محمد الراوي .. قلب يسع العالم

21/08/2016 - 12:48:30

محمد الراوي محمد الراوي

أنور فتح الباب عبدالعال - كاتب مصري

محمد الراوي ابن مدينة السويس أحد كتاب جيل الستينيات، والذي خط هو وبعض مجايليه خطا متميزا في الأدب المصري في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات، خطا يحتفل بالجمالي والتشكيلي في وقت ساد فيه تيار الواقعية الاشتراكية في الأدب والفن.
شكل الراوي وأستاذه ضياء الشرقاوي ومجموعة من الكتاب منهم محمد مستجاب ومحمد روميش وعبد الغفار مكاوي ونعيم عطية أصواتا مختلفة في تيار القصة والرواية المصرية آنذاك، وكان ضياء الشرقاوي طليعة هذا الاتجاه، ويشير الراوي إلى دور الشرقاوي في توجهه الأدبي فيقول في كتابه "جماليات النص" الصادر عام 2009: "كان الأديب ضياء الشرقاوي أول من استقبلني وأخذ بيدي عندما نزلت إلى القاهرة عام 1968 بحثا عن مكان تستقر فيه أسرتي خلال حرب 1967، أصبح ضياء الشرقاوي هو دليلي إلى الحياة الأدبية في القاهرة".
ولد محمد الراوي في السويس في 22 مارس 1941 لأب يعمل بالتجارة، واهتم بالقراءة والأدب منذ وقت مبكر ودرس بكلية التجارة وتخرج عام 1964، وكانت أول قصة تنشر له بعنوان "الحياة" في مجلة "القصة"، ولكن الراوي يعتبر أن ميلاده الأدبي الحقيقي كان في لقائه مع ضياء الشرقاوي الذي أشار عليه أن يقرأ لجيل الستينيات الذي أثمر أصواتا وأعمالا بارزة في ذلك الوقت ومنها "أوراق شاب عاش منذ ألف عام" لجمال الغيطاني، و"أيام الإنسان السبعة" لعبد الحكيم قاسم، ثم عرفه بأصدقائه: إبراهيم أصلان وزهير الشايب وخيري شلبي ومحمد مستجاب ومحمود الورداني. وبدأ الراوي مسيرته الأدبية بعد استقراره في القاهرة بعد هزيمة يونيو 1967 حيث نشر أعماله في مجلات الكاتب المصرية والقصة وملحق الزهور الذي كان يصدر عن مجلة الهلال كذلك مجلة الموقف الأدبي السورية.
وقد تأثر الراوي كضياء الشرقاوي بتيار الرواية الجديدة في أوروبا في ذلك الوقت والمتمثل في "آلن روب جرييه" و"ناتالي ساروت" و"كلود سيمون" و"أني أرنو" و "دوريس ليسنيج" وهو التيار الذي اعتمد على منهج السريالية وتيار الوعي.
نشر الراوي أولى رواياته "الركض تحت الشمس" عام 1973 وهو عمل سريالي يصور الحرب والدمار والموت في جو كابوسي متأثرا بجو هزيمة يونيو 1967 وقد يشترك جو هذه الرواية مع رواية "عبر الليل نحو النهار" (دمشق 1975) والمجموعة القصصية "الرجل والموت" (1985) في تصوير أثر الحرب المدمر علي الإنسان والحياة وهو صرخة ألم مدوية ضدها. ومع روايته الصغيرة "الجد الأكبر منصور" (1980) ينتقل الراوي إلى أجواء صوفية هي تجسيد لمأساة أبي منصور الحلاج الصوفي المسلم التي يصفها ناشر الرواية بأنها "تستمد لغتها من لغة الصوفيين وإشاراتهم العليا مما يساعد على تكوين هذه الرؤية المعاصرة لهذا العالم الذي يُعايشنا ونجهله". وفي عام 1981 صدرت مجموعته القصصية الثانية "أشياء للحزن" وينتقل فيها الراوي إلى لغة شعرية جديدة واستخدام لعالم الأحلام والتصوير التشكيلي والرمز في عالم من الغرابة يتساءل عن الوجود والموت، وفي عام 1990 أصدر رواية "الزهرة الصخرية" وهي تدور في عالم غرائبي سحري يجمع ما بين البحر والصحراء. ثم رواية "تل القلزم" (1998) والتي ينتقل فيها بين الماضي والحاضر الواقعي والأسطوري رابطا كل ذلك بتاريخ السويس من عصر الفراعنة من عهد الملك الأسطوري سوس الذي سميت السويس باسمه كما يزعم أهل المدينة إلى البطالمة والملكة أرسينوي التي سميت السويس في أحد مراحلها باسمها إلى معركة الكفاح الوطني في القناة في عامي 1951،1952 والمقاومة الشعبية في معركة كفر أحمد عبده في استخدام دقيق للزمن.
ومثل المغامرة الإبداعية خاض الراوي غمار الكتابة النقدية والفكرية في "دراسة في أدب ضياء الشرقاوي" و"بانوراما الحركة الأدبية في أقاليم مصر" و"أدباء الجيل يتحدثون" و"سوق الأباطيل" و"الحرية والعزلة"، وكان آخر ما نشر للراوي كتابه "جماليات النص" عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2009.
لم يتوقف دور الراوي الأدبي والثقافي على إبداعه الفني والنقدي بل امتد ليشمل الحركة الأدبية والثقافية في السويس فمنذ منتصف السبعينيات حتى مطلع الألفية أشرف هو والكابتن غزالي على ندوة "الكلمة الجديدة" بالنادي الاجتماعي بالسويس والتي كانت تصدر نشرة دورية بالماستر باسم "الكلمة الجديدة" تنشر النصوص الإبداعية لأبناء السويس وغيرهم، فظهر جيل من أدباء ومثقفي السويس في هذه الندوة مثل علي المنجي وحجازي غريب وفتح الباب عبد العال، ومن الأجيال التالية محمود الجمل وعلي لاشين وسيد فاروق وعبد الناصر عبد الرحيم وسامي عبد القوي وعادل شطا وقباري البدري وأنور فتح الباب ونجف صالح.
علي أن أبرز تلميذات الراوي في مجال القصة والرواية كانتا الكاتبتين سناء محمد فرج صاحبة "البحث عن ثقوب في الأرغول القديم"، و"صباح في المعسكر"، و"طفل الجبل"، و"شجرة الوداع"، و"حبات كليزما الممطرة" والكاتبة أمينة زيدان صاحبة "حدث سرا " و"نبيذ أحمر".
نجح الراوي في رعاية جيل من المثقفين والمبدعين في السويس عبر إتاحة نصوص ثقافية وأدبية لم تكن متاحة لكثير من أبناء الجيل في مطلع التسعينيات قبل ثورة الاتصالات والمعلومات، حيث كان بحكم وظيفته الكبيرة في شركة السويس لتصنيع البترول يقوم بنسخ صور لمؤلفات ينتقيها من مكتبته مثل كتب لورانس وتيد هيوز وكينزا بورو وفوكو وفاطمة المرنيسي ومهدي عامل وأدونيس وإدوار الخراط وجبران، بالإضافة للملاحق الثقافية والأدبية لجريدة الحياة الدولية والقدس العربي والمدى والنهج، فضلا عن قيامه في منتصف الثمانينيات بعمل جلسات للاستماع للموسيقى الكلاسيكية في قصر ثقافة السويس وإعطاء محاضرات عن المفاهيم الموسيقية وشرح للسيمفونيات العالمية وسير الموسيقيين العالميين وتطور الموسيقى التاريخي بشكل مبسط وواضح.
الآن ومحمد الراوي على فراش المرض، حاضرا غائبا، أناشد وزير الثقافة حلمي النمنم طبع أعماله الكاملة تقديرا لمسيرته الأدبية ودوره في خدمة الثقافة المصرية من مدينته السويس والتي لم يغادرها منذ عودته إليها بعد انتصار أكتوبر 1973 لاعبا دورا تقوم به مؤسسات لا أفراد في نشر المعرفة والثقافة في زمن ضن أن يجود بمن يلعبون هذا الدور ويمارسونه.