أطباقهم «مش وملوخية قُرديحى وأرز» على «طبلية» عبد الرحيم و«عياله» الـ٨: الحكومة «بتدوس» الغلابة!

17/08/2016 - 2:24:20

معايشة: محمد السويدى - عدسة: ناجى فرح

"الطبيلة"، كثير من الأجيال الجديدة لا تعرفها، ولا تعرف أنها كانت مكان الأكل، حيث تلتف حولها أغلب الأسر فى القرى والريف والحضر، لكن مع تطور الزمن تحولت إلى سفرة، ونادراً ما تدخل منزلا تجدها فيه. لكن هُناك أسرانسيتهم الدولة، ولم يصبحواداخل حساباتها، ولا زالت تجلس حول "الطبلية" لتأكل أصنافا بسيطة، تسكن فى عشش، لا أحد يشعر بها، ولسان حالها الشكوى إلى الله، من ارتفاع الأسعار والغلاء، قد يبيتون من غير عشاء فى ليال طويلة، الفاكهة واللحوم، زائر لا يحضر أبداً.


"المصور" زارت إحدى هذه الأُسر البسيطة، التى تعيش على هامش الحياه، تنتظر وتعيش على المنح، التى يقدمهاالمقدرون لها، وأسرة عبد الرحيم عبد اللطيف، هى نموذج حى للفقر، وظلم المجتمع له من أفراد ومسئولين.


فـ"عبد اللطيف" الذى يسكن فى "عشش الرملة" ببولاق أبو العلا، لم يكن يتخيل يوما ما، أنه سينجب ٨ أبناء، هكذا كان يخبئ القدر له، لكن فى ذات الوقت كان المجتمع سبباً فيما وصل إليه، فقد تخلت عنه الحكومة، لم ينصحه أحد ولم ينصفه المجتمع، ولم تعِنه الحكومة على أعباء الحياة، فلم توفر له السكن المناسب والغذاء والدواء الآمن، وقبل هذا وذاك خذلته فى وظيفة يكسب منها قوت يومه، حتى وإن كان عامل خدمات، لا يمانع هو فى ذلك، فهو يؤكد أن "الشغلانة الحلال تجلب الرزق والخير والصحة كمان، حتى وإن كانت حمل الرمل والطوب على الأكتاف".


"عبد اللطيف"الأربعيني، يحمل هموم الدنيا، وكفاحه على لقمة عيشه ورزق أولاده جعلت منه إنساناً عجوزاً، غطى الشيب شعره، وطمست أوجاع الزمن معالم شبابه وكسرت هموم الحياة ظهره، رفض التنطع فى الطرقات والعمل فتوة وبلطجيا، فهو يرى الله دائماً أمامه ومن حوله، لا ييأس من رحمته، يعلم أن العيشة الحلال وفقر الدنيا بمثابة تأشيرة دخول الجنة.


يخرج مع كل طلعة شمس، لا يدرى أين يذهب؟، فهذا يوم يعمل فى البناء والمحارة، ويوم آخر فى العتالة وحمل الأخشاب بمنطقة السبتية، ويوم ثالث فى إزالة مُخلفات البناء والقمامة، ويوم رابع، وآخر خامس، يبقى بدون عمل، وهكذا تسير الحياة معه وهو يردد دائما "الحمد لله".


"عبد اللطيف" وأبناؤه الثمانية، الذين لا تجمعهم "طبلية" واحدة فور عودته من رحلة البحث عن الرزق كل نهار من أجل ٢٠ أو ٣٠ جنيها فى اليوم الواحد، وإنما تجمعهم أيضاُ غُرفة واحدة للمعيشة والنوم، الغرفة ذات سقف مكسو بالعروش والمرتكزة على عروق الخشب لا تتعدى مساحتها ٣ أمتار طولا وأربعة أمتار عرضاً، تتخللها فتحات كثيرة، تدخل من خلالها الحشرات والقوارض، وكثيراً ما حدث ذلك حسبما قال الأب، فهو لا يقدر على تأمينها ضد تلك المخاطر أو حتى إعادة بنائها من جديد، لأن ذلك يحتاج قرابة ٢٥٠٠ جنيه.


