سمير رافع .. الوصول إلى الأجداد بالانتصار على الزمان والفراغ

21/08/2016 - 12:50:08

شذى يحيى - كاتبة مصرية

"الفنان في حياته لا يستطيع إلا أن يكتشف عالما واحدا له طريق واحد، لا يمكن أن يكتشف كل يوم عالما جديدا.. الفنان الأصيل مثل كريستوفر كولمبس.. هو الذي يسلك طريقا جديدا ويكتشف في نهايته عالما جديدا". كلمات قالها النحات الكبير ألبرتو جياكومتي في أحد حواراته مع الفنان المصري المرموق سمير رافع واصفا بها عالم الفنان الحقيقي، ومغامرة الطريق الذي يمشيه للوصول إلى عالم مبهر يرغب الفنان أن يدهش به المتلقي. وكان جياكومتي فنانا حقيقيا يتكلم عن عالمه الذي اكتشفه كما كان محدثه سمير رافع (1926 ـ 2004) مثله فنانا أصيلا ومكتشفا حقيقيا شق طريقا طويلا بالبحث والدراسة والتحصيل وتطوير التقنية والعمل الجاد وصنع عالمه لذلك استحق أن يصفه جياكومتي بأنه "من فصيلة الفراعنة يحب القوة والدوام في الخامات التي تصمد في الفراغ وأمام الزمن".
واحتفاء بفن سمير رافع ينظم جاليري بيكاسو من 3 يوليو حتى 3 أغسطس 2016 معرضا لبعض من أعماله تتنوع ما بين خامات الزيت والباستيل وعدد كبير من الاسكتشات انتجت منذ بدايات الخمسينيات حتى ثمانينات القرن العشرين.
سمير رافع واحد من أهم فناني جيله، ترك أثره وبصمته على الفن المعاصر منذ بداياته المبكرة جدا، حيث أقام معرضه الفردي الأول عام 1943 وهو دون السابعة عشرة في مكتبة قطان بالقاهرة، وأتبعه بمعرض ثان عام 1944 في مكتبة سميث، كما شارك في معارض جماعية مثل معرض "الفن الحر" عام 1945 قبل أن يقيم معرضه الشهير في نقابة المحامين عام 1951، وهو محق في أن يقول عن نفسه: "إذا كان هناك في مصر شخص يستطيع الكتابة عن خبرة مباشرة وموضوعية عن مجموع الحركات الفنية المصرية بين عامي 1942 و1954م فهو أنا". هذه المرحلة من حياته كانت الأكثر ثراء في التعليم والانفتاح على كل الاتجاهات الفنية بالفعل فمنذ التحاقه بالمدرسة الثانوية عام 1942 وبعدها الكلية الملكية للفنون الجميلة قسم الزخرفة كرس رافع نفسه لفنه ولدوره الاجتماعي في محاولة إنتاج فن يضع أسسا لمدرسة مصرية في التصوير، آمن بأن الفنان هو ترمومتر مجتمعه وكتب هذا في مقالة نشرها في مجلة الفنون الجميلة العليا الصادرة في الكلية وهو طالب في السنة الثالثة، فقد كان مؤمنا بدور الطبقة المتوسطة التي ينتمي إليها في تغيير المجتمع، ويرى أن فنه هو أداته وطريقه للمساهمة في هذا التغيير، وأن هذا لن يتم إلا إذا أوجد أسلوبا مصريا مستلهما من حضارتنا، بعيدا عن التأثيرات التي كان يراها سلبية في تلك الفترة للفن الكلاسيكي، وكما فهم الدور الاجتماعي لفنه فهم أيضا مبكرا جدا أن وظيفة الفنان الحقيقية أن يقيم دعائم الوجود الخاص به متجاوزا الوجود الذي نعرفه، أو نظن أننا نعرفه، ليحاول بهذا أن يكتشف المعنى الحقيقي للكون، هذا هو ما عناه الكونت دار سكوت، وهو ناقد بلجيكي، عندما كتب عن أعمال سمير رافع في عام 1951 "إن الأشخاص وأوضاعها وملابسها التي ترتديها والإطار المحيط بها لا تميل إلى المظاهر الزائلة للوجود ولا إلى تموضعها في مواقع محدودة، هناك نوع من السمو يسكن هذا العالم المنحدر من إبداع سمير رافع... تتحقق هنا وحدة العمل (المكان والزمن) التي نادت بها الفنون الكلاسيكية غير أن هذه الوحدة الباردة ليست هنا أقل إنسانية لأنها آتية من مصادر الطبيعة، بل لأنها ذائبة في بوتقة الجمال ومعاد تشكيلها بنظام".
