المدارس الحكومية ..لا تعليم ولا تربية!

25/09/2014 - 10:30:35

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تحقيق: سمرعيد

لا تزال مشكلات المدارس الحكومية قائمة ومستمرة منذ أمد بعيد من دون أن يتدخل أحد لحلها، خصوصا في ما يتعلق بعدم توفير البيئة الصالحة للتعليم فيها، وهو الأمر الذي أدى إلى تسرب عدد كبير من الأطفال خارج التعليم نظرا لعدم سماح ظروف أهليهم سواء بإلحاقهم أو نقلهم إلى مدارس خاصة، ولا شك أن تزايد الإقبال في الأعوام الأخيرة على المدارس الخاصة يأتي انعكاسا طبيعيا ومنطقيا لفشل المدارس الحكومية  في تحقيق الحد الأدنى من الرعاية التعليمية الواجبة للتلاميذ بشكل جيد، فما هي مشكلات مدارس الحكومة وكيف يمكن حلها؟ هذا ما حاولنا الإجابة عليه في هذا التحقيق.


تقول فريدة والدة التلميذ محمد: ابني كان ولدا متميزا في الحضانة قبل دخول المدرسة وشهد له الجميع بالذكاء وسرعة التحصيل، ولأن ظروفي المادية لا تسمح لي بإلحاقه  بمدرسة خاصة أدخلته مدرسة حكومية يصل عدد التلاميذ في الفصل الواحد فيها 60 تