حب الشهرة من دعائم العمران

21/08/2016 - 12:44:08

جرجي زيدان جرجي زيدان

جرجي زيدان

... على أن حب الشهرة لا يقتصر على منع المظالم والمنكرات ولكنه كثيراً ما يكون حاثا على الفضائل حتى في المتدينين. فإن أكثر المحسنين وأهل البر يلتمسون مع الأجر في الآخرة حسن الأحدوثة في الدنيا. ناهيك بالذين يحسنون التماساً للشهرة فقط وقلما يهمهم أمر الأجر والثواب وهم كثيرون. ولو دققت النظر وأعملت الفكرة لرأيت الجانب الأعظم من أهل الإحسان إنما يحسنون في سبيل الصيت الحسن... حتى الحكام أنفسهم فإنهم إنما ينصفون الناس عملا بالواجب ومفاد هذا الواجب أنهم إذا لم يعملوا بالحق أضروا بشهرتهم. فالأسباب الحاثة على الفضيلة (غير الدين) كثيرة ولكنك إذا تدبرتها وحللتها رأيتها ترجع إلى حب الشهرة والتماس حسن الأحدوثة في أثناء الحياة أو بعد الممات. وقد يفعل بعض الناس الخير لأنه خير بما تمكن فى نفوسهم من حب الفضيلة بالتربية الحسنة أو العادة وهم قليلون.
فحب الشهرة الذي يعدّه الدين من قبيل المجد الباطل ويعتبره العلم من الأوهام الفارغة ويعدّه أهل الحقيقة من قبيل العبث إنما هو من أكبر دعائم الفضيلة ومن أقوى لوازم العمران. فالرجل القوي إذا لم يكن متديناً ولا طلاّباً للشهرة فإنه بعيد عن الفضيلة مضر في جسم العمران.