الغرفة البسيطة تحتوى على سرير واحد وكنبة ودولاب قديم مهلل، وبوتاجاز قديم ٣ شعلة، تنام الزوجة وأطفالها الصغار جلال (٨ سنوات)، وأحمد (٥ سنوات)، ومحمد (٣ سنوات)،وكرمة "شهران" على السرير، وينام الابن الأكبر فارس (١٧ سنة) على الكنبة، وتبقى الأرض من نصيب البنات الثلاث وفاء (١٦ سنة)، ورحمة ومنار توأم (١٥) سنة، ولم يعد للأب عبد الرحيم مكان سوى خارج الغرفة، مشيرا إلى أن ذهاب نجله فارس للعمل فى إحدى المدن الجديدة سيخفف من آلام نومة الأرض فى العراء، فهو سينتقل للنوم على الكنبة، حتى عودة ابنه فى إجازة من العمل بعد أسبوعين.


عندما زرنا هذه الأسرة الفقيرة تأكد لنا، أنه لم يكذب من قال إن ٥٠٪ من المصريين تحت خط الفقر، وأن نسبة كبيرة منهم تعيش حياة بدائية تفتقد لكثير من مقومات الحياة الأساسية من مسكن وطعام وكساء ودواء، لدرجة جعلت البعض منهم يعيش وسط العشش والخرابات المنتشرة فى جميع محافظات الجمهورية، فى القاهرة والدلتا والصعيد، ليس هذا فحسب، مقولة "محدش فى مصر بينام من غير عشا" لم تعُد مقولة ثابتة على حالها كما كان فى الماضي، فكثير من سكان العشش، قاموس حياتهم لا يوجد به وجبات الطعام الثلاث الإفطار والغذاء والعشاء، ومن يأكل اثنين لا يأكل الثالثة، هم لا يأكلون اللحوم، وإنما يشتمون رائحتها فى المواسم والأعياد، ومنذ أن ارتفعت أسعار السلع بدءاً من علبة الكبريت، التى صارت بخمسين قرشا،وحتى كيلو اللحم بمائة جنيه، لم يعد أمام الفقراء سوى صنف أو صنفين ليل نهار على الطبلية هىّ الفول والطعمية والباذنجان المقلي.


عبد الرحيم عبد اللطيف، رفض تناول الطعام هو وزوجته وأبناؤه وحماته العجوز التى كثيراً ما تزورهم وتبقى معهم، إلا إذا جلس "محرر المصور" معهم على الطبلية. أكل بسيط للغاية تشعر من الوهلة الأولى، وكأنه لا يسد جوع الفرد الواحد، فهو يتكون من ثلاثة أطباق، أحدهم به "مش جبنة قديمة، والآخر ملوخية تم طهيها بشوربة أجزاء الفراخ، وطبق ثالث من الأرز"، لكن حكمة الله دائما البركة فى القليل، فقد بارك الله فى الطعام الموجود على الطبلية الصغيرة وحولها قرابة ١٠ أفراد. الجميع يأكل بنفس راضية ومطمئنة، لا سيما الأطفال الثلاثة جلال وأحمد ومحمد، وكأن الله حول مذاق "المش" إلى لحم مشوى، يأكلون بفرحة وسعادة، ورغم صغر حجم أطباق الطعام، وكثرة الأفراد الذين يتناولونه، إلا أن فترة تناوله طالت لقرابة ربع ساعة، وهذا يدل على بركة الطعام.


وبينما يتناول "عبد اللطيف" وأسرته الغذاء، سألت زوجته "أم فارس"، كيف تدبرين طلبات البيت فى ظل غلاء الأسعار، وعدم وجود دخل ثابت للأسرة، وهذا العدد الكبير من أفراد الأسرة؟، ردت قائلة: ربنا "اللى بيدبرها من عنده"، ليس لديخريطة طبخ مُحددة طوال أيام الأسبوع، مثلما تفعل ستات البيوت فى كل مكان، فكل الأيام عندنا واحدة والأكل لا يتغير، فول وطعمية وباذنجان مقلى فى الإفطار، وفى الغذاء نأكل ما يتبقى من الإفطار وربما نطبخ مكرونة أوأرز أوفول بالطماطم وبطاطس محمرة، وفى العشاء حسب الظروف، ولو فى فلوس نأكل بطاطس وجبنة قريش بالطماطم، و"لو مفيش ننام من غير عشا"، وهنا أقسمت "أم فارس" بالله أنها وأبناءها كثيراً ما ينامون من غير تناول وجبة العشاء، مؤكدة أن أسعار الخضروات فى ارتفاع شديد، ووصل كيلو الطماطم إلى خمسة جنيهات، والبطاطس بنفس السعر وكانت قبل ذلك بأسعار أعلى.


وتابعت "أم فارس": لم نذُق طعم اللحمة منذ شهور عديدة، إلا يوما واحدا فى شهر رمضان الماضي، وكانت من فاعل خير جلبها إلينا، وإذا طلب الأطفال تغيير فى نوع الطعام أقوم بشراء أجزاء فراخ، ويبلغ سعر الكيلو منها عشرة جنيهات، وهذا يحدث مرة واحدة فى الشهر، وقد نشترى أرجل فراخ بيضاء، وفيما عدا ذلك لا يعرف أبنائى طعم الفراخ ولا السمك، وقد اعتادوا على ذلك وربنا "ساترها معانا ولو مفيش أكل خالص بناكل عيش حاف وممكن نعمل ذرة فشار".


وفيما يتعلق بخبز التموين، قالت زوجة "عبد اللطيف"، أرغفة العيش التى نصرفها على بطاقة التموين فرقت معانا كتير، فلم نعد نشترى خبزا خارج البطاقة والفائض من المخصص لنا نشترى به إلى جانب بطاقة التموين سكر وزيت ومكرونة، فهىّ الأهم بالنسبة لنا، أما الأرز فهو غالى الثمن خارج التموين ولن يكفى حاجتنا، مشيرة إلى أن الفاكهة خارج حساباتها بشكل نهائي، فأقل أنواع الفاكهة وأرخصها العنب،والآن ثمنه زاد وأصبح الكيلو بعشرة جنيهات، ولا يكفينا أقل من ٣ كيلو بثلاثين جنيها، لا نملكها إطلاقا، و"آخر مرة أكلوا العيال فيها حاجة حلوة كانت فى عيد الفطر كعك وبسكوت من ناس طيبة جابوها للعيال".


يعود عبد الرحيم عبد اللطيف للحديث مجددا قائلا: "العيشة بقت غالية ومش عارفين نعمل إيه"، الأسعار كل يوم فى ارتفاع والحكومة "بتدوس" على الغلابة والفقراء، لدرجة أننى غير قادر على دفع رسوم التقديم لابنتى الكبرى وفاء فى مرحلة الثانوى التجارى بعد اجتيازها المرحلة الإعدادية، وهى فرحتى الكبيرة، لأنها أكبر بناتى.


شكوى "عبد اللطيف" لم تكن من عدم قدرته على توفير احتياجات أسرته الأساسية من طعام وكساء وإنما أيضا الدواء، فإذا مرض ابن لديه أو حتى حماته أو زوجته، يلجأون إلى المسكنات والمشروبات الدافئة من ينسون ونعناع وكمون، لأنه لا يملك ثمن الدواء أو حتى الكشف عند دكتور خصوصى.


وبينما أتحدث إلى الطفل جلال نجل عبد الرحيم، وهو منتقل إلى الصف الثالث الابتدائي، قال نفسى "أتفسح زى العيال اللى بشوفهم فى التليفزيون، ونفسى أروح جنينة الحيوانات وأروح مصيف وأنزل البحر"، وكل ما أقول لأبويا وأمى يقولوا لى "لما ربنا يبعت"، "علشان كده نفسى ربنا يرزق أبويا بفلوس كتيرة، نبنى أوضة تانية ننام فيها والفلوس اللى تتبقى نتفسح بها"!.