الهلال قبل 100 عام .. المدنية المصرية القديمة وانتقالها الي اميركا

21/08/2016 - 12:46:04

من النظريات التى كانت شائعة بين علماء التاريخ فى أوربا وأميركا منذ أربعين أو خمسين سنة قولهم بانتقال العادات والعقائد من العالم القديم إلى العالم الجديد فى الأزمنة الأولى للتاريخ إذ لا يخفى أنهم وجدوا فى تلك القارة التى نسميها «جديدة» آثاراً كثيرة تدل على أن سكان تلك البلاد بلغوا درجة رفيعة من العلم والتمدين تضاهى مدنيات الشرق القديمة على أن العلماء شكوا أخيراً فى تلك النظرية ثم نفوها ووضعوا مكانها نظرية أخرى مؤداها أن الشعوب التى تعيش فى أقطار متشابهة تدخل أثناء نموها فى أدوار متشابهة من التطور الاجتماعى.
غير أنه قد قام أخيراً عالم اسمه المسترج اليوت سميث فنفى هذا الاعتقاد بدعوى أن الشبه عظيم جداً بين مدنية مصر ومدنيات أميركا بحيث انه لا يعقل أن ينسب هذا الشبه إلى مجرد الاتفاق وهو يرى أن مدنية أميركا القديمة إنما جاءت إليها من مصر حوالى سنة 900قبل الميلاد عن طريق الهند والصين وجزر الأوقيانوس الباسيفيكى وأن ذلك الانتقال ترك آثاره فى تلك الأقطار وأنه طرأ على المدنية المصرية أثناء انتقالها هذا بعض التغيير بفعل المدنيات الأخرى التى احتكت بها فاقتبست منها ما اقتبسته ثم وصلت إلى شواطئ اميركا وقد نشر آراءه فى مجلة «العلم» الأميركية قال مثبتاً حركة انتقال المدنية المصرية شرقاً إلى اميركا:
ليس البرهان على صحة هذا الحادث التاريخى محصوراً فى أوجه الشبه العديد بين العادات والعقائد والأنظمة بل يكفى أن نتأمل فى العناصر الغريبة والمتشعبة التى تتكون منها تلك المدنيات حتى نتيقن من تعذر اتفاق شعبين فى نموهما لدرجة أن يتفقا فى التفاصيل الدقيقة والأمور الغريبة ولا سيما إذا كانت نتيجة أحوال خصوصية اكتنفت نشأتها ونموها.
فقد يعقل مثلا- وإن كنت أعتقد خلاف ذلك- أن شعوباً مختلفة بعيد كل منها عن غيره تتفق فى استنباط طرق التحنيط وبناء الأبنية العظيمة وفى معرفة الختان والوشم، وفى بعض الخرافات والعقائد المتعلقة بعالم الأرواح والموتى، وفى عبادة الشمس ونحو ذلك ولكن على فرض التسليم بذلك فإنه يتعذر التسليم بأن المصريين والاميركيين القدماء اتفقوا أيضاً بمحض طريق المصادفة فى البناء على أشكال هندسية ذات خواصٍ معروفة وهل يعقل أن يتفق الشعبان أيضاً مصادفة فى وشم ذقون نسائهم ؟ أو ليس من الغريب أن يعبد الفريقان الشمس بنفس الطريقة وان يتخذا معاً صورة رمزية واحدة هى صورة الحية المجنحة والشمس وأن يستخدما أساليب الرى على نفس المبادئ وأن يقيما النصب والتماثيل على شكل واحد وأن يكون لهما عقائد واحدة بخصوص الموتى والأرواح ونحوها ؟
يتضح لنا من ذلك - حتى على فرض صحة النظرية القائلة بتشابه الآداب والنظم الاجتماعية لدى الشعوب التى تتشابه بيئاتها- أنه من العسير جدا التسليم بأن ذلك الشبة يلحق أموراً دقيقة كالتى قدمناها بل لا يسع الباحث المنصف إلا أن يعترف بأن المدنية الأميركية القديمة مقتبسة من المدنية المصرية القديمة فى دورها الأخير مع ما طرأ عليها من التغيير إثر احتكاكه بمدنيات أثيوبيا والهند والجزر الهندية وغيرها.
وخلاصة رأيى فى هذا الشأن أن المدنية المصرية انتقلت تدريجاً من مبعثها فى وادى النيل حوالى سنة 900ق .م متجهه شرقاً إلى أن وصلت إلى أميركا وقد طرأ عليها فى طريقها تغييرات مختلفة ناجمة عن تأثير البيئة ومعيشة الأهلين وأحوالهم الاجتماعية وفى كل مكان حطت فيه تلك الحركة رحالها سواء فى الهند أو فى الجزر الهندية أو فى أميركا أو غيرها نشأت مدنية مستمدة من المدنية المصرية وازدهرت حتى أصبح كل من تلك الأقطار مبعثاً للمدنية ومناراً يضيء ما حوله من الأقطار المظلمة.
الهلال أول نوفمبر 1916م