انتخابات ٢٠١٨ .. من ينافس السيسى؟

17/08/2016 - 2:16:56

بقلم : د. حسن أبوطالب

فى كلمته أثناء افتتاح إحدى القلاع الصناعية الجديدة الخاصة بالبتروكيماويات فى مصر، كان الرئيس السيسى صريحا أكثر من المعتاد فى شرحه للوضع الاقتصادى الحرج الذى تمر به مصر الآن، سواء من حيث الأسباب التى تعود إلى عدة عقود مضت، وتهرب الحكومات السابقة من اتخاذ القرارات الصعبة، واعتياد فئات عريضة من الشعب على دعم حكومى لفترات طويلة رغم عدم قدرة الدولة على توفير هذا الدعم، أو من حيث متطلبات العلاج والمواجهة والتى تقوم بالأساس على فكرة محورية وهى أن مسئولية الخروج من هذا الوضع الحرج هى مسئولية للشعب كله، فالجميع مطالبون بتحمل نصيبهم من فاتورة الإصلاح، وإلا فإن البديل هو ببساطة أن يتطور الوضع إلى حد عدم السيطرة عليه، وعندها فالفاتورة ستكون أضعافا مضاعفة، أعاذنا الله من هذا الاحتمال ومن شروره.


مسألة تحمل جزء من المعاناة فى الحاضر من أجل بناء مستقبل أفضل يستحقه الشعب وتستحقه مصر ليس أمرا محببا لكثيرين، رغم أن كل الشواهد تقول أن لا بديل عن تلك المعاناة. فالمجتمع عاش لمدة ستة عقود وتحكمه قناعة عامة مفادها أن الحكومة عليها أن تتصرف وتوفر الأموال وتراعى الغنى والفقير وتفتح المدارس والجامعات العامة بأقل المصروفات الممكنة، كما تفتح المصانع لكى تشغل الخريجين حتى ولو لم يكونوا مؤهلين، فالمهم أن يشتغلوا فى الحكومة وأن يحصلوا على راتب وحوافز وترقيات لا يمكن لأحد أن يوقفها أو يضع لها ضوابط من أجل التحسين أو التطوير، وعليها أيضا أن توفر الخدمات من نقل وكهرباء ورعاية صحية وتعليم أيا كان المستوى والجودة بأقل من تكلفتها أو بلا تكلفة أن أمكن ذلك.


ومثل هذه القناعة المجتمعية جعلت أمر الإصلاح شيئا عصيا، ودفع الحكومات إلى الهروب من القرارات الصعبة الخاصة بترشيد الدعم من جانب وترشيد الإنفاق العام من جانب آخر، ورفع تكلفة الخدمات وضبط العمل الحكومى، ومع تراكم الأعباء وندرة الموارد وقلة الإنتاج وضغوط الخارج والاشتباك مع قوى الإرهاب فضلا عن بيئة الفساد التى استشرت، كان من الطبيعى أن تصل البلاد إلى نقطة اللاتوازن المفرط، وعندها إما إصلاحا قائما على خطة ورؤية محددة بعيدة عن أى غموض ومدعوم بوعى المصريين وبحرصهم على بلدهم وتقبلهم بصدر رحب تكلفة الإصلاح، أو الانفلات لا سمح الله.


صراحة رئاسية صادمة


من الطبيعى أن تحدث صدمة لدى كثيرين، صدمة أن الذى يحدثهم هو الرئيس الذى اختاروه عن اقتناع بقدرته على قيادة البلاد إلى بر الأمان، وهم قد اعتادوا أن يسمعوا منه ما يعطيهم الأمل بأن مصر على الطريق الصحيح وأن الانفراجة مقبلة فى مدى زمنى محدود. ولكنه فى حديثه الأخير بالاسكندرية يفصح عن مصاعب لا مفر من مواجهتها. صراحة الرئيس هنا هى امتداد طبيعى لشخصيته التى عرفها المصريون منذ لحظة ظهوره الأولى فى ساحة السياسة، وبالقطع هى ليست خداعا كما حاول بعض الكُتاب والناشطين فى الداخل والخارج أن يصوروها كجزء من حملة تطفو بين الحين والآخر للنيل من السيسى كشخص وكرئيس وكقدر لهذه الأمة فى هذه المرحلة تحديدا.