لم يترك سمير جماعة فنية ولا أستاذا في الفن إلا وتتلمذ على يديه وتعلم منه، على حد قوله، منذ أستاذه الأول حسين يوسف أمين، مرورا ببيكار وأحمد عثمان، كما كان مع كامل التلمساني وجورج حنين في جماعة "الفن والحرية" منذ البداية حتى عام 1945. ويقول إيميه عازار "أعطى سمير رافع نفسه كلية للسريالية وأنتج في هذا الاتجاه الجديد في مصر بعض اللوحات الجادة ولكنها تفتقد قليلا العنصر الأساس للوحة: اللغة الإيحائية للون المرتبطة بود بالخطوط العريضة التي تشكل التكوين الأولى بالإضافة لتركيز انتباهه على الجانب الأدبي للموضوع"، وفي عام 1953 قال عازار: "لقد تورط سمير رافع في السريالية لأنها كانت موضة ولكنه لم يألفها أبدا بجدية وما كاد يشعر بالفائدة من التخلص منها حتى انتهز هذه الفرصة". والحقيقة أن سمير رافع منذ البداية لم يكن سرياليا بالمعنى الحرفي للسريالية بل دائما ما كانت رموزه وشخوصه مرتبطة بالواقع الاجتماعي والحياتي أو بالفلسفة ودائما ما كانت لديه فكرة فلسفية حتى في لوحته الزمن التي رسمها مرة عام 1945، ثم رسمها مرة أخرى عام 1955، ترى الزمن الثابت في وسط المتغيرات، الزمن الذي رآه سمير فاصلا بين الخطأ والصواب وملتقى التناقضات، فرسمه من وحي الحياة على حد قوله، لذلك عاد عازار وكتب عام 1953 أن "سمير رافع هو الشخصية الأكثر ارتباطا بالتصوير المصري المعاصر نجد فيه الاتجاهات الأكثر تنوعا، تأليف معتبر بين تعاليم أساتذة باريس والعلامات الأكثر وضوحا للتصوير الجداري الطيبي، قوة تشكيلية تعبر عن نفسها أحيانا في ديناميكية شديدة وتثبت الموهبة الأكيدة لهذا الشاب الذي لا تقف أمامه مشكلة فنية بلا حل". وهو بهذا يتفق في الرأي مع دار سكوت عندما قال: "هذه العالمية المقصودة عن وعي أو غير وعي تسمح لنا أن نتعرف في سمير رافع على واحدة من العناصر الأكثر أهمية في الجيل الصاعد في مصر".
كان دار سكوت يرى أن تعريف فن سمير رافع بالتصوير الحديث لا يكفي وأنه مجدد للفن الكلاسيكي، أيقظت السريالية في ضميره أصداء عابرة مكنته من تحرير نفسه، لكن العامل الأهم المؤثر في فنه هو الحالة الاجتماعية القلقة وثوراته النفسية في مجالاته الحسية، ومشاعره تنعكس في أعماله وتنصهر مع الزمن "إن عالم سمير رافع ينبثق من الأرض ويجد مصدره الأساس في الطبيعة نفسها"، فكانت هذه العالمية نتاج لاستطاعته التوفيق بين تيارين يتنازعان الفن في القاهرة في الأربعينيات والخمسينيات.. تيار الانحياز للفن الحديث ومدرسة باريس الذي تبناه جورج حنين ورمسيس يونان، وتيار إحياء التقاليد الفرعونية والمصرية الشعبية الذي اعتنقه أحمد عثمان أستاذ سمير رافع الذي يقول عن ذلك: "لقد مكنني إنصاتي لكل من أصحاب التيارين من أن أجمع بينهما في وعي، وأن أعاني بعد ذلك من هذا الجمع كل المعاناة".
