شفيق شاروبيم أحد الرواد المنسيين في الفن المصري

21/08/2016 - 12:49:21

مجدي عثمان - فنان وناقد مصرى

عندما قرأت جملة "إن اللوحة الممتازة تتحدث عندما يتوقف الفنان عن الكلام أو أن اللوحة الجميلة تتلامس مع روح الإنسان عندما يعجز الفنان عن الكلام"، بادرتني الذاكرة بأحد المواقف التي حدثت حينما طلب الحاضرون بإلحاح من "محمود مختار" الكلام فى إحدى حفلات تكريمه فتلعثم وقال: "الفنان.. الفنان.. الفنان" فبدأ الحاضرون في الضحك ليستجمع مختار شجاعته، وينطق بعبارة "الفنان لا يعرف أن يتكلم، بل هو يفصح عن نفسيته بعمله لقد انتهيت"، ذلك كما جاء في رسالة مدرسة الفنون الجميلة العليا في عددها الأول في يوليو 1935.
فهل كانت أفكار ذلك الجيل متفقة أو واحدة تجاه الفن؟ هل تأثروا بمناقشات بعضهم البعض، خاصة وأن فناننا المنسي – رسميا – "شفيق شاروبيم" (1894 ـ 1975) قد صادق مختارا، وأسسا معا، ضمن آخرين، جماعة "الخيال" وشاركا في معارضها التي كانت تقام في مرسم المصور روجيه بريفال في بيت قديم بشارع الأنتيكخانة (كريم الدولة). كانت جماعة "الخيال" تتفق على الفكر المتقارب الداعي إلى فن قومي يسجل ملامح مصر في النحت والتصوير، واستمر وفيا لذلك الفكر بعد أن تفرقت الجماعة بسفر مختار عن مصر، أوائل الثلاثينيات، مع عودة بريفال إلى باريس بعد أن ترك التدريس في مدرسة الفنون الجميلة العليا بالقاهرة.
كان فنان الرعيل الأول يصاحب للفن حبا، وقومية أحيانا، دون خفاء لعداوة، زادت أو نقُصت لكنها تبتعد عن "فكر المؤامرة". وشفيق شاروبيم أحد هؤلاء، لا يرضى تاريخ فننا أن يذكره، إلا من إعداد قصدي هنا أو هناك في تكريمات عائلية، خاصة من قبل ابنته مريم، فعلى قدر مشاهدتي لأعمال الكثيرين من الراحلين، غير أنني لم أجد إلا القليلين ممن يهتمون بميراثهم الفني بهذه الطريقة، بدءا من التحدث بفخر، حتى ترتيب الأعمال والحفاظ عليها، يتوسط ذلك أرشيف جامع مرتب في علب بلاستيكية مصونة باهتمام.
ولا أقول عن شاروبيم مثلما قال بدر الدين أبو غازي: من جيل الهواة الذين استولى عليهم حب الفن، هو مثال لأبناء الأسر الميسورة الذين كانوا يتعلمون الرسم هواية في بيوتهم أو في ظل المعلمين الأجانب بمدارس التعليم الأجنبية، ولكن آباءهم كانوا ينظرون إلى الرسم والموسيقى نظرة الهواية العابرة التي تمارس على هامش المهن التقليدية.
وأنكر على شفيق ذلك لسببين، أولهما أنه درس الفن أكاديميا في روما من نفقته الخاصة، عندما سافر عام 1921 مع زوجته الأولى "ماري غالي"، قبل أن تفارق الحياة بعد مرض، فحزن عليها واعتزل الفن حتى تزوج "مارى جريس" عام 1940، وهناك تتلمذ على الفنان الإيطالى أمبرتو كرومالدى (Humberto Coromaldi (1870-1948 أستاذ الفنان يوسف كامل، فدرس شفيق المناظر الطبيعية، التي أكثر فيها العمل في نضجه الفني، والبورتريه، والطبيعة الصامتة، والموديل العاري، وبرع في التصوير الزيتي على الخشب والقماش، وتأثر آنذاك بالرسامين الانطباعيين ومنهم سيسلي، رينوار، بيسارو، بول سيزان، إلا أنه تُيّم بأعمال كورو، نظرا لشغفه بفن المنظر الذي برع وتخصص فيه كورو، وهناك في روما ارتبط وثيقا بيوسف كامل وراغب عياد ودرس معهما فن التصوير.
وكان شاروبيم تلقى من قبل دراسة أكاديمية أولى – رغم معارضة أبيه - حيث تردد على مراسم الفنانين الأجانب بحي الخرنفش – حيث مدرسته "الفرير" - أمثال سكارسيلي Scarselli، وسيريجوتيس Sirigotis، وتنسيسون كول Tensyson Call الذى كان مصورا للملك جورج الخامس وأقام فى القاهرة عام 1919، كما كان أول فنان مصري يحصل على دبلومة في الفنون من أكاديمية روما للفنون الجميلة عام 1924، وعاد بعدها إلى القاهرة حيث كلفه الملك فؤاد الأول بالتدريس في مدرسة الفنون الجميلة العليا، فمكث بها غير قليل، ولكنه فضل حريته على التقيد بالوظيفة رساما حرا على أن يتقيد بالتدريس.
