بـلاها جيـــش

17/08/2016 - 1:54:41

بقلم - لواء. نصر سالم

لست أدرى لماذا استدعت ذاكرتى ذلك المشهد «لعواجيز الفرح» أقصد رجالات مصر من باشاوات وبكاوات - أو قل رجالات السراى السابقين. وهم يجتمعون فى أحد القصور، يهللون ويرقصون فرحاً، على أصوات فرقعات زجاجات الشامبانيا التى يفضون سداداتها، فور اعلان الإنذار الأنجلوفرنسى لمصر يوم ٣١ أكتوبر عام ١٩٥٦ بأن تسحب قواتها من سيناء إلى مسافة ١٠ كم غرب قناة السويس وأيضا لإسرائيل أن تنسحب لمسافة ١٠ ك.م شرق القناة طبعا يقصدون تقدم إسرائيل للاستيلاء على شبه جزيرة سيناء وحتى مسافة ١٠ ك.م شرق القناة لأن إسرائيل يوم ٢٩ أكتوبر كانت قد دفعت لواء مشاة + كتيبة مظلات لمهاجمة ممر متلا الذى يبعد عن قناة السويس بمسافة لاتقل عن ٧٠ : ٨٠ كم وتمكنت قواتنا من صده وانزال نسبة عالية من الخسائر - كان الإنذار الإنجلو فرنسى يطلب إخلاء المنطقة شرق وغرب القناة من القوات كى تحتلها القوات الإنجليزية والفرنسية لتأمين الملاحة الدولية فى قناة السويس كما يدّعون، فى الوقت الذى كانت فيه المدمرات والبوارج الإنجلو فرنسية تقترب من بورسعيد التى بدأت قوات المظلات الإنجليزية والفرنسية تسقط فيها تمهيداً لاحتلالها .


لم يكن هذا الاجتماع الموصوم من أجل الدفاع عن مصر ولا حتى لإعلان رفضعهم لهذا الإنذار. ذراً للرماد فى العيون - ولكنه كان نموذجاً غير مسبوق للخيانة والعمالة - لقد تمخض هذا الاجتماع عن توجيه طلب إلى الزعيم/ جمال عبدالناصر، بأن يسلم نفسه للسفارة الإنجليزية - أى إعلان استسلام مصر.


استدعت ذاكرتى ذلك المشهد وأنا أتابع ردود أفعال هؤلاء البعض الذين يسمون أنفسهم بالنخبة - والأصح الخيبة - بعد صدور ذلك العدد من مجلة «الإيكونوميست».


أفهم أن يهاجم الإنجليز والغرب مصر بكل ضراوة وأن يشككوا فى كل إنجازاتها ويصفونها بالفشل لأن هذا دستورهم الذى أصدروه فى مؤتمر كامبل بنرمان الذى انعقد فى لندن خلال الفترة من عام ١٩٠٥ إلى عام ١٩٠٧ لبحث أسباب إنهيار الامبراطوريات وخلصوا فيه إلى أن العالم من حولهم يتكون من ثلاث مجموعات.


المجموعات الأولى : لها نفس المصالح ونفس التوجه الحضارى وهم الأمريكان، وأوصوا بأن يتم التعاون والتحالف معهم.


المجموعة الثانية : لايوجد هناك صدام حضارات معها ولكن يوجد تعارض مصالح وهى مجموعة شرق أسيا ، وأوصوا بالتعامل معها ولكن بحذر.


المجموعة الثالثة : وهى الواقعة شرق وجنوب المتوسط، أى الدول العربية، فهذه المجموعة لديها جميع مقومات الوحدة وكل مقومات الحضارة مادياً ومعنوياً ووحدتهم هى سر قوتهم وأنهم لم يتحدوا إلا وسادوا العالم.


وهذه المجموعة يوجد بينها وبين أوربا، صدام حضارى وصدام مصالح، وقد أوصى المؤتمر بأن يتم العمل على إبقاء هذه المجموعة ضعيفة ومتخلفة، وألا يتم تمكينها من إقامة وحدة فيما بينها - كما أوصى المؤتمر بزراعة كيان غريب (دولة) بين مجموعة الدول العربية فى القارة الأسيوية ومجموعة الدول العربية فى قارة افريقيا كى يتم قطع الاتصال البرى بينها وإعاقة وحدتها.


ومنذ ذلك اليوم لم تهنأ منطقتنا العربية، من المؤامرات بدءاً من بنرمان إلى بلفور إلى سايكس بيكو، إلى إيدن ٥٦ ، إلى حرب ١٩٦٧، إلى غزو لبنان ٨٢ ، فغزو العراق.. ثم ما أسموه بالربيع العربى والإخوان فداعش.. إلخ.


أفهم أن يهاجم الغرب بكل ضراوة رئيساً مصرياً اسمه عبدالفتاح السيسى لأنه أفشل مخططاتهم لتقسيم المنطقة كما جاء فى خطة الصهيونى الأمريكى برنارد لويس ، وأفشل الاتفاق الأمريكى الصهيونى الإخوانى على جعل سيناء هى الوطن البديل للفلسطينيين بعد إخلاء فلسطين التاريخية من الفلسطينيين وجعلها دولة يهودية خالصة العرق لايسكنها إلا اليهود.


أفهم أن تدعو إلايكونوميست إلى عدم تسليح الجيش المصرى وإلى إضعافه لأن هذا الجيش هو الذى قض مضاجع أوربا فى عهد محمد على باشا.. ولولا تكالب الأساطيل الأوربية ضده فى موقعة نيفارين لتغير وجه التاريخ.


وهو الذى خرج منه فى مواجهة العدوان الثلاثى على مصر عام ١٩٥٦ زورقا طوربيد أحدهما بقيادة البطل المصرى جلال دسوقى الذى أغرق أكبر مدمرة فى الأسطول البريطانى لتسكن قاع البحر المتوسط شمال بحيرة البرلس ، والثانى بقيادة البطل السورى جول جمال الذى أصاب الطراد الفرنسى فى مقتل وأخرجه من المعركة ليسحبوه قبل الغرق إلى قبرص ويخرج بعدها من الخدمة.


الجيش المصرى الذى كان ضحية الخطة الغربية (اصطياد الديك الرومى) فى عام ١٩٦٧ لينهض بعدها من كبوته فى زمن قياسى ، ويشهد العالم على أعظم معركة عبور فى التاريخ. ويستعيد أرضه ، ومكانه على خريطة جيوش العالم. ثم يواصل دوره القومى الوطنى فى الحفاظ على أمن وأمان وطنه ومواطنيه ويحمى إرادتهم ويساعد فى دفع عجلة التنمية لتعويض مافات فى سباق مع الزمن. الجيش المصرى رمز مصر وعزتها ووحدتها الوطنية، الذى تلتف حوله كل قوى الشعب ثقة فى وطنيته وإخلاصه وطهارته.


ولكن الذى لا أفهمه أن يهب من بين ظهرانينا من هم أشد علينا ضراوة من الإنجليز أنفسهم بل أشد شماتة من كل أعدائنا.. فهذا أستاذ جامعى - نأتمنه على تعليم أبنائنا - يصف الاقتراض من صندوق النقد الدولى بالتسول - وربما غيروا اسمه بعد ذلك إلى صندوق التسول الدولى عملا بنصيحة الدكتور - ويصف الإنفاق الحكومى على المشروعات العملاقة، بالإنفاق السفيه على نزوات الحكم. وليته كان موضوعياً فى نقده وبين لنا أين أوجه السفه وأين النزوات ، وقدم لنا بديلا علميا نناقشه معه.


ثم يترك كل هؤلاء الإعلاميين من أمثاله الذين لايتوقفون عن الكلام عن كل ماهو سلبى ولايرون بأعينهم إيجابية واحدة تعطى بارقة أمل ويهاجم الإعلام الذى يستحيى أن يتكلم عن الإنجازات كما يتكلم عن السلبيات باستحياء. بأنه إعلام هرتلة لآلة الحكم ثم يمطرنا بمفردات أتمنى ألا يكون استخدامه لها بين طلابه مثل «المخادع، والخناقة البلدى.. إلخ).


ثم يكشف عن ثقافته العربية المحزنة لمن نأتمنهم على أبنائنا - حين يشرح بغربيته المتعالية - أن كلمة السياسة فى كل اللغات الأوربية قد تم اشتقاقها من كلمة يونانية تعنى (المدنية) ومن ثم فهى تعنى فى الثقافة الغربية ماله علاقة بالشأن المدنى ، بينما هى فى العربية كلمة ترتبط ذهنيا بفن قيادة الأنعام، ومن ثم فهى تعنى فى نظامنا المعرفى «ماله علاقة بسياسة الحاكم للرعية كما يسوس السائس الخيل».