استطاع سمير رافع خلال المعاناة التي يتحدث عنها أن يطور أسلوبا فنيا مميزا ارتكز على بنائية النحت الفرعوني، ويتقاطع مع التنظيم الهندسي الإسلامي للعناصر وترتيب المفردات الزخرفية، وأضاف للتكوين ديناميكيته القوية، فقد فتن بالفن الفرعوني والنسب الرياضية الذهبية التي استخدمت في بناء المسلات والأهرام حتى أنه نقل هذه النسب لأجساد النساء وبناء اللوحات، وكان مدركا للعالم الجديد الذي يخلقه في خطابه لصديقه الصحفي دي كورساك حين كتب له: "إن التطور الحقيقي في الرسم ليس اختراع أساليب جديدة في العمل كالتنقيط، أو عمل بقع على الرسم، ولكن في العالم الجديد الذي يجعلنا نكتشف اللوحة"، هذا العالم الذي يخلقه سمير رافع لم يكن مجرد تحويرات واستلهامات لبناء وكتل، بل كانت فلسفة ورؤية، كان مؤمنا بأن المادة هي التي تخلق الفراغ وأن حركتها هي التي تخلق الزمن، كما كان يرى أيضا أن الحجم والخط القاطع في تماثيل أبوالهول وصرحية الأهرام وشموخ المسلات هو تعبير عن الصراع بين الفراغ الذي يحاول تدمير الأحجام وبين حجم المادة نفسها التي تحاول تأكيد نفسها فيه، فكرة عبر عنها في مذكراته عن جياكومتي والتي نشرت في مجلة "الهلال" عام 1968 إذ رأى سمير في هذا الصراع الخارجي نوعا من الجدل الذي يدور بداخله هو كفنان، ومن خلال فهمه لهذه الحركة الدائرية الجدلية للوجود عبر تحرك الزمن استطاع أن يظهر لنا بحدود رؤيته وقدرته التقنية العمق والحجم والكتلة، واستطاع باستخدام الألوان والعجائن اللونية أن يرينا كيف يمكن لهذه الألوان أن تولد امرأة وحيوانا وبيتا وشجرة، وكيف يمكن بالألوان أن يزيد من ديناميكية الحركة في اللوحة، فالفنان الحقيقي لا يقلد مظاهر الطبيعة، فلعمله الفني استقلاله الذاتي، ولكن العوامل الحضارية والتاريخية هي أيضا ضرورة لفهم مضمون الفن المعاصر.
بهذه الرؤية الجبارة استطاع رافع أن يوفق بين الاتجاهين المتنازعين، وهو ما بدا بشكل أكثر وضوحا في أعماله التي أعقبت سفره لباريس عام 1954 على وجه الخصوص، وكان ذلك عقب عرضه لمجموعة من أعماله في بينالي فينيسيا حتى أن الناقد عبد السلام الشريف وصف أعماله المشاركة في معرض الربيع 1961 "بأنها أكثر اتزانا وتعقلا واقترابا من مجتمعنا"، ربما لأنه على حد قول صديقه بيكاسو إن الفنان يصبح أكثر اقترابا من وطنه وهو بعيد عنه، وربما لأن سفر رافع إلى باريس خلصه من كثير من أفكاره السلبية عن الفن الأكاديمي، وكونه أداة استعمارية، وجعله أكثر احتكاكا بالفن العالمي والفنانين والفلاسفة الأوروبيين بشكل مباشر دون وسيط، فرأى "هذا الفن ذا القواعد والضمانات يمكن أن يكون حيا من حين لآخر، حيا إذا اكتشفنا أثناء الطريق أشياء جديدة لم تكن معروفة بحيث تعمل على زيادة اتساع الطريق وتضيف عناصر جديدة لنقطة الوصول"، فلم يعد يرفضه بالكلية وساعد في هذا أيضا إيمانه بمنهج التأثير والتأثر فقد كان يرى أن الفن "كله مبني على منهج التأثر والتأثير"، سواء تأثر الفنان بما حوله وبتراثه وبرسالته، أو تأثر المتفرج الإيجابي بالعمل الفني ومستوى حساسيته وذكائه ومعرفته، فالتأثر من وجهة نظر رافع "ليس عيبا بل هو ضرورة وظاهرة طيبة مطمئنة إذا كنت على مستوى كاف من الحساسية، إن التأثر السليم هو دليل على الشخصية الكبيرة"، ولهذا لم يخجل من التأثر ولم يقاومه طوال حياته التي قضاها متعلما باحثا ومطبقا لكل ما هو جديد، فأعاد رسم موضوعاته عددا من المرات مثل لوحة "الزمن" 1945، ثم 1955، ولوحات (زوجان) (العائلة) (الرجل والطائر) (المرأة والكلب) وغيرها فقد كان يحلو له أن يعود أكثر من مرة للموضوع نفسه، ليختبر تغير رؤيته له، كما كان يحلو له أن يعيد رسم المواضيع الشائعة بأسلوبه ورؤيته وألوانه لكنه دائما ما تميز بالبناء الصرحي للوحته، والخطوط الثقيلة القاطعة المحددة للأشكال التي تبعد عن الظلال، كما ظل وفيا للتصوير الفرعوني خاصة الطيبي منه في تنحية البعد الثالث وفي البناء المعماري للوحاته ذات الخطوط القوية القاطعة التي وصفها الناقد أحمد فؤاد سليم بأنها "كمثل السلك المكهرب.. مشحونة بالوجد على السطوح البكر"، فرغم استعماله لأكثر من بالتة لونية على مر حياته تراوحت ما بين الألوان المونوكرومية قبل سفره والرمادية في بداية إقامته بفرنسا ثم الألوان المضيئة الساطعة بعد ذلك، كما تراوحت بين اللون النقي والعجائن اللونية، إلا أنها ظلت مساحات مضيئة تشع ببريقها المضيء مثل تلألؤ الضوء على صفحة النيل في يوم مشمس، فقد كانت نظريته للون "أنه يقوي قدرة الشكل على مقاومة العوامل الخارجية المحيطة به، وأن الشكل الأبيض أكثر قدرة على الاندماج في محيط الفردي والضوئي من الشكل نفسه إذا كان أحمر اللون"، لذلك قال لجياكومتي إنه لا يحب التماثيل الملونة، أما في لوحاته فالألوان جزء من الصراع بين الشكل والفراغ، لذلك كانت على حد قول دار سكوت واصفا ألوان رافع "درجات نقية ذات شخصية مصرية وروح عالمية".
في باريس أيضا عشق سمير الرسوم على الخامات الرخيصة كورق المناديل في المطاعم والأوراق البيضاء وصفحات الجرائد الاسكتشات المجردة البريئة، طور رؤية أن العمل الفني أصبحت قيمته تقاس بقدر ما فيه من انطلاق في التعبير التلقائي الحر المرتجل Improvisation متكاسلا أو عنيفا سريعا أو بطيئا، والفنان المعاصر لا بد أن يشعر عند الأداء الفني باحترام للصفحة البيضاء، وقد أنتج رافع عددا هائلا من الرسوم من هذا النوع اتسمت بالتنوع الهائل في معالجة الخط والتشريح وكذلك بليونة كبيرة لا نجدها في لوحاته الأخرى.
مع كل هذا التنوع وكل هذا الثراء يظل سمير رافع طوال طريقه ومشواره فنانا رائدا ومجددا متعلما ومعلما إضافة للفن التشكيلي في العالم، وعلامة على طريق مدرسة مصرية أصيلة في التصوير، سار طريقه الذي استكشف محطاته بكل زخم، ووصل إلى عالمه الخاص الذي تركه لنا لنتعلم منه كيف نصنع عوالم إبداعنا، ذلك العالم الذي أحيا فيه رغبة الآباء في الانتصار على الزمن، وفي جملة واحدة جامعة لجياكومتي لخص سمير قائلا: "إنك كأجدادك تفضل الشكل الذي يريد الانتصار على عوامل الزمان والفراغ، أما أنا فأفضل الأشكال التي تطيع هذه العوامل وتتأثر بها".