أخي مصطفى سويف .. لم تغادرنا

21/08/2016 - 12:45:26

مصطفى سويف مصطفى سويف

يوسف الشاروني - كاتب مصري

قرأت في الأهرام يوميْ الأربعاء والخميس 29و30 يوليو الماضي نبأ مغادرة أخي وزميل رحلتي الدكتور مصطفى سويف الذي يكبرُني بحوالي شهرين، فتاريخ ميلاده 17 أغسطس 1924 وتاريخ ميلادي 14 أكتوبر1924، وكان لقاؤنا الأول بقسم الفلسفة بكلية آداب جامعة فؤاد الأول (القاهرة الآن) في خريف 1941 وكنت قد التحقت بهذا القسم تحقيقا لرغبتي، فقد ضغط عليّ والدي ومعارفه للالتحاق بتوجيهية (كما كان يطلق عليها) القسم العلمي أملا في الالتحاق بكلية الطب، لكن لحسن الحظ لم يكن مجموع درجاتي يؤهلني إلا للالتحاق بكلية العلوم، فكانت فرصتي لأحقق رغبتي للالتحاق بقسم الفلسفة الذي كنت أعتبره في تلك السن المبكرة مدخلي إلى المعرفة الشاملة. وهناك التقيت الزميل مصطفى سويف، ومجموعة ازدهرت فيما بعد مثل محمود أمين العالم وأمين عز الدين وبهيج نصار وأسعد خليل، ثم بدر الدين الديب وأنيس منصور اللذين التحقا بالقسم في السنة التالية، ثم عبد الغفار مكاوي (الصديق والدكتور فيما بعد) والشابة المزدحمة بالحيوية أميرة مطر (الدكتورة فيما بعد زميلتي في عضوية مكتبة الإسكندرية) وذلك بعدها بأربع سنوات.
وما لبثت أن تحولت زمالتنا الناشئة إلى صداقة كانت من مظاهرها تزاورنا المتبادل: الصديق مصطفى سويف في عابدين ويوسف الشاروني في حي مصر القديمة، لكن يبدو أن القدر لم ير الاكتفاء بهذه العلاقة التي توطدت بسبب ميولنا الأدبية المشتركة آنذاك، فقد كنت أكتب القصة القصيرة وما أطلق عليه "النثر الغنائي"، وأخي مصطفى بدأت تناوشه طلائع رواية على ما أتذكر، بل حدث ما جعل صلتنا أكثر حميمية، فقد سمعنا أن هناك من يلقي محاضرات في المادية الجدلية ودفعنا حب الاستطلاع الشبابي ونهمنا إلى طَرْق كل أبواب المعرفة إلى حضور هذه المحاضرات التي لم تكن مادتها مما ندرسه، لكن كان لجهاز الأمن رأي آخر، فما لبث أن قُبض علينا مع زميل ثالث هو الراحل محمد جعفر زميلنا بقسم الفلسفة (الذي أصبح فيما بعد مفتشا للفلسفة في وزارة التربية والتعليم وابنته الدكتورة رباب الأستاذ بمعهد السرطان زوجة الدكتور حسين خالد العميد السابق لمعهد السرطان بالقاهرة) واعتُقلنا تسعة أشهر بتهمة قلب نظام الحكم بالقوة المسلحة، وكان ذلك في بدء الإجازة الصيفية بعد نجاحنا في السنة الأولى، وحتى بداية العام الميلادي 1943م حين أفرج عنا القضاء دون أية محاكمة باعتبارها تهمة باطلة المقصود منها إرهابنا. وقد سجلت هذه الواقعة في قصة قصيره لي عنوانها "رمضان في قره ميدان" فقد كان اعتقالنا في هذا السجن الذي كان بجوار القلعة -وأزيل الآن- باعتبارنا مجرد متهمين غير محكوم علينا بحيث كنا نتلقي وجباتنا الثلاث من متعهد تتفق معه أسرنا لإحضارها، وعندما أقبل شهر رمضان رأيت وأنا المسيحي أن أشارك الزملاء صيامهم مما أوحى لي بهذه القصة.