وليت هذا المتسفسط الذى لايدرى عن العربية.؟ ليته يعلم أن وظيفة السايس هى إطعام الحصان وتنظيفه وتربيته وليس قيادته لأن هذه مهمة الفارس وإذا كانت اللغة العربية اشتقت السياسة والسياسى ممن يقوم على خدمة من هو أدنى منه - فهذه قمة الرحمة فى تعتمل الرئيس مع مرؤوسيه ولك إن شئت فى حديث رسولنا الكريم (سيد القوم خادمهم) توضيح أو تقريب لهذا المعنى فليت النخبة تخبوا عن تعاليها.


وليت آدم سميث ومريديه يسوسون الاقتصاد بنفس أهداف السايس وحرصه على من يسوسه.


وبعد الدور الإقليمى لمصر الذى يتباكى عليه المتباكون من النخبة المتفرنجة ومجلة الفرنجة، الذين يحرضون على مصلحة مصر ونهضتها باعتبارها رمانة الميزان فى الإقليم وأنها إذا نهضت نهضة معها الشرق الأوسط كله وإذا أخفقت أخفق معها الجميع ، بدعوى أنهم يؤرقهم خراب الداخل المصرى بقدر مايمكن أن يسببه إذا ماوقع من إثارة سلسلة خراب - على طريقة الدمينو - يمكنها أن تدمر فى النهاية كثيرا من ركائز الاستقرار الاقتصادى الإقليمى والعالمي.


وكأن ماتلاقيه المنطفة العربية منذ العام ٢٠١١ حتى الآن هم بريئون منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب ، فضلا عن عقود مضت من السنين.


نصل إلى النقطة الخطيرة التى تسقط كل الحرج الذى يفرض موانع مناقشته ، فلم يعد الأستاذ الجليل ترى حرجا من تناولها قبل أن تستفحل الأمور فيقررها غيرنا !


فهو يقول الآن الايكونوميست -ترى وعن حق - أن الدور الاقتصادى للجيش المصرى قد تجاوز مرحلة التدخل للضرورة، إلى مرحلة التصرف وكأنه اللاعب الاقتصادى الأهم ، ورغم مابدا من كفاءة وهمية للجيش على المستوى الجزئى ، نتيجة الخلل فى حسابات التكلفة، إلا أنه قد تسبب فى مفاقمة عدم كفاءة أداء الاقتصاد المصرى على المستوى الكلى كما هو واضح للعيان من واقع كل المؤشرات الكلية”.


ثم يردف : ومن ثم فإن استمرار وتنامى الدور الاقتصادي، كما هو حادث بالفعل، وإلى إفساد كل توازناته التى أطاح بها توسع الجيش فى فرصة هيمنته على الحياة الاقتصادية.. رأى الايكونوميست هذا لاعلاقة له بالتربص بالجيش المصرى لكنه تحليل اقتصادى علمى لاعلاقة له بأى مشاعر وطنية ولا بأية توجهات تآمرية !


ومع تأكيد الأستاذ الدكتور على أنه لايرى ما حدث فى ٣٠ يونيه إنقلابا ولايزال - إلا أنه يصارحنا بما فى نفسه.


بأن ممارسات السيسى منذ توليه السلطة هى ممارسات انقلابية !


فهو يرى ترشح السيسى للرئاسة أصلا اختياراً طائشا، واستسلاما لغواية السلطة.. ويكفى أن يصبح العالم وأن يمسى كل يوم على صورة السيسى محاطا بلواءات الجيش لكى تستقر الصورة الذهنية للانقلاب العسكري.


ويكفى أن يتابع العالم حضور السيسى المنتظم للندوات التثقيفية للقوات المسلحة التى تناقش كل شئون الدولة المدنية ، كى تستقر الصورة الذهنية للانقلاب العسكرى...


يكفى أن يتحدث السيسى دوما عن المؤسسة العسكرية المهيمنة على كل شيء فى البلاد لكى تستقر الصورة الذهنية للانقلاب العسكرى.


يكفى أن يظهر فى احتفالات افتتاح التفريعة وهو فى بزة الماريشال لكى تستقر الصورة الذهنية للانقلاب العسكري.


يكفى أن تتناقل وكالات الأنباء الممارسات الأمنية والقضائية الفجة تجاة المعارضين السياسيين كى تستقر فى الأذهان صورة الممارسات الانقلابية.


