لاستشعار ما ينشده الجدال من البقاء، وما يدشّنه القتال من الفناء. لقد نسي المعنيون بالأمور، أو تناسوا، فاستنسوا بأن الجدال هو العصب الرئيسي لانتعاش الفكر والثقافة، وبالتالي فهو مدخل رئيسي إلى تقدم الحضارات وازدهارها. لقد نبذنا الجدال، فصارت ثقافتنا شبه حولاء وعرجاء في كثير من أحوالها وأوحالها، ذلك لأن إصرار السيف على مبارزة القلم في عالمنا العربي والإسلامي للأسف الشديد، لم يكتف بسفك الدماء، بل سفك المداد أيضا، وإلا فكيف لأمة تقتل المجادلين تارة باسم الدين، وتارة بسمّ الدنيا، وتارة بسموِّ الدولة، أن تنبي مستقبلها الثقافي والفكري؟
لو عدنا إلى الازدهار الفكري والحضاري الذي حققه الإغريق منذ قرون، لوجدنا أن السرَّ الذي يميزهم عن غيرهم هو "إباحة الجدال"، كما بيَّن ذلك "ريتشارد إي" في كتابه "جغرافية الفكر"، وأن المسلمين القدامى لم يتقدَّموا لأنهم أخذوا الفكر الإغريقي، بل تقدّموا لأنهم ورثوا عنهم الجدال! أي أخذوا عنهم "المنهج" الذي به يستطيع الإنسان أن "يُنتج" المعلومة و"يبتكر" الفكرة بدل أن يكتفي باستهلاكهما، ولقد كان تقدم المسلمين فيما مضى بحجم ما سمح به سلاطينهم من الجدال، فأين نحن الآن من أمثال ابن سينا، ومصارعه الشهرستاني، ومصارع مصارعه الطوسي، وأمثال الغزالي، ومصارعه ابن رشد، وغير ذلك من المصارَعات بين الأفراد والمدارس، كما هو شأن مدرستي الكوفة والبصرة، حيث تمكَّنت اللغة العربية من بلوغ ذروتها من خلال مدرسة البصرة بقدر ما اعتمدت هذه المدرسة على المنهج الإغريقي.
فما بلغ المسلمون ذلك المستوى العالي في علم الكلام والفلسفة وعلوم اللغة وبلاغتها والفقه والأدب وغيره، إلا بفضل ما سُمح به من الجدال بينهم، فتصوَّر أيَّ درجة كان يمكنهم بلوغها في التقدم والرقي والازدهار لو أنَّ حُكامهم وسَّعوا أكثر من ذلك على علمائهم ومفكريهم، لكن- وللأسف- إلى جانب السيف الذي كان بالمرصاد لكلِّ من سوَّلت له نفسه أن يعبر عن رأيه في الدولة أو الدين خصوصا، سرعان ما ظهر سيف ثقافيٌّ يتمثل فيما يمكن اعتباره "فوبيا" المؤسسات الثقافية قوامها الرعب من الجدال والتطيُّر منه، وهذا هو السائد في عالمنا الثقافي اليوم؛ فما إن ترسل مقالا مجادلا لمنبر، أو مؤسسة من مؤسسات النشر، حتى يعتذروا لك عن نشره معبرين عن عدم استعدادهم لفتح باب الجدال، فهم يريدون أن يربحوا بصمت، وتشتهر منابرهم بصمت، دون أن تصدع بصوتها، ولا بأس من الرداءة مادام القارئ العربي مازال يتسلى بقراءتها عندما لا يجد عنها بديلا.
وكأن مثل تلك المؤسسات أو المنابر تخشى- إن سمحت لمطرقة النقد والجدال- أن تخسر المساهمين فيها، مع أن المفكر الأصيل لا يفرُّ من ساحة الجدال، بل يُقبل عليها بقلب الأسد، فانظر الآن إلى معظم المُقَيلات والدُّرَيسات التي نقرؤها في الصحف والمجلات والكُتيبات، انظر إلى أيِّ درك وصلتْ من الكسل والسطحية والضحالة والتكرار والاجترار، فوالله إننا بتنا نقرأ مقالات ونحن نتساءل؛ هل ثمة شريحة معينة من القراء تطالب فعلا بنشر مثل هذه المُقيقلات؟ أين المقالات من عيار الكندي والفارابي وابن سينا والشهرستاني والطوسي وابن رشد وغيرهم؟ مع الإشارة إلى أنني لستُ أدعو أحدا إلى مذهب أحدٍ، ولكني أدعو إلى "المنهج" فقط، وإنني أرى أن محاربة أهل الجدال، ومنع المقالات الجادة التي تدعو إلى تطهير الساحة الفكرية والثقافية من الرداءة والسطحية والتثاؤب الفكري، هي المسئولة عن هذا الطوفان من الرداءة، فيا سيدي الكاتب كيف تلُمني وتنعتني بـ "العازف على القراءة" إن كنتَ حقا تدرك غور الحضيض الذي بلغه الكِتاب العربي والمقال العربي الحديث، إلا بعض الاستثناءات طبعا؟
إذا قرأتُ مئةَ مقال ولم أستفد شيئا، ثم قرأتُ مئةَ كتاب وازددتُ جهلا على جهلي، بدل أن أعلم أو أفهم أشياء، فمن يضمن لي بأن وقتي مع المقال القادم، أو الكُتيتب القادم، لن يذهب سدى؟