وعندما أُفرج عنا وعدنا إلى الكلية قدمني الدكتور لويس عوض مدرس اللغة الإنجليزية إلى الطلبة في مدرج 87 في إحدى محاضراته التي كانت تجمع بين طلبة قسميْ الفلسفة واللغة العربية باعتباري بطلا خارجا من المعتقل، وتمت علاقات بيننا وبين طالبات الكلية انتهى بعضها بالفشل وتحقق بعضها وكان من بينها زواج مصطفى سويف (الدكتور فيما بعد) بالزميلة فاطمة موسى (الدكتوره فيما بعد) من خريجات قسم اللغة الإنجليزية. كما نمت علاقة بيني وبين إحدى طالبات قسم اللغة العربية هي الزميلة لطيفة الزيات (الدكتورة فيما بعد) ما لبثت أن انتهت بعد عامين بسبب استحالة الزواج لاختلاف ديانة كل منا. وإن أعلنت لطيفة في أحد أعداد مجلة "أدب ونقد" بمناسبة وفاة لويس عوض أنه كان سبب تعرفها إلى يوسف الشاروني الذي كان حسب تعبيرها "بطلي لمدة سنتين". بينما استوحيت أنا من انفصالنا ديواني الوحيد من النثر الغنائي "المساء الأخير" الذي نشرت طبعته الأولى دار المعارف 1963م، وسبق أن نشرته منجما على صفحات مجلة الأديب البيروتية في نهاية أربعينيات القرن العشرين.
وبهذه المناسبة من الطرائف التي أتذكرها أنه كان في "دفعتنا" طالبتان فقط لا علاقة لهما بزملائهما على الإطلاق، على عكس علاقاتنا بزميلات الأقسام الآخرى لا سيما قسما الإنجليزية والعربية وأنا كتبت قصتي "العشاق الخمسة" التي كانت عنوانا لأولى مجموعاتي القصصية عام 1954م عن أبطالها الخمسة الذين أحبوا زميلة لهم حبا رومانسيا كانت تكثيفا لثلاث زميلات وتنتهي القصة بمفاجأة البطلة بدعوة زملائها لحضور حفل زفافها على أحد أساتذتهم.
ومما أتذكره أنني في إحدى زياراتي لزميل الدراسة مصطفى سويف في بيته بعابدين التقيت رجلا يخرج من بيته عند دخولي، فلما خرج ذكر لي أنه والد إحدى زميلتينا بالقسم التي اشترط عليها والدها ألا تتجاذب الحديث مع أي زميل إذا أرادت الاستمرار في الدراسة، فلما اضطرت إلى التغيب لمرضها اضّطر والدها بدوره إلى الذهاب إلى بيت زميلها مصطفى سويف – ولا أعرف كيف عرف عنوانه - ليستعير المحاضرات التي تغيبت عنها ثم يردها له.
وكان يجمعنا أيضا في سنوات الدراسة بكلية الآداب جمعية الجرامافون التي أنشأها د. لويس عوض، كنا نجتمع في إحدى غرف قسم اللغة الإنجليزية، ويعد لنا بعض الأسطوانات المسجل عليها الموسيقى الغربية الكلاسيكية لموسيقيين ألمان وروس وإنجليز وفرنسيين مما كان أحد مكوناتنا الثقافية، وكان يشاركنا في الاستماع بعض طلبة كلية الحقوق المجاورة أذكر منهم محمد عودة، والضابط الشاعر فيما بعد حسن فتح الباب الذي غادرنا أيضا هذا العام (2016م).
وعقب تخرجنا قررنا مصطفى سويف ومحمد جعفر وأنا الانضمام إلى أصدقاء لهم تخصصات مختلفة لتكوين مجموعة تجتمع أسبوعيا لمناقشة أدبية أو علمية، وقد انضم إلينا طالبا الطب: فؤاد محيي الدين الذي أصبح رئيسا لوزراء مصر فيما بعد، وحسن عواض الذي أصبح عميدا لمعهد السرطان، وطالب الهندسة إسماعيل السيوفي ابن أحد كبار العاملين بالقصر الملكي والذي أصبح وكيلا للوزارة بقطاع الكهرباء بالإسكندرية فيما بعد، كما انضمت إلينا أكثر من زميلة منهن فاطمة موسى (زوجة مصطفى سويف) وأنجيل بطرس سمعان (الدكتورة فيما بعد والأستاذة بقسم اللغة الإنجليزية وزوجها جرجس الرشيدي الذي أصبح وكيلا بوزارة التعليم فيما بعد) كنا نجتمع بصفة دورية لمناقشة كتاب أو رواية فيستفيد الأدباء من العلماء، والعلماء من الأدباء.