ولهذا الأستاذ الدكتور أقول شكرا على ما أظهرته من مكنونات فكرك الذى لم يعد بحاجة لانتظار المزيد من العرض كى يفصح عن السبب الرئيس الذى أوصله إلى هذه الحالة من السخط.


إنه بداية لم يعلن أن ماحدث فى ٣٠يونيه انقلابا لأنه يعلم أن الدستور المصرى نص على أنها ثورة.. والشعب الذى كادت ثورته أن تتحول إلى مذبحة لولا وقوف الجيش إلى جوارها وحمايتها لايقبل أن يتطاول أحد على ثورته بأنها انقلاب إذاً المشكلة الأساسية لدى هذا الرجل تتمثل فى جيش مصر وفى قائده وليس فى دور الجيش.. ولا فى النتائج التى حققها الجيش لمصر.


أن دور الجيش فى الخدمة الوطنية لم يبتدعه عبد الفتاح السيسى ولكنه دور وطنى بدأ بعد نصر أكتوبر ٧٣ وظهر بصورة جلية عندما تولى وزارة الدفاع المشير / عبد الحليم أبو غزالة واستمر من عصر الرئيس الراحل أنور السادات إلى عصر مبارك وحتى محمد مرسى الذى لم يكن يستطع إخفاء زهوه وفرحته وهو يفتتح أحد المشاريع التى أنجزها جيش مصر.


وإذا كانت السياسة هى التى ترسم الطريق إلى الهدف.


فإن الإستراتيجية هى علم وفن حشد وإدارة الإمكانات لتحقيق الهدف وإمكانات القوات المسلحة الغير القتالية هى أحد هذه الموارد التى يتم توظيفها لصالح الوطن فى شفافية مطلقة تحت رقابة البرلمان والجهاز المركزى للمحاسبات


إن تردى الأوضاع فى شتى المجالات الفترة التى سبقت ٣٠ يونيه ٢٠١٣ لم يكن ينفع معها ذلك الروتين المريض ولا هذه الأيدى المرتعشة :


هل ماحققته إدارة القوات المسلحة للمشاريع الاستراتيجية فى هذه الأزمنة القياسية أضر بمصر :


حفر قناة السويس الجديدة أو التفريعة الجديدة فى عام واحد بأيد مصرية وتكلفة مصرية شهد لها العالم كله ؟


- إنشاء شبكة طرق حوالى ٦٠٠٠ كم على أعلى مستوى فى أقل من عامين ؟


-إصلاح ١.٥ مليون فدان وزراعتهما ؟


- إنشاء المدن المليونية الجديدة (بورسعيد - الإسماعلية - السويس) شرق القناة ؟


-المساكن الجديدة فى الأسمرات لساكنى العشوائيات ؟


- أكثر من ١٥٠ كوبري؟


- الأنفاق الأربعة الجديدة الجارى حفرها تحت القناة؟


- والكثير والكثير من المشروعات العملاقة التى تمت بأيدى مصريين فى شركات مصرية مدنية..؟


وكل دور القوات المسلحة هو حشد وإدارة الإمكانيات لتحقيق الأهداف فى التوقيتات المحدودة.


- أليس فى ذلك نقل لخبرات الإدارة لكل الشركات المدنية - ولأجهزة الدولة ؟


هل كان من الأفضل أن نسير على نفس النهج الذى لاينجز ولا ينهى مشروعاً فى توقيته - ولا بالجودة المطلوبة


لقد أعطت القوات المسلحة المثل والقدوة.


هل المشكلة فى اللواءات بزيهم العسكرى وفى الرئيس فى ببزتة العسكرية (لقد فعلها السادات من قبله ).. هل الزى العسكرى يوغر صدرك إلى هذه الدرجة لا أعتقد أن جموع الشعب المصرى تشعر بنفس شعورك.. بل إنهم يحملون له كل إحساس بالعزة والفخر.


إذا كان العسكريون فى زيهم العسكرى وهم يقتلون أنفسهم من أجل مصر كلها وأنت فيها يشعرك بهذه الكراهية لجيش بلدك..


ويجعلك دائما ترى فيه الانقلاب الذى لاتستطيع أن تصرح به فلا أجد لك عندى سوى حل واحد.. هو أن تقوم بزيارة أحد الأطباء النفسيين.. وبلاها جيش وإن شا الله تعيش.