عادة.. يولد النداء الأول في النفق

22/08/2016 - 12:24:46

لولوة المنصوري لولوة المنصوري

لولوة المنصوري - كاتبة من الإمارات

النفق المولود في الجبال، صار وحيدا وبعيدا جدا.


الشمس هناك.. هل لاتزال تشرق من فم ذلك النفق؟ ويمشي في جوفه ظل غصن نحيل، يبتعد تدريجيا مع الصباحات الواسعة النور، متجها نحو الضفة الأخرى من الوادي العميق؟


ماذا يكون في الضفة الأخرى؟


لم تكن هنالك ضفة، في الحقيقة لم تكن الحقيقة غواية الأطفال في المدارس، ولا بداية مشاوير اللهفة خلف نداء عميق وبعيد، فقط كانت هنالك خلف سفوح جبالنا في رأس الخيمة ممرات ناعمة للعب ممتدة حتى حواف الأفق اللامتناهي، نظن أنها تخترق المجهول، وتلامس قلوبنا الصغيرة بالحيرة وحرقة الفضول والشغف.


وكان وجهي مع الأطفال الذاهبين إلى المدارس يعبث طويلا في هواء ذلك المجهول، يفتش عن حقيقة الملاك الذي يرفع الشمس من ثقب إبرة في وجه الضباب صباحا خلف الجبال، ويغرقها مساء في السرير الأزرق الواسع للبحر.


الوادي يجرف الشمس وكل ألعابنا وكتبنا المدرسية في ممراته الضيقة، يحتشد الأطفال والأمهات عند رأسه يجمعون كل امتلاء وخواء.


كل غصن في الوادي هو (زيد) وكانت الشمس هي روحه، هكذا قالت الأمهات في الجبل، ومنذ أن ركض الطفل زيد داخل النفق الجبلي تحت الشارع، لم يعد للبيت، لم يعد للبحر، لم يعد للشمس.


حمله الوادي المولود بعيدا في الجبال، نقل جوهره خلال الأراضي الوعرة والمسطحة، العالية والنائمة، فصار حجرا في الجبال، ثم شجرة سدر في الوادي، ثم طائرا في الريح لا يهدأ، ثم دخل في سماء قصصية... صار زيدٌ أنا!


تحول إلى كل شيء.. كل شيء في البلاد.


***


على ضفة البحر وحافة التواء شريطه الأزرق امتد شارع رئيسي يصل بفروع القرية، سمي شارع "زيد أحمد راشد".


أطلق الصيادون على جمعيتهم "جمعية زيد للصيادين".


عُبد السفح الغليظ للجبل وشُيدت عليه مدرسة تأسيسية للبنين باسم "زيد أحمد راشد".


الأمهات اللاتي سيلدن ذكورا اتفقن فيما بينهن أن يسمينه زيدا.


حتى صار زيد قبيلة بأكملها.


وحدها أم زيد، كانت تخرج بعد صلاة الفجر بدلو ماء إلى النفق الجبلي، ترش الدروب والشعاب والسماء والدعاء، وكل ما يمر في طريقها، وترش قصصي.


قد أخبرتها الملائكة عند فم ذلك النفق أن من تبحث عنه قد سبقها إلى البيت وهو جائع. تركض أم زيد إلى البيت، تطبخ البحر نهارا كاملا، وتنتظر أزمنة طويلة.


كبرت المساكن وارتفعت مصانع الإسمنت والموانئ، في داخلنا كبر النفق الجبلي البعيد، ومع تواتر السنوات صار زيد يصغر أكثر في القرية، يدخل في نفق النسيان، يبتعد ظله تدريجيا عن البيوت والشوارع والصيادين وأحضان الأمهات، لم يعد أحد يذكر "زيد"، لم يعد أحد يعرف حكاية ذلك النفق الغامض الذي ابتلعه، ولا عادت الأمطار التي حملت "زيد" تعرف أخبارنا..


لم تعد القرية.


لم يعد شيء يشبه "زيد".


سوى ذلك النفق الجبلي البعيد الذي راح يكبر تحت بيتي كل مساء، ويحولني إلى أم قلقة على ثلاثة أولاد، تجنبتُ بعناد أن أسمي واحدا منهم "اسم "زيد".


***


حين ضاق الجبل بالمصانع، سعت دائرة الأراضي إلى تخطيط الأودية المنسية منذ زمن، والتي حفظت وحدها سر اختفاء زيد، وفي الضفة الأخرى من النفق تحت الشارع، ثمة مقابر من ذلك الإنسان القديم قبل أن يُكتشف الزمن، حضارة زمن العُبيد العائدة إلى 5000 سنة قبل الميلاد، أضيف إليها رفات إنسان القرون الوسطى، وحين أقبلت الحداثة تشاءم حفارو القبور بالدفن أكثر في الأرض القديمة نفسها، وانصرفوا يخططون أرضا واسعة على البحر، قادرة على ابتلاع أموات جدد.


وقريبا منا، تحديدا عند النفق الجبلي الذي ابتلع الطفل "زيد" وُزعت الآثار والمقابر والنفق نفسه على الأحياء، ليرفعوا عليها قصورهم وممرات الإسفلت.


وكان بيتي على أحد هؤلاء الأموات.


ماذا يوجد في الضفة الأخرى؟


صارت هنالك الآن ضفة أخرى، حقيقة أخرى..


قد بنوا لنا بلدة على القبور..


وأعرف أن سريري تحديدا على جسد أحدهم.


في الليل تطير أيدٍ صغيرة بين البيوت، تهبط بخفة على رؤوسنا، تعبث بهواجسنا، بمصابيح الشارع، ثم تدخل في الريح، ولا تنتهي حركة البيوت إلى بعد الفجر، الأيدي الصغيرة تخرج مع صوت المؤذن، تفتح السقف، وتدخل في نفق معتم ضيق، ما إن تختفي داخله حتى تشرق الشمس على البلدة من فم ذلك النفق.


أجمعَ أولادي الثلاثة ذات صباح على رؤيتهم لولد رابع ينام بينهم.


وقتها عرفتُ بأن كل محاولاتي لنسيان الحكاية الغامضة القديمة قد ولت في الريح، ففي كل ولدٍ من أولادي ينام ويسكن زيد، وأن بيتي تحول إلى زيد بأكمله، ترى.. هل كنتُ نفسي زيدا أيضا؟


أظنه قد آن الأوان لأقص على أولاد البلاد حكاية ذلك النفق المولود بعيدا في الجبال، وأن أبحث عنه بحثا جادا حثيثا كي أتعقب خطى زيد وأتحرر منه، لكني ووفق مصادر شفهية كثيفة وعتيقة، وصلتُ إلى يقين تام أن بيوتنا بُنيت بكل تأكيد على الضفة الأخرى، على ذلك الجبل القديم، حيث الأودية القديمة والطين القديم والنفق المهجور ومقابر الأزمنة الموغلة في فراغ الذاكرة...


وصار كل ذلك تحتنا الآن.


ماذا يوجد في الضفة الأخرى؟


إنه الهواء الوحيد.. يأتي كالعادة من جهة البحر، ينزل مع الموجة، يتسلق الظلال والصدى، يدخل من النوافذ الهامسة، لكنه سيفاجأ بالفراغ..


اليوم نترك بلدتنا القديمة، والهواء بين الزوايا الصامتة سيدور، وسيدور معه زيد، باحثا عن أصواتنا التي اعتاد على خطفها إلى الجيران وتسريبها للعابرين من القطط وبائعي الخبز والدهن الحلو والزبدة في السكك والشوارع الخلفية.


البلدة صارت فارغة كما بدأت، فارغة إلا من رائحة ثياب أولادنا على حبل الغسيل، وفحم أصابعهم على الجدران، وآثار أقدامهم الحارسة على أغصان شجرة السدر الوحيدة في فناء القرية، كان زيد في غياب ملائكتنا الصغار يعبث بحرية في تويجاتها الملكية وأرحامها الجليلة، حاملا إلينا الفرح والأمل وبهجة الشمس.


في غيابنا ستمارس الفصول الأربعة دورانها الأزلي، حتما لن يتوقف أي دوران طبيعي عن البلدة وعن زيد الذي غاب في النفق، ستدور البلدة أيضا، تشرق من جهة البحر وتغرب من جهة الجبال، وعند حلول الشتاء ستبحث البلدة عن حركتنا الصاخبة وقت سقوط المطر.


أي وحشة ينتظرها زيد داخل هذه البلدة الفارغة وقت سقوط المطر؟


***


نفتح أبواب بيوتنا الجديدة، يسبقنا الأولاد راكضين، داخلين في الشمس والهواء.


في الليل يهبط النوم أخيرا على تعب الجميع..


أتفقد سريري الجديد، ليس هنالك قبر أسفله، ولا وجود لنفق في السقف، وأخيرا سأغمض عيني لسنوات، على نوم أظنني لأول مرة سأتذوق حقيقته...


لكننا لسبب غامض نجهله، نقفز من أسرتنا، نحتشد عند رؤوس الممرات الضيقة، نفتح الأبواب، وإذا... بنفق جبلي عميق، يمضي بنا نحو نداء قديم جدا، لطفل نكاد نعرف صوته..


نمسك خيوط الضوء الأخير... ونتبع الصدى..