صراحة السيسى حول الوضع الاقتصادى المصرى وإن صدمت بعض المصريين لما فيها من تحديد للمسئوليات، إلا أنها لم تفقدهم احترامهم برئيسهم، ولم تحول توجهاتهم نحوه كما يأمل نفر من الداخل والخارج يرون فى الرجل وقيادته لمصر بمثابة حائط صد صلب لما يخططون له من تغيير يتمنون حدوثه، ونقطته المركزية هى إنهاء عهد السيسى بأى شكل كان. شعارات هؤلاء ليست جديدة على الأسماع كإنهاء حكم العسكر وعدم الكفاءة وغياب الرؤية وتدهور حقوق الإنسان وعدم استيعاب الشباب وتراجع الحالة الاقتصادية ورفض المصالحة مع الإخوان، الأكثر من ذلك فإن هؤلاء يرون فى أنفسهم وصيا على الشعب والمؤسسات والرئيس ويجاهر بعضهم بعدم ترشح السيسى مرة ثانية. ورغم أن هؤلاء يتحدثون وكأنهم حريصون على الشعب ومصالحه لكنهم فى الحقيقة يصادرون حقه فى أن يختار من يريد حتى قبل عام ونصف العام من الاستحقاق الانتخابى المقرر دستوريا فى منتصف العام ٢٠١٨.


مصادرة حق الشعب خطيئة كبرى


مصادرة الحق الأصيل للشعب فى اختيار رئيسه خطيئة سياسية لا يمكن قبولها. أما البحث عن منافس للرئيس السيسى فى انتخابات حرة ونزيهة فهى أمر آخر، من الصعب إنكاره على أى مصرى ما دام الأمر يجرى وفق الدستور والقانون ودافعه خدمة الوطن أولا وأخيرا. فبدون منافس أو أكثر فلن تكون هناك انتخابات أصلا، وبالتالى فالبحث عن هذا المنافس هو عمل جاد ووطنى بالدرجة الأولى، وليس مجرد دعوة مثيرة أو مزايدة سياسية أو تحرك دعائى تموت فكرته قبل أن يعرفها الناس المستهدفة. وفى هذا السياق العام وبشرط جدية الدعوة نضع ثلاث ملاحظات، أولها أنه يحق لأى مصرى أن يبحث ويناقش أية دعوة تصدر بشأن إعداد منافس للسيسى فى انتخابات ٢٠١٨. وثانيها أن أى مصرى يرى فى نفسه القدرة على منافسة السيسى أن يفصح عن رؤيته وبرنامجه السياسى بعيدا عن أى تدخلات خارجية، وثالثا أن تكون لديه القدرة على مخاطبة المصريين وإقناعهم بأنه بديل مناسب لقيادة البلاد.


الملاحظات الثلاث تعنى بالأساس بتحقيق انتخابات شفافة على أرضية وطنية بعيدة كل البعد عن الإيحاءات والمشروعات التى يطرحها البعض باعتبارها بديلا للنظام القائم. فالفارق بين الوعد ببديل للنظام الذى ارتضاه الشعب من خلال دستور ومؤسسات وانتخابات رئاسية وبرلمانية وبين السعى لمنافسة شريفة بين رموز وطنية فى انتخابات رئاسية هو فارق كبير بين الغث والسمين، ومن يخلط بين الأمرين فهو إما أنه جاهل أو مغرض أو يسعى لمجد شخصى واهٍ. وحين يطرح أحد العلماء الشباب المقيمين فى الولايات المتحدة فكرة أن تجتمع قوى وصفها بالثورية من أجل إعداد بديل رئاسى، ثم قيل لاحقا إنه فريق رئاسى تحضيرا لانتخابات ٢٠١٨، ثم يخرج علينا تقرير من مركز بروكينجز بأن الباحثة المسئولة عن مصر تعد فريقا ممن تم وصفهم بالمصريين الجدد من أجل انتخابات ٢٠١٨، وهى التى كانت مسئولة عن إعداد مجموعة من الباحثين المعنيين بالشأن المصرى قبل وأثناء ٢٥ يناير ٢٠١١، يطرح التساؤل نفسه، ما شأن مركز أمريكى بإعداد مجموعة خاصة بانتخابات مصرية مائة فى المائة، وهل لذلك علاقة مع ما طرحه العالم المصرى، أم أن الأمر مجرد توارد خواطر سياسية؟


صياغات عادية وجوهر مشوش


وبعيدا عن أى فكر تآمرى، وبما أن انتخابات ٢٠١٨ هى شأن مصرى بالأساس، فسوف نشتبك فى عجالة مع فكرة الفريق الرئاسى، والتى طرحها د.عصام حجى فى بعض تغريداته ثم أفاض فى شرحها فى برنامج تليفزيونى فى قناة تبث من لندن عاصمة الإرهاب العالمى ومأوى الإرهابيين وتمولها قطر أكبر ممولى الإرهاب فى العالم دون منازع، ثم أعاد شرحها فى بيان على موقعه الخاص بالانترنت. وفى كل مناسبة كانت هناك مقولات متباعدة وبحاجة إلى تفسير.


وبداية لا نصادر حق أى مصرى فى أن يطرح ما يشاء، وفى الآن نفسه فمن حقنا أن نعرف كل كبيرة وصغيرة عن هذا الذى يُطرح لحاضرنا ومستقبلنا. ورغم البريق الذى يراد للفكرة من خلال الحديث عن بديل وعن أن الحكم للشعب، فالتضارب والتشوش يبدو أكبر من أى شئ. والفكرة ببساطة تبدو غير مكتملة الأركان، أو لنقل تختلط فيها الأمور بشكل يجعلها مشوشة إلى حد كبير، فالرجل تحدث عن عدة أمور فى آن واحد، بداية من تشكيل فريق رئاسى يخوض انتخابات ٢٠١٨ ومعه تشكيل وزارى معلن لوضع خطوات سريعة لتصحيح المسار الذي طالبت به ثورة ٢٥ يناير، وأن «المبادرة سوف تنسق مع جميع أطراف القوى المدنية القائمة حاليا في مصر للتوافق لخوض انتخابات الرئاسة "، ثم عن برنامج أخلاقى تعليمى تربوى يدعو للاهتمام بالتعليم والصحة والاقتصاد والمساواة والمرأة وفى تصريحات أخرى عن العدل والمصالحة، وعن مجموعة محدودة جدا من الشباب هى التى تواصلت فيما بينها وهى التى طرحت الفكرة وأنها لا تنتمى لأى تيار سياسى لكن لديها انتماء للبلد، وفى قول آخر إن قوى التغيير وثورة يناير هى التى تجمعت وطرحت الفكرة، وعن أحزاب وقوى سياسية رحبت بالفكرة وبالمشاركة فيها ولكنها لم تعلن عن ذلك (لا أدرى لماذا لم تعلن عن مشاركتها إذا كانت مرحبة بالفكرة أصلا؟) وقد تعلن فى الوقت الذى يناسبها، وعن تقديم بديل للشعب المصرى (لم يقل بديلا للنظام أم بديلا للرئيس السيسى)، وبشكل قاطع وحسب كلمات الرجل "ليس لدينا فريق رئاسي، وليس لدينا أسماء، والباب مفتوح للجميع، وليس لدينا مرشح رئاسي"، وعلى هامش الفكرة كانت هناك بعض تصريحات ذات طابع خاص مثل "نرى الاستثمارات في كل القطاعات ما عدا الشباب"، و"جيش مصر أكبر من إنَّه يعادي شوية طلاب جامعة" و"الحل الوحيد للإرهاب هو التعليم".


وفى الإجمال هى "مبادرة مصرية سلمية مفتوحة للجميع يتكاتف كل أعضائها تحت راية موحدة لمحاربة الفقر والجهل والمرض، ويكون العدل والتعليم والصحة الأساس لتحقيق طموحات المصريين في أن تصبح مصر دولة مدنية ذات اقتصاد قوي تستطيع من خلاله أن تحفظ كرامة الجميع". ومع ذلك فليس للمبادرة مقر، وقد يأتى الرجل بين الحين والآخر ليدير المبادرة فى الداخل. والسؤال هنا تحديدا أين هذه القوى فى الداخل التى رحبت بالفكرة والعمل تحت مظلتها؟


تنمية مستدامة ورؤية محددة


فى كثير من الكلمات المُشار إليها تختلط المسافات بين إعداد منافسين للرئيس السيسى وبين دعوة القوى السياسية، وفى قلبها ما يوصف بقوى ٢٥ يناير لكى يكون لديها تصور بشأن القضايا الرئيسية التى يجب التصدى لها كجزء من عملية إعادة بناء مصر. ويا ليت هناك قوى سياسية وحزبية تعد نفسها بالفعل لكى تقدم مرشحا أو أكثر لانتخابات الرئاسة المقبلة، فلا ديمقراطية ولا منافسة إلا من خلال اشتباك حقيقى بين أكثر من مشروع سياسي، شرط أن ينبع من الداخل ومن رؤى مصرية صميمة وأصيلة، ويترك الاختيار للشعب صاحب الكلمة الأولى والأخيرة فيمن يكون الرئيس موضع الثقة.


وإذا كان هناك من يحدد القضايا الملحة والتى بحاجة إلى تطوير هيكلى وإلى تصورات واضحة وسياسات وبرامج محددة زمنيا وتنفيذيا، بأنها قضايا التعليم والصحة والمرأة والمساواة، فلا أعتقد أنه جاء بجديد، ففى كلمة الرئيس السيسى الأولى فى افتتاح أعمال البرلمان جاءت دعوته التى نادى البرلمان للاهتمام بها والتعاون مع الحكومة فى إيجاد حلول هيكلية لها متضمنة خمس أولويات، وهى التعليم والصحة ومعالجة قضايا الفقر والنمو الاقتصادى والإعلام وتمكين المرأة، وفى برنامج الحكومة الذى أقره البرلمان جاءت الأولوية لهذه القضايا، وفى الاتفاق المبدئى المعلن بين الحكومة المصرية والبنك الدولى، كان الإصلاح الاقتصادى الشامل ومراعاة الفئات الاجتماعية محدودة الموارد جزءا رئيسيا من الاتفاق.


وإذا أردنا التوسع قليلا فنشير إلى أن مصر لديها رؤية شاملة للخمسة عشر عاما المقبلة وهى "استراتيجية التنمية المستدامة رؤية مصر ٢٠٣٠"، والتى سبق الحوار المجتمعى حولها، وتم تدشينها رسميا بحضور الرئيس السيسى وأذيعت على الكافة. وفى صدر هذه الرؤية التعريف بالهدف الاستراتيجي الكبير الذى تعمل كافة المؤسسات للوصول إليه وهو بناء مصر جديدة بحيث تكون مصر" بحلول عام ٢٠٣٠ ذات اقتصاد تنافسى ومتوازن ومتنوع يعتمد على الابتكار والمعرفة، قائمة على العدالة والاندماج الاجتماعى والمشاركة، ذات نظام إيكولوجى متزن ومتنوع، تستثمر عبقرية المكان والإنسان لتحقيق التنمية المستدامة وترتقى بجودة حياة المصريين، وأن تكون مصر ضمن أفضل ٣٠ دولة على مستوى العالم من حيث مؤشرات التنمية الاقتصادية ومكافحة الفساد والتنمية البشرية وتنافسية الأسواق وجودة الحياة". وإذا كان هناك من يزيد على هذه الأهداف الكلية الكبرى فأهلا وسهلا دون مزايدة أو مكابرة. فى حين أن العقل يقول فلنضع أيدينا جميعنا لنحقق هذه الرؤية الطموحة. أما أن نطرح أمورا عادية باعتبارها فتحا علميا وسياسيا وهى ليست أكثر من عدة بنود فرعية فى استراتيجية شاملة سبق الإعلان عنها، وتمثل النهج الذى تسير عليه المؤسسات بداية من الرئاسة ونهاية بأصغر مسئول، فهذا هو التشوش بعينه.


وإذا عدنا إلى صدر هذا المقال، ونظرنا إلى صراحة الرئيس بشأن التحديات الاقتصادية، فنحن أمام مكون أساسى من إعادة البناء يغفل عنه الكثيرون. وأخيرا فإن منافسة الرئيس السيسى فى انتخابات حرة ونزيهة وتحت سقف الدستور المصرى ليست أمرا مُستهجنا فى حد ذاته، فهى استحقاق وطنى كبير نأمل أن يكون خطوة نحو مصر ديمقراطية وجديدة بمعنى الكلمة، وندعو كل القوى السياسية أن تفكر بإخلاص فى هذا الأمر بعيدا عن أى تدخلات خارجية أو إيحاءات بلا مضمون. أما المُستهجن فهو أن يتصور بعضهم أنهم يملكون الحكمة المطلقة والوصاية على شعب مصر وأنهم يعرفون مصلحته أكثر منه.