بلاغة الهشاشة والتشظي في ديوان « تمثال رملي »

21/08/2016 - 12:47:37

تمثال رملي تمثال رملي

صالح لبريني - ناقد من المغرب

التجربة الشعرية للشاعر المصري فتحي عبد السميع جديرة بالقراءة الممعنة والمتأملة لخطاب شعري ينفرد بفرادة الرؤى والتصور العميق للعملية الإبداعية برمتها.
كل هذه الأمور تفرض على قارئ هذه التجربة التسلح بمشارط الإنصات المرهف للتشكلات القولية والتعبيرية بغية الوقوف على الجماليات النصية الباذخة، والفاتنة المدهشة، والأكثر من هذا المحيرة نظرا للقدرة الفائقة للشاعر على خلق عوالم شعرية ممتدة في اقتناص اللحظة الشعرية وتحويلها إلى لوحات مرسومة بفرشاة اللغة الطافحة بالإيحاء والترميز بدل التصريح، مما يجعل مقاربة هذه التجربة المغامرة غير محمودة العواقب إذا لم نحسن الإصغاء لنبض النصوص المؤثثة للخطاب الشعري.
هذه المغامرة هي فتح لشعرية عربية تكتشف قارات جديدة في الذات الإنسانية، قارات معتمة وملتبسة، غامضة ومحيرة، هذا الكشف الذي يبقى لانهائيا للعالم بتجلياته المختلفة، الشيء الذي يبقي العملية الشعرية مشرعة على التجديد والمغامرة وركوب الخيال واستثمار المتخيل لخلق نصية شعرية لا تركن إلى الثبات بقدر ما تثور على ما هو كائن وتحلم بالممكن، وترغب في ارتياد المحال الإبداعي، هذا المحال يتمثل في كتابة النص المحلوم به. من هذا المنطلق، سنسعى إلى الغوص في هذه التجربة الثرة والغنية، نظرا لما تتميز به من مغامرة تجريبية في كتابة نص شعري يمثل صوته المتخلق من كينونته الإبداعية، وذلك من خلال ديوان يشي عنوانه باحتمالات في دلالاته المفتوحة على تآويل عديدة، وإذا كان العنوان جواز العبور إلى التيمات النصية، بل يمكن اعتباره الإضاءة الخفيفة للعتمات في كثير من الأحيان، ويبشر بما قد يتبادر إلى الذهن من هواجس وأفكار وتخمينات، فإنه يبقى البوابة الأولى التي لا بد من التوقف عندها. ومن تم فعنوان هذا الديوان يحدث الحيرة الجمالية والرغبة التفسيرية فـ"تمثال رملي" يحيل بشكل منطقي إلى دلالة الهشاشة وعدم الاستطاعة والعجز والشللية، إنها مدلولات تكشف عن حجم الهباء المسيج للذات الشاعرة هذا من جهة، ومن جهة أخرى يحيل التمثال إلى الخلق/ التكوين وأيضا إلى الزوال، غير أن مقولا شعريا يميل كفة تيمة الفناء يقول الشاعر:
"أنا سريع الزوال التقطني طفل من الهواء وراح يطعمني رملا ويكسوني رملا". فهذا الإقرار الشعري بهوية الذات الشاعرة كونها عبارة عن تمثال مآله الزوال والامحاق، هي هوية مهددة في وجودها، ومعرضة لكل أصناف التهميش والإقصاء، هذا التغييب القسري للذات بفعل هذا المفتتح النصي المتمثل في العنوان كخطاب، ينبئ بأعطاب الكينونة التي تعاني من التشظي المزدوج، ومن تداعياته المزمنة لذات حالمة وغارقة في الخيال، تنسج عالما شعريا طافحا بتفاصيل الحياة، ومحتفيا بالمفارقات الغريبة لواقع يزداد غرابة. ومن تجليات التشظي أنسنة الأشياء أي عندما تقف الذات عاجزة عن مجابهة تحديات الواقع تلجأ إلى صبغ الجماد بصفات إنسانية للتعبير عن موقف الرفض تجاه العالم والحياة:
"نكره أفواهكم نحن الأعواد الصغيرة سئمنا من تنظيف أسنانكم بنا" فجمالية الأنسنة تكمن في هذه السخرية اللاذعة والحارقة لكونها تعري معاناة الذات في عالم ممجوج ومبتذل، فكانت الأعواد الصغيرة لسان حال هذه الذات التي تعبر عن شلليتها لكشف وفضح قبح المجتمع، فالكره والسأم صورة جلية لما يعتري الذات من تغييب وممارسة كل أصناف التعذيب والقهر عليها. وأمام هكذا مفارقات وتناقضات تبقى السخرية التعبير الأنسب لفحص الأعطاب المجتمعية والوجودية بغية معانقة الكمال الإنساني في القيم والحياة:
"لا تحدثونا عن فضيلة حتى لا نشتمها احترموا مقدساتكم لماذا تفردونها أمام أحذيتنا". ففظاعة التصوير لمشهدية مقيتة لواقع أكثر شماتة، ما على الذات إلا التسلح بلغة السخرية للدفاع عن القيم الإنسانية النبيلة، ومهمة الشاعر هي ترسيخ كل ما يسعد البشرية ويدفع عنها شرور أعداء الحياة. فسمة التناقض واضحة في الخطاب الشعري لهذه التجربة، بتعبير آخر، إن الذات وهي تجابه هذه الهشاشة الوجودية، ومن ثم الهشاشة الذاتية، تبرز مكابدات التشظي القاصمة لإرادة الحياة، ومقاومة الفناء المطوق للخلق، إنها عبثية الحياة التي حفزت الذات الشاعرة إلى ارتياد جبهة الممانعة ضد كل ما يمكن تهديد الأحلام والخيال والمتخيل والكينونة والقصيدة من الديمومة، فأبدية هذه المقومات من استمرارية الأمل في الحياة. غير أن الخلفية الرؤيوية للشاعر تكشف عن الرغبة في التعرية الفاضحة لمفارقات المجتمع:
"يمكن أن نتفق على حرمة الطريق وغض البصر عن عورات الآخرين افعلوا مثلنا وتجاهلونا حتى لا نفر منكم بدرجاتنا النارية ونحن نفر إلى الخلاء". فالشاعر لم يعد نبيا ينتظر من السماء نزول الوحي/ الإلهام بل أصبح يعيش ويحيا داخل بنية مجتمعية تتصف بتعدد الأدوات التسلطية التي تكشف عنها الذات المتشظية والراسفة في قيود الهشاشة، ومما يزكي هذه الطروحات المفارقة والمنغصة للأحلام والكاشفة عن ضراوة اليتم الوجودي التي تشم الذاكرة الفردية والوعي الجمعي يزيد من التمزق الداخلي للذات الشاعرة:
"زعقة صغيرة يممكن أن تحدث فجوة في صدري لابازلت ولا جرانيت هش كـأرملة تضم صغارها وتبكي هش ولا أدل على خلود بل أقودكم إليه". إن الذات الشاعرة تعيش حالة من العجز والشلل، في صور شعرية مستقاة من التواشج الحاصل بينها والواقع، حين شبه الزعقة الصغيرة بالأرملة الحاضنة أطفالها وهي باكية، مما يوضح رحابة التمزق الوجودي الذي تعيشه، والمكابدة الواقعية الناجمة عن استشراء أمراض اجتماعية في جسد المجتمع، وذلك بلغة شعرية انزياحية تصور فظاعة الحياة اليومية، لكن بتشكيلات جمالية زادت من عمق الرؤية وبلاغة الرؤيا الممتحة من معين أساليب تعبيرية ضاربة في الجماليات النصية الحديثة، ورغم الهشاشة فإرادة الذات نحو تحقيق الخلود لم تخبو، تلك هي قدرة الإبداع على مراودة المستحيل في الحياة، لكن الذات تختار الإقامة في اللامحدود/ الخلاء كرمزية دالة على العزلة والاغتراب والنفي، رافضة الماضي والمستقبل، أي تختار كينونتها خارج الأزمنة:
"لا الماضي ولا المستقبل أنا الآن أنا سريع الزوال". الاعتراف بالفناء في مقابل الرغبة في الحياة يؤكد ضراوة تشظي الذات وحالة التشتت الوجودي الذي يزيد من القلق والحيرة والخضات المفاجئة لذات هي في حكم الزوال، لكن يمكن الوصول إلى عكس ما تبوح به اللغة إلى النقيض، ففي الزوال يتجلى الخلود، ومن تم تتحقق الحياة، وفي الهشاشة يكمن الثبات، ومن يمكننا الحديث عن فلسفة العدم المؤدي إلى الوجود. ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى أن هذه التجربة تعبر عن اللحظة الحضارية التي تعيشها، وهي مرحلة عنوانها العريض التشظي البليغ بفعل عوامل تاريخية وواقعية وحضارية فاقمت وضع الكينونة. إن التمثال –كما قلنا – دليل الامحاق ومع ذلك فالذات تروم إلى أن تترك بصمة تدل عليها:
"تقدموا بهدوء لا تميلوا علي لا أريد لأحد أن ينهار بسببي أريد أن أبقى عن النهاية بريئا من كل انهيار". فإرادة الذات، في جوهر الخطاب الشعري للتجربة، هو الرغبة في الاستمرارية المتمثلة في إرادة البقاء، من خلال الدعوة إلى التقاط الصور، لمجابهة التلاشي كحتمية وجودية تنتظر الكائن، مما يعضد من الرؤية الممعنة في هذا الخراب المحيط بالذات والعالم، وهي رؤية تستقي وجودها الجمالي والفني من التأمل في مصير محتوم يتمثل في الفناء/ الانهيار، إنها رؤية معاناة ومكابدة تستولي على ذات تلازمها الهشاشة، وذلك انطلاقا من العنوان كمؤشر دال على غياب الكينونة، وشراسة الوجود النازف ضآلة، فكانت الشللية ملازمة لفعل الكينونة والوجود. لكن الذات الشاعرة لم تبق حبيسة إسار اللافعل إنما توسلت بمقوم السخرية كوسيلة للمجابهة والتحدي:
"ما الذي يجرح بائعي الخضار عندما أحكي مع الهواء أو أجمع الحصى في كم جلبابي ما الذي يجرحهم حتى يقذفوني بالثمار المعطوبة ويختبئون في النداء على الزبائن تاركين ضحكاتهم تنزلق من سراويلهم؟". بهذه اللغة الساخرة الكاشفة عن الأعطاب المجتمعية تخوض الذات الحرب مع الآخر، هذه الثنائية الأنا/ الآخر تعبير دال على هشاشة منظومة القيم، وعليه فالذات تجد الكينونة محاطة بمتاريس قيمية لا تعير أي اهتمام للكائن وللموجودات، مما يشكل تقويضا لحلم الأنا في الإحساس بالكينونة، إن هذا الميسم الجمالي هو ما يشحن التجربة الشعرية لدى الشاعر فتحي عبد السميع بطاقات تخييلية خلاقة، ويضيف للشعرية العربية إضافات ثرية على المستوى التيماتي والرؤيوي الممزوج بالرؤيا، بتعبير دقيق، فالشاعر في هذه التجربة يعتمد الرؤية المستقاة من الواقع وتشكيلها بتوابل اللغة والخيال والتخييل والمتخيل، كمقومات تصويرية، تثري الخطاب الشعري للتجربة، وفي سياق ملمح السخرية نتوقف عند هذا المقول الشعري الذي يقول فيه الشاعر:
"أمشي ولا أثر لي فوق التراب أمشي للمطر وقع المسامير أسلم على جاري/ وأنا أحرك مفتاح الباب/ فلا يرد لا يشعر أبدا بأن شقتي ليست مهجورة". هكذا فالذات تجسد افتقاد الهوية بوساطة سيماء الجسد، مما يدل على أن الكينونة لا وجود لها داخل بنية مجتمعية سمتها الهشاشة في القيم، فسميائية الجسد توحي بالعديد من الدلالات كالغياب والضآلة والعدم، مما يكشف عن موقف رافض معبر عنه عبر تقنية السخرية التي يرمي من وراءها الشاعر إلى إعادة النظر في ما عرفه المجتمع من اختلالات قيمية.
ومن تجليات شعرية الخطاب الشعري في تجربة فتحي عبد السميع اعتماده على شعرنة السرد التي تشكل عصب العملية الشعرية لديه، حيث نجد نصوصا تحوي مكونات السرد، لكن إبداعية الشاعر الخلاقة تكمن في كيفية بناء المحكي شعريا لنتأمل "أتى الدمياطي اللعين وفتح ورشة أمام بيتي صرخت فيروز" ثم يقول: "أبي أمام البيت يستند على شومته بقلب منقبض ينظر للبعيد" فالبنية السردية حاضرة بقوة، حيث استند الشاعر على الأحداث والشخصيات والسرد والوصف مما يفضي بنا إلى عالم حكائي، غير أن بنية الجملة السردية تتميز بالنكهة الشعرية الباذخة والناضحة بمائية شعرية. أضف إلى هذا ملمح التصوير المشهدي، فالتجربة غنية بهذا إذ نعثر على الشاعر يبدع في تقديم لوحات جمالية وفنية مرسومة بآلة تصويرية مأخوذة من زاوية الرؤية الشعرية التي تشكل منطلق العملية الشعرية: "متظاهرا بالبأس أرفع عكازي المرتعش لأتفه الأسباب أعارك المارة محتميا بتجاعيدي لا أهين أحدا حين أشتمه". صفوة القول إن هذه التجربة الشعرية تحتفي بتفاصيل الذات كتاريخ فردي بلبوس جماعي، هذه الذات التي جسدت الصراع الأبدي بين الأنا الباحثة عن الكينونة والآخر، الذي يسعى جاهدا إلى تغييب هذه الكينونة. كما أنها تجربة تحتفي بهشاشة الكائن والعالم احتفاء تراجيديا دراميا وسّع من الأفق الشعري للشعرية العربية.