وعندما أصدر الدكتور طه حسين مجلة "الكاتب المصري" عام 1946م بعد الحرب العالمية الثانية قادنا طموحنا: مصطفى سويف ومحمود أمين العالم وأنا إلى مقابلة رئيس تحريرها د. طه حسين، فاتصلنا بسكرتيره فريد شحاتة، وعندما أبلغه برغبتنا رحب بنا، فذهبنا للقائه بفيلا "رامتان" التي كان قد بناها حديثا بطريق الهرم، وأمضينا معه حوالي ساعة ونصف الساعة في مكتبه المزدحم بالكتب، وفي حديث ودي بين جيلين استفسر منا عما نقرأ وعما نكتب وعن دور مجلة الكاتب المصري، لكنه لم يدْعُنا إلى المشاركة للنشر في مجلته وهو ما كنا نطمح إليه. وقد عملت بعد ذلك مع د. طه حسين في بدء حياتي العملية حين كان يرأس لجنة الترجمة بالمجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية (المجلس الأعلى للثقافة فيما بعد) سكرتيرا لهذه اللجنة وكان يعاملني كأني أحد أعضائها.
وقد توترت العلاقة بين زميلنا مصطفى سويف وأستاذه الدكتور يوسف مراد وهو يعد رسالة الدكتوراه بسبب طلائع إصابة أستاذه بالزهايمر (وهو مرض لم يكن معروفا بعد في مصر في ذلك الوقت)، وأذكر أنني زرته في بيته في تلك المرحلة فوجدته ثائرا دائم الهجوم على د. نظمي لوقا لأنه بدا له أنه يهاجمه، وقد شكا لي الصديق مصطفى سويف من تصرفات أستاذه حتى أنه كان يفكر في تأجيل مناقشة رسالته، فذكرت له تصرفه معي وأنا من أحب تلاميذه ومن كتَّاب مجلة علم النفس التي كان يصدرها كما كان مصطفى سويف من كتابها، ذلك أنني كنت وقتئذ منتدبا للعمل بالسودان فلم أحضر المحاضرات التمهيدية للإعداد لدرجة الماجستير التي كنت قد اخترت موضوعها "الحلم والإبداع الأدبي"، فمرّ أثناء الامتحان الذي يُعقد قبل إعداد الماجستير بجانبي وقال لي: أنت لم تحضر محاضرات السنة التحضيرية للماجستير، فأبلغته أنني كنت متغيبا عن مصر، وعند الاطلاع على نتيجة الامتحان وجدتني راسبا في علم النفس وناجحا بامتياز في المادتين الأخريين اللتين لن أتخصص فيهما، فاتصلت به معاتبا فوعدني بالنجاح في المرة القادمة، ولا أذكر الآن إذا كنت قد دخلت الملحق أم سد نفسي هذا التصرف، وصرفني الإبداع الأدبي لتُناقش كتاباتي في أكثر من رسالة جامعية في مصر وفي الخارج.
وأذكر واقعة طريفة حين كان الشاب شاكر عبد الحميد يعد رسالة الماجستير في علم النفس مع أستاذه الدكتور مصطفى سويف عن الإبداع الأدبي في القصة وكنت أحد الذين لجأ إليهم في الجانب التجريبي في رسالته عن كتَّاب القصة، يعد لنا أسئلة محددة علينا أن نجيب عنها لمحاولة الوصول إلى أسرار الإبداع الأدبي عموما والقصصي بوجه خاص، وقد أحاط بالظروف والدوافع، لكن لا أظن أن أحدا وصل إلى سر الأسرار، فعلى سبيل المثال نحن ثلاثة إخوة في أسرة واحدة، أنا أكتب القصة والنقد، وأخي يعقوب يكتب قصة الأطفال، وثالثنا الراحل صبحي الشاروني أستاذ النقد التشكيلي. المهم أنني عثرت بالمصادفة في مكتبتي على رسالة الماجستير في الإبداع الأدبي للطالب شاكر عبد الحميد وعليها ملاحظات مصطفى سويف بخط يده، فقابلته في مكتبه حين تولى وزارة الثقافة مؤخرا وسلمته النسخة الأثرية.
كانت مرحلة حضانة خصبة لكلينا، بعدها انطلق كلُّ منا، مصطفى سويف للإبداع العلمي، وأنا للإبداع الأدبي.
وقد كان آخر لقاءاتنا في رحاب قاعة احتفالات جامعة القاهرة حين كرمنا مشكورا د جابر نصار رئيس الجامعة هابطا من مسرحها – حيث كان يكرم نوابغ خريجيها لعام 2013 / 2014 – ليقدم للدكتور مصطفى ولي درع كلية الآداب. وقد كنا – مصطفى وأنا - بعد ذلك على اتصال تليفونيا من حين لآخر.
وختاما أعلن أن أخي مصطفى لم يغادرنا لأنه باق بإبداعاته العلمية والبشرية، وقبيلته: المبدعة والمناضلة د. أهداف سويف، ود ليلى سويف، والمهندس علاء سويف. وإلى لقاء قريب.