أما السبب الثاني فيكمن في كونه لا يشابه محمود سعيد أو محمد ناجي، فالأول كان قاضيا لأب سياسي، والثاني أصبح دبلوماسيا، وكان الفن على الهامش لهما ممارسة، باعتباره هواية، رغم دراسة سعيد على زانييري وكازوناتو، ولكنها متعة أكثر منها احترافا، فلا تشابه إذن ليكون شفيق هاويا من أسرة ميسورة، كما أن ذلك الوسط للاثنين شارك بنصيب وافر في عدم إغفالهما تاريخيا، ومن ذلك أيضا ارتباط مختار بسعد زغلول ووجود بدر الدين أبو غازي في الوسط الثقافي والفني بصفة رسمية – كوزير - أو شخصية كناقد ومؤرخ ما كان لمختار أن يحظى بهذه الدرجة من التقدير والاستمرارية في التربع على قمة التاريخ الفني، ولظهور نجم آخر بجواره مثل مرتضى عثمان الدسوقي – الذي رأى مختار نفسه أنه أحسن منه - وظهر أيضا محمد حسن – نحاتا وليس مصورا فقط - أو القاضي مصطفى مختار، وغيرهم.
لا نقلل من مختار فنيا على الإطلاق، وإنما نُسبب الأسباب لطريقة حفظ الأسماء في تاريخنا الفني من كُتابه المجيدين.
كما أننا نعول أخيرا على تأكيد الدور الريادي لشاروبيم من خلال ما قاله الفنان حسين بيكار: "ستظل الحركة الفنية في مصر مدينة إلى جيل الرعيل الأول من الفنانين الذين وضعوا اللبنات الأولى لذلك الصرح الحضاري الذي يرتفع يوما بعد يوم، وستذكر دائما تلك الحفنة من الشباب المؤمن الذي غامر بمستقبله وارتاد الحقل المهجور ليضع البذور الأولى لصحوة فنية تحمل هو عبئها الأكبر.. ومن بين هؤلاء الفنان المصور شفيق شاروبيم الذي أسهم بفنه وجهده منذ بدأت الحركة الفنية تحبو في العشرينيات وما بعدها".
كان من عادات شاروبيم الثابتة أن يستيقظ في الخامسة فجرا، ويرسم حتى الظهيرة، ولذلك كان ينصح الفنانين الشباب بالعمل المستمر والاجتهاد، والرسم من خلال تحديد جدول زمني، وكان يقول: "إنني أعيش شبابي من خلال لوحاتي التي أغمسها في ألوان الطبيعة"‏.‏
وقد مثلت ولادة شفيق شاروبيم سعادة غامرة للعائلة باعتباره أول صبي لميخائيل بك شاروبيم رجل القضاء والمؤرخ، والذي عارض بشدة اتجاه ابنه للفن، فألحقه بمدرسة المهندسخانة قسم مدني بجامعة فؤاد الأول، وتوفي الأب فجأة عام 1918، فترك الابن دراسة الهندسة في السنة الثالثة، وتزوج عام 1921 من ماري غالي، وسافر إلى إيطاليا ليحقق رغبته المكتومة في دراسة الفن، وفى عام 1924 عاد إلى مصر، وكانت جمعية محبى الفنون الجميلة قد تأسست فشارك في معرضها، واقتنى الملك فؤاد الذى افتتح المعرض إحدى لوحاته، إلا أن هناك إشارة تاريخية من جهة الفنان الناقد صدقي الجباخني تقول إنه شارك في صالون الجمعية الثاني، الذي افتتح في ربيع 1922 وضم 27 فنانا مصريا ومنهم شفيق.
كان شفيق شاروبيم يعيش في حلوان ويوزع أوقاته بين هوايتي الصيد والرسم، وكان دائم السفر إلى لبنان، حيث كان يقضى بها أربعة أشهر سنويا يرسم خلالها الأرض والبشر.
ورأى الناقد بدر الدين أبو غازي في هواية شاروبيم للصيد تأثيرا مباشرا على منتجه الفني حيث جعلته يركز النظر ويقتنص الرؤية الماثلة أمامه، خاصة في رسومه السريعة، ولوحاته الصغيرة التي تميز بها، والتي بسببها أطلق عليه الناقد الراحل محمد حمزة لقب "فنان المنمنمات المصري"، لما رأى أن شاروبيم كان يختار كادر لوحاته الطولية أو العرضية باقتدار وخصوصا في موضوعاته ومناظره الطبيعية التي لم تتجاوز 35 × 47 سنتيمترا بأي حال.
إن المتأمل في لوحات شاروبيم يجد أنها ليست النقل المخلص المباشر للواقع، وإنما هى تحمل بعدا ماجريتيا – نسبة لرينيه ماجرييت - ليس من جهة المفهوم والسياق وإنما هو الإحساس الخفي وراء فراغ المشهد وخلوه من نقل الواقع بربكته، فأرضه مسطحة ناعمة، مجردة أغلب الأحيان من الشخوص، وإن وجدت تتقزم أو تذهب في البعد الثالث، أو تسود اللوحة وتنتصر لذاتها على ما حولها فترى الشيخ العجوز عملاقا يفوق حجم القارب المُيسِر لاتجاهه، وتلك الصخرة وسط البحر، يمتطيها صيادون، أو أشجارا تخترق الطولي، وتنكسر عرضيا بحوائط حجرية لمنظر من لبنان، فهناك دائما ما يخفيه واقع شاروبيم.
من أعماله الشهيرة "صياد يستريح" 1966، "السباحة في جرجا" 1946، "سكان المركب على النيل" 1956، "النيل في حي الزمالك" 1956، "مقهى حاج إلياس في لبنان" 1950، "بيت مريم في وادي لبنان" 1950، وقد أخرج عنه المخرج والمونتير يوسف الملاخ الفيلم التسجيلي "ابن النيل" عام 2003.