٣ قصص من حوارى المحروسة: أوجاع «الناس اللى تحت»

17/08/2016 - 2:19:01

  شيرين صبحى فى جولتها مع عم محمد شيرين صبحى فى جولتها مع عم محمد

تقرير: شيرين صبحى

3 حوارات لمواطنين مصريين، من الغلابة، من قلب القاهرة، لخصت أوجاع "الناس اللى تحت"، الذين لا تعرفهم الحكومة، ولا تعرف مشاكلهم وهمومهم، بعد أن طحنتهم الأيام والأسعار، والمطالب التي لا تنتهي، رغم "قلة الحيلة" والدخل المحدود.


"المصور" نزلت الشارع لتجد ردود أفعال قاسية، وعبارات أكثر قسوة من الغلابة على الارتفاع الجنوني للأسعار، منها، "الناس هتهج من البلد دي".. "دلوقتى كل حاجة مافيهاش بركة".."فين العدالة الاجتماعية اللى بيتكلموا عنها".


وداخل محل صغير بحارة السيدة زينب، يجلس "عم محمد سالم"، ينكفئ على ماكينته، يرتق ثوباً قديماً، أو يركب "سوستة" بدلاً من أخرى تمزقت. يرفع وجهاً متعباً، عندما يرتفع آذان المغرب، يتحرك باتجاه المسجد الذى يقابله، يسمع الحديث الجارى عن الأسعار، يشير إلى الأسفلت المكسر، قائلا: "الأسفلت ده واخدين تمنه من أيام عندما دخلوا الغاز وما فيش حاجة اتعملت".


استأذن"العم محمد" للصلاة،تجولت بنظرى فى المكان القديم، عبارة عن مبان صغيرة توحى بحجم بيوتها من الداخل، شجرة عتيقة ينحنى جذعها بطريقة يسهل معها تسلقها، لتصل إحدى البلكونات.


يعود "عم محمد" من المسجد، يجلس قبالتي، يتحدث من خلف نظارته، تضيق حدقة عينه كمن سيتحدث حديثا سريا، "عيب الدولة إنها مش قادرة توفق بين الكبار اللى فوق والصغيرين اللى تحت".


انضم إلينا رجل كبير بجلباب أبيض ووجه مضىء، هو "عم حسنين سيد" وجدها فرصة لـ"الفضفضة" بما ضاق به صدره "مش قادرين نتكلم، ممنوع التظاهر، ممنوع أى حاجة، خارسين الناس بالقانون".


يتوجه إليه "عم محمد" بالحديث قائلا: "التين يا راجل سعره ١٥ جنيهاً، عمر ما حصل الكلام ده فى بلدنا".. تعال شوف فواتير المياه والكهرباء والغاز، ندفع ١٠٠ للمياه شهرياً"، ويضرب كفا بكف، مردداً: وغيره وغيره ما تعدش".


يعود "عم حسنين" صاحب الجلباب الأبيض إلى الحديث، يتساءل فى استنكار هل هُناك عداد مياه يُهلك بعد ٥ سنوات؟، "زمان العداد كان يشتغل ٢٠ و٣٠ سنة، دلوقتى كل حاجة مافيهاش بركة".


وتابع بقوله: "النهارده روح أي مشوار شوف يكلفك كام، الأسعار فى ارتفاع جنوني، "فين العدالة الاجتماعية اللى بيتكلموا عنها".."النهارده علشان تشترى ربع فرخة هتاخدها بكام.. سيبك من الفراخ واللحمة ما بنشتريهاش"، لكن سلع الغلابة كلها ارتفعت أسعارها، فكيلو البصل "ما نزلش السنة دى عن ٣ جنيهات، والبطاطس بخمسة جنيهات، معقول هذا"!.


"عم حسنين" بدأ فى حساب وجبة الفطار لأسرته التى تضم سبعة أبناء، قائلا: كيلو لبن سعره ٨ جنيهات، وربع كيلو جبن بـ٨ جنيهات، وخمسة جنيهات طعمية، واتنين جنيه عيش.. "الغداء بقى مش هنعد، كيلو الأرز خارج التموين سعره من ٨ إلى ١٠ جنيهات".


ويُكمل "عم محمد" الحديث: "أقل علبة كشرى سعرها ٥ جنيهات، شوفى بقاإفطار وغداء وعشاء، بلاش اللحمة اللى سعرها ١٠٠ جنيه، خلينا فى المستوردة بـ٦٠ جنيها، كيلو العنب بـ١٠ جنيهات، عمرها ما حصلت أن كيلو الليمون يصل إلى ٣٠جنيها.. الناس هتهج من البلد دي".


يمر بنا خلال الحديث رجل ثالث، فيمسك "عم محمد" يده، ويلتفت ناحيتى وهو يردد، "الرجل ده مكوجي، قول لها العيشة عاملة إيه". "عم محمد" يُقسم "من يومين أخبرني أنه مش عارف يجيب إيه فى بيته.. الدواء ارتفعت أسعاره، والبطاطس بـ٥ جنيهات والطماطم بـ٤ جنيهات، حد سمع كده"!.


ويستكمل: البنزين مثل شريان الحياة، عندما يرتفع تزداد أسعار كل شيء، ومع هذا يرفعون الدعم عنه تدريجياً،ملوحاً بيده فى غضب "البلد مش ناقصة.. الناس مستوية".


يردد "عم حسنين" بعد فترة صمت وكأنه يحدث نفسه، "البلد ماشية بالعكس، قالوا كل حاجة هتبقى حلوة.. هو فين الحلو ده؟"!.


وتابع: أقل حاجة "دلوقتى علشان تفتحى بيت ٣ آلاف جنيه، إحنا بنقبض كام بقى؟".. يسأل "عم حسنين" ويجيب نفسه: ألفا جنيه، داخل مدارس ومصاريفها،و"مافيش حاجة اسمها عيل ما ياخدش درس، ما ينفعش!".. "نطلع من أزمة ندخل أزمة أخرى".


ظل وجه "عم محمد"مهموماً وهو يتحدث، "تطلعى من رمضان والعيد وبعدين تلاقى المدارس وبعدين العيد الكبير، وياريت فى حاجة مُستقرة، جميع الأدوات الكهربائية زادت أسعارها، يعنى اللى عنده بنت عروسة بيجهزها هيلطم، ده غير أسعار الذهب".


وتابع بقوله: "نفسنا نشوف بلدنا دى حلوة، من ٦٠ سنة، وعندنا أمل حالها يتعدل ومافيش فايدة، من أسوأ لأسوأ، كان نفسنا نحس إنها مصر وإنها أم الدنيا صحيح".


مضيفا: الخيط ارتفع ثمنه من ٤ جنيهات إلى ثمانية، لكن لا أستطيع أن أرفع أسعارى وفقا لمقتضيات السوق.. "أسعارى على قد الحارة، والمحل ما بيجبش همه، هزود على مين، ما كلنا شقيانين".


"عم محمد"وهو موظف على المعاش، معاشه ٤٥٠ جنيها، يعيش هو وزوجته فقط، أما أبناؤه كما يقول "طفشوا بره"..!


لا يستطيع "عم محمد" تحديد دخله بالتمام، لأنه يعمل حسبما يرسله القدر "الدخل طالع ونازل.. أنا باخد معاش وهو اللى ساندنى شويه، وزوجتى أيضا لها معاش، وعلى قد الموجود أدينا عايشين".


أثناء الحديث، يصل خطابان من مؤسسة "مصر الخير"، يُقلب "عم حسنين" فى الخطاب بين يديه "الجوابات بتيجى بدمغة خمسة جنيهات، مع أنها مؤسسة خيرية المفروض معفية من الضرائب، حد يحط بوستة بخمسة جنيهات، أمتى سمعنا الكلام ده؟ السنة دى بس".


يضحك الآخر "بيمنعوا الناس تعمل الخير".


يغرى مقعد خال رجلا آخر للانضمام إلينا، وهو مهندس على المعاش، لديه ولد وبنت لازالا فى التعليم، يشكو إلى عم محمد "٣٥ سنة شغل فى الحكومة، وآخر خدمة "الغُز" ١١٥٠ جنيه معاشاً، أعيش بهم إزاي، العيل مالوش دعوة عايز اللى عايزه، ولما أقول مافيش ترد بنتي: "أمال بتخلفونا ليه".


يلتفت ناحيتي، تحمل عيناه مزيجا من الغضب والألم "أنا واحد من الناس مش حاسس إن دى بلدي، علشان كده ما بتكلمش فى حاجة"!.