اتفاق الصندوق.. واقتحام المقدسات!

17/08/2016 - 2:15:33

  السيسى أثناء افتتاحه لمصنع إيثديكو بالإسكندرية السيسى أثناء افتتاحه لمصنع إيثديكو بالإسكندرية

بقلم: عزت بدوى

ما بين التهويل والتهوين والتأيين والرفض تضاربت آراء السياسيين والاقتصاديين بشأن القرارات الصعبة المقبلة عليها مصر لمواجهة أزمتها الاقتصادية توصلاً للاتفاق المبدئي مع صندوق النقد الدولي وبشأن برامجها الإصلاحية وبعيداً عن التهويل أو التهوين فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن ماذا لو لم نتخذ هذه القرارات وما هى بالتحديد هذه الإجراءات أو القرارات التي يجب علينا اتخاذها وما هو تأثيرها علي المواطنين وخاصة محدودي الدخل والفقراء وهل لا بد من اتخاذها في الوقت الراهن خاصة في ظل موجة ارتفاع الأسعار وتزايد أعداد العاطلين وتدني الأحوال المعيشية لنحو ٤٠٪ من الشعب المصري؟


بل الأكثر من ذلك هل لا يوجد حلول أخري لتجنب هذه القرارات في هذه المرحلة وإذا كنا مضطرين لاتخاذها فكيف نحد من آثارها وتأثيراتها السلبية علي الفقراء الذين يبحثون عن تحسين أوضاعهم المعيشية الحالية وليس فرض المزيد من الأعباء عليهم.. وهل يمكن لهذه القرارات أن تقود البلاد إلي اضطرابات اجتماعية مشابهة للتي حدثت من قبل في ١٨و ١٩ يناير عام ١٩٧٧ واضطر الرئيس الراحل أنور السادات إلي التراجع عنها وإلغائها.


كما يردد بعض السياسيين الآن؟!


بداية لا بد أن ندرك أننا نعاني من اختلالات هيكلية في الاقتصاد المصري وأن المرض استشري ويهدد الجسد بالكامل وإن هذه الاختلالات ليست وليدة الأوضاع والظروف الحالية وإنما نتيجة تراكم سياسات خاطئة امتدت لأكثر من ٥٠ عاماً كانت الحكومات والأنظمة السابقة تخشي فيها مواجهة الحقيقة المرة وليست لديها الشجاعة الكافية لمكاشفة المريض بحقيقة أوضاعه الصحية ومرضه ولجوئها إلي المهدئات والمسكنات وتترك أسباب المرض ذاته بدون علاج مما أدي إلي انتشاره واستفحاله ثم خشية تكرار أحداث ١٨ و ١٩ يناير عام ١٩٧٧ والتي لم تكن في الواقع لخطأ في الإجراءات أو القرارات ذاتها التي تم اتخاذها وإنم الخطأ من مصارحة الشعب بها.


والمتهمون له قبل اتخاذها وربطها بحزمة من شبكة الحماية الاجتماعية التي تخفف من آثارها علي محدودي الدخل والفقراء مما دفع المواطنين للثورة عليها وعدم العودة لمنازلهم قبل إلغائها لتصبح قرارات الإصلاح الاقتصادي بعد ذلك “كابوس” يخشاه الجميع وتلجأ الحكومات للمسكنات وتبتعد عن العلاج “المر” خشية من ثورة الجماهير ضدها ثم جاءت ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ وما ترتب عليها من انقلاب أمني واضطرابات سياسية لتتوقف عجلة الإنتاج تماماً وتتبدد احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي.


وتزداد الواردات لسد الفجوة الغذائية وتتراجع الصادرات لنقص الإنتاج وتزداد البطالة بين الشباب لتوقف الاستثمارات وتلجأ الحكومات المتعاقبة إلي مزيد من الاستدانة الداخلية من الجهاز المصرفي لتصل الديون الداخلية إلي قرابة ٢.٨ تريليون جنيه مصري وتصل الديون الخارجية إلي قرابة ٥٣ مليار دولار أمريكي وتصل نسبة الديون إلي ٩٨٪ من الناتج القومي الاجتماعي ويتزايد عجز الموازنة العامة إلي ١٤٪ وتتدني نسبة النمو إلي ٣.٥٪ بعد أن كانت قد وصلت إلي ٧٪ قبل ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ وتتزايد البطالة ويرتفع التضخم وتزداد الأسعار إلي ١٤٪ وتتراجع قيمة الجنيه المصري إلي أدني مستوياته بعد تراجع تحويلات المصريين بالخارج إلي ٢١ مليار دولار بدلاً من ٢٦ مليار دولار.


وتكاد إيرادات السياحة تتوقف بعد أن كانت قد وصلت إلي ١٤ مليار دولار أمريكي وتزداد الواردات إلي أرقام فلكية لتصل إلي قرابة ٨٠ مليار دولار أمريكي بينما الصادرات لا تتجاوز ٢٢ مليار دولار ليتزايد العجز في الميزان التجاري وتكاد الاستثمارات الأجنبية تتوقف بعد تراجعها بعنف لتعود من جديد إلي السوق السوداء للعملة والتي كانت قد انتهت تماماً وتزداد الفجوة بين السوق الرسمية والسوق الموازية في العملة لتصل إلي قرابة ٤ جنيهات في الدولار الواحد لتشتعل أسعار السلع في الأسواق وتتراجع القوة الشرائية للجنيه المصري وأمام هذه الاختلالات الرهيبة في السياسات المالية النقدية والاقتصادية للبلاد فلا يوجد أمام صانع القرار السياسي سوي حل واحد من حلين أحلاهما “مر” وهي أن يفعل كما فعل من سبقوه ويترك الأمور تزداد تدهوراً أو سوءاً ويلجأ إلي مزيد من المسكنات الوقتية.


وينهار حلم بناء الدولة المصرية الحديثة أو يلجأ إلي العلاج الفعلي واقتحام المقدسات التي يخشاها الجميع بقرارات مدروسة مسبقاً ومعروف نتائجها وتم الإعداد لها بدراسات اقتصادية فنية محكمة تتصدي “للفيرس” الذي استشري في الجسد الاقتصادي وتعالج اختلالاته بحزمة متوازنة من القرارات الاقتصادية الصحيحة والتي يواكبها برامج اجتماعية فعالة تخفف من انعكاسات القرارات الاقتصادية علي الطبقات الفقيرة والمهمشة في المجتمع.


إن الاختلالات الهيكلية في أسعار السلع والخدمات والمدرجة تحت “بند” الدعم تعتبر من أكبر المقدسات التي كانت تخشاها الأنظمة السابقة والتي قادت البلاد إلي الفساد وتربح الأثرياء وتزايد الفوارق بين الطبقات فالكل يعلم أن الدعم الذي يحصل عليه الأغنياء من الطاقة والغذاء والخدمات يفوق أضعاف المرات الدعم الذي يحصل عليه الفقراء وتزايد حجم الدعم عاماً بعد عاماً حتي أصبح يلتهم ٢٥٪ من موازنة الدولة بخلاف مايهدره من موارد تحرم منها الموازنة وتضخم الأسعار ويتكرر نفس الأمر في الخدمات سواء مواصلات أو كهرباء أو مياها أو صحة وغيرها.


إن تكلفة إنتاج هذه الخدمات تفوق بكثير تكلفة بيعها للجمهور والأغنياء أكثر حصولاً عليها الفقراء.


القضية الحقيقية الآن هي مدي قدرة الحكومة علي ضمان وصول الدعم لمستحقيه سواء الدعم النقدي المشروط للأكثر فقراً والفقراء والمخطط له أن يصل إلي ١٢.٥ مليار جنيه في الموازنة الجديدة من خلال برنامجي تكافل وحماية أو المساعدات والزيادات في المعاشات وأصحاب الدخول المتدنية.


نجاح القرارات الاقتصادية الجديدة التي بدأ اتخاذها منذ عام ٢٠١٤ بتحرير أسعار الطاقة علي مراحل تصل إلي ٥ سنوات وغيرها من تشريعات جديدة كالضريبة المضافة وقانون الخدمة المدنية ويتطلب مصارحة الشعب بالحقائق والشفافية التامة قبل الإقدام علي أي قرار ولا مكان للقرارات المفاجئة أو الصدمات الكهربائية وأعتقد أن حكومة المهندس شريف إسماعيل ووزاءها له اقتدت بالرئيس السيسي في مصارحة الشعب وشفافية في الحديث عن مشكلات الجماهير والقرارات الصعبة التي يجب اتخاذها لتحقيق غد أفضل للمصريين.


فلا بد أن يدرك الجميع إذا كنا نريد نمواً اقتصادياً حقيقياً فلابد أن يشارك الجميع في صنعه ويتحمل جزءاً من مرارة العلاج الذي يضمن الشفاء في النهاية لأن المسكنات تخفي المرض ولا تقضي عليه.