كان الأسهل أن يلجأ إلى ترحيل الأزمات كمن سبقوه لماذا يختار السيسى الطريق الصعب؟

17/08/2016 - 2:38:14

بقلم: أحمد أيوب

"لن أتردد ثانية واحدة فى اتخاذ القرارات الصعبة، التى تردد كثيرون فيها خشية رد الفعل".


جملة قالها حرفيا الرئيس عبدالفتالح السيسى وهو يؤكد أنه لن يخشى أى مصير، طالما أنه يتخذ ما يراه قرارات تحقق مصلحة البلد، قالها بوضوح إنه سيسأل أمام الله قبل أن يحاسبه الناس.


البعض اعتبر الرئيس بهذه الكلمات يتحدى الجميع ويصر على قرارات قد تغضب المواطنين، خاصة البسطاء منها، وآخرون اعتبروه غرورا، وملأوا وسائل التواصل الاجتماعى بحملات الغضب والتحريض على الرئيس شخصيا، بدعوى أنه يذبح الفقراء، لكنى ممن اعتبروا ما قاله الرئيس كشفا للمستور ومصارحة لم يكن هناك بد منها، فالوضع يزداد سوءا. والمؤامرت تحاصر مصر والأزمة الاقتصادية تتعقد وكل الحلول التقليدية لم تعد تصلح والمسكنات لم تعد تفيد، ولم يبق فى الإمكان سوى حل واحد، هو الدواء المر.


يقينا لم يكن الغرور هو ما دفع الرئيس ليتحدث ويصر على القرارات الصعبة، فلو كان السيسى مغرورا لما قبله الشعب من البداية، إنما كان دافعه لهذا هو الشعور بالمسئولية أمام الشعب الذى اختاره وحمله المسئولية وينتظر منه الكثير، ولا يقبل منه الاستسلام أو الفشل.


العهد الذى بين السيسى والشعب إنقاذ مصر من عثرتها وإعادتها مرة أخرى إلى مكانتها، وبحسابات الورقة والقلم لم يفرط السيسى فى الأمانة ولم يتخل عن المسئولية ولم يحنث بالعهد، لكنه واجه عثرات لم يعد فى الإمكان تحملها، فلم يكن فى الحسبان أن يصل حد العداء لمصر والمؤامرات عليها إلى التربص بكل سائح يمكن أن يفكر فى قضاء إجازته على شواطئها أو بين معابدها، ولم يكن متوقعا أن يصل الإصرار الغربى على إفشال مصر إلى حد حصارها اقتصاديا ومنع كل منافذ الاستثمار الممكنة من الوصول إليها، ولم يكن متخيلا أن دولا عربية المفترض أنها شقيقة تتخلى عن عروبتها وتشارك فى هذه المؤامرة، ولم يكن متوقعا أن يتعامل بعض رجال الأعمال المصريين، ولحم أكتافهم من خير بلدهم، بهذا القدر من المصلحية ويعطون ظهورهم للبلد ويهربون أموالهم للخارج لمجرد حرمان مصر من فوائدها.


الأهم أنه لم يكن متوقعًا أن يتحول بعض المصريين ممن كان الرهان عليهم ليكونوا فى الطرف المعادى لمجرد أنهم لم يفوزوا بما كانوا يريدون من مكاسب.


لم يكن متوقعًا أن يصر الفاسدون على استمرارهم فى فسادهم ويواجهون بكل ما أوتوا من قوة كل محاولات الإصلاح.


لم يكن متوقعًا أن تكون استجابة المصريين لمطالب الترشيد ومساندة خطة الحكومة لتخفيف الأحمال، سواء الكهربائية أو الاستيرادية أو الغذائية، بهذا القدر من السلبية واللامبالاة.


صحيح لا يمكن إنكار وجود كثير من الفشل الحكومى وسوء إدارتها لبعض الملفات وعدم قدرتها على الإبداع فى البحث عن طرق جديدة لإنعاش الاقتصاد المصرى.


صحيح أيضا أن كثيرًا من القرارات كانت فى غير محلها، وبعضها كان يحتاج تأنيا ومراجعة وحسن توجيه، وبعضها الآخر كان يتطلب قدرا من التوازن السياسى.


كما أن بعض القرارات الحكومية طالت بشكل أو بآخر الطبقة الفقيرة ومحدودى الدخل، مما جعلهم يتساءلون عن نصيب الأغنياء من إجراءات الحكومة، وكل هذا يستحق التوقف أمامه والمصارحة به دون أى تجميل ولا العودة لمبدأ "تمام يافندم".


لكن فى المقابل أيضًا لا يجب أن ننسى ماذا فعل الإرهاب بمصر طوال السنوات الثلاث الماضية، وكيف كان كما قال الرئيس نفسه وربما لأول مرة، إن الإرهاب تحول إلى وسيلة لإيذاء مصر وتأخير تقدمها، وما يحدث فى سيناء والطائرة الروسية خير شاهد على استخدام الغرب والمترصدين لمصر سلاح الإرهاب فى محاولة تركيعها اقتصاديا والتى لن تحدث أبدا.


بالتأكيد لا ينكر أحد أن السيسى تسلم دولة باقتصاد منهك يعانى سكرات الموت، وتدهور أمنى أربك كثيرا من الحسابات الاقتصادية، وعلى مدى عامين قاتل من أجل إنعاش الاقتصاد بكل السبل وإعادة الأمن إلى وضعه الطبيعى، وقد نجح فى ملف الأمن بشكل كبير، فلا ينكر أحد أن الأمان عاد إلى الشارع المصرى كما كان قبل ٢٠١١، وبالطبع لم تكن هذه العودة مجانا أو بلا ثمن، وإنما دفع فيها الكثير من المال والجهد والشهداء كى تعود المنظومة الأمنية وتسترد عافيتها ويحيا المواطن المصرى آمنا.


لكن بقيت المعضلة.. وهى أن الاقتصاد ما زال يعانى، بل ينزف دما بسبب ما يواجهه من أزمات، ورغم ذلك لم يتوقف السيسى عن محاولات الإنقاذ، والتى بدأت بأهم ملف عانى منه المصريون على مدار السنوات الماضية، وهو ملف الكهرباء الذى حقق نجاحا غير مسبوق، والغريب أن الجميع استفادوا، فلم يعد هناك انقطاعات فى الكهرباء، كما كان يحدث أيام الإخوان، ورغم ذلك لم يسأل أحد كم تكلف هذا الإنجاز، أجاب الرئيس بنفسه عن هذا السؤال أكثر من مرة وأكده هذا الأسبوع بأن ما يتم فى قطاع الكهرباء تكلفته الاستثمارية تعدت الـ ٤٠٠ مليار جنيه، من أجل فقط أن نسد الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج.


فى ملف الإسكان الاجتماعى مثلا وصلت الاستثمارات ما يزيد على ١٨٠ مليار جنيه، كى تتمكن الدولة من توفير مسكن مناسب لكل من يطلب ذلك.


فى ملف الطرق اقتربت الاستثمارات من ٣٠٠ مليار جنيه كى تشق طرقًا تخلق مساحات جديدة من التعمير والتنمية أو تخفف زحامًا.


ويمكن أن نقيس على ذلك قطاعات كثيرة فى مقدمتها خطة مواجهة غلاء الأسعار، والتى تكلفت مليارات فقط كى تساند المواطن البسيط فى مواجهة توحش بعض التجار.


يقينًا من حق المواطن البسيط أن يسأل.. وهل فقدت الدولة قدرتها على إجبار التجار على التراجع عن رفع الأسعار؟


وهل لا تملك الدولة أن تفرض على الأغنياء والأثرياء مثل ما تفرضه على الفقراء؟


الإجابة جاءتنى من مسئول كبير بالدولة، قال إن الإجراءات التى ستضبط الأوضاع ما زالت قادمة، وخاصة لفئة الأغنياء، فالدولة لن تعمل على حساب الفقير، وإنما تعمل لصالحه تمامًا.


يضرب المسئول مثالا بأسعار الكهرباء، التى زادت شرائحها مؤخرا، لكن بنسب متفاوتة بدأت ب ١٥٠ قرشا على الطبقة الأكثر فقرا ووصلت إلى حد سعر التكلفة كاملا على الفئات الأكثر استهلاكا.


المسئول يؤكد أن الإجراءات سوف تطال كل الفئات القادرة من أجل تأمين الفقراء، الذين تعمل الدولة جاهدة على توفير مظلة حماية كاملة لهم سواء من خلال برامج تكافل وكرامة أو المعاش الضمانى أو المعاشات.


بالتأكيد كل هذا لا يكفى لسد احتياج المصريين المطحونين، والرئيس نفسه يعلم ذلك، ولهذا فدائما نسمعه يقول، نفسى أعمل للمصريين لكن مش قادر، وفى أحد اللقاءات طلب الرئيس من المصريين أن يتأكدوا أنه "مش قادر"، وليس "مش عايز" والفارق بينهما كثير يوضحه المثل العامى "العين بصيرة والإيد قصيرة".


وقصر اليد الذى يمنع الرئيس من أن يحقق للمصريين ما يتمناه سببه أن موارد الدولة لم تعد تكفى للإنفاق، الذى يلبى مطالب المواطنين، فبينما كل الإيرادات لا تتعدى ٦٨٧ مليارًا تجاوزت المصروفات الـ٩٥٠ مليار جنيه، والفارق بينهما ضخم ويصل إلى ٣٠٥ مليارات، وهو رقم قابل للزيادة، لأن المصروفات غالبا لا تسير وفق ما توقعته وزارة المالية، وإنما غالبا تتزايد شهرا بعد الآخر، وفى النهاية هذه الزيادة لا يمكن توفيرها إلا من خلال الاقتراض أيا كان نوعه ومصدره.


ولأن الاقتراض كان دائمًا هو الحل الأسهل والأكثر أمانا لمن سبقوا من رؤساء وحكومات، فقد اجتمعوا على تأجيل كل المشاكل وترحيلها، بغض النظر عن أن من سيدفع ثمن هذا الترحيل هى الأجيال القادمة، فما كان يهمهم هو أن يفلتوا هم من غضب الشعب ويبقوا فى مواقعهم، والنتيجة أن الدين العام الداخلى اقترب من ٢٣٠٠ مليار جنيه، وإذا أضيف إليه الدين الخارجى يمكن أن يصل الإجمالى إلى ٣٠٠٠ مليار.


هذا هو سبب قصر اليد، فما كان أسهل على السيسى من أن يستمر فى الاقتراض دون رقيب أو حسيب كمن كانوا قبله، لكنه اختار الطريق الصعب، ليس على الشعب وإنما عليه هو شخصيا، فهذا الطريق مغامرة من الرئيس، لأنه كاد يطيح برئيس سابق هو السادات فى أحداث يناير ٧٧، ولكن السيسى يدخل المغامرة ويسانده فى ذلك ثقته من إدراك المصريين للخطر، وأن البلد تواجه أزمة لا يمكن الخروج منها إلا بدواء مر نتحمله جميعا قسمة غرماء، وكذلك إيمانه بأنه لا يمكن القبول باختيار يؤدى بالبلاد إلى الهاوية من أجل الحفاظ على موقعه كرئيس، فمصلحة مصر الآن تقتضى المصارحة والاختيار الصحيح، مهما كان مرهقا ومهما كان ثمنه.


هذه هى الحقيقة، فلو كان السيسى طامعًا فى منصبه ومتمسكا به كما كان غيره لضحى بكل شيء وراهن على الاقتراض دون حدود، لكنه أراد أن يوقف النزيف، بل وأن يبدأ خطوات حقيقية لخفض هذا الدين العام، ولن يتأتى هذا إلا من خلال تخفيض عجز الموازنة، وهذا بدوره لن يتحقق إلا إذا ساهم المواطن نفسه من خلال أمرين، الأول تحمل جزءا بسيطا من فاتورة الدعم، بحيث لا يذهب إلا لمستحقيه، والثانى ضغط استهلاكه سواء من الكهرباء أو الطاقة بكل أنواعها أو الغذاء ووضع حد للاستيراد لسلع مستفزة أو رفاهية أو لها بديل محلى.


يقينى أن الشعب لن يخذل السيسى، بل سيقف بجانبه ويدعم توجهه، ليس من أجله، ولكن من أجل مصر، التى واجبنا جميعا أن نحميها من السقوط.


لكن يقينى أيضًا أن السيسى نفسه لن يترك الفقراء ومحدودى الدخل نهبا لفئة طماعة ملأ الجشع قلوبهم، وإنما ستكون هناك قرارات شديدة تحقق التوازن، الذى يطلبه المصريون وتضمن ألا يظل الفقراء وحدهم يدفعون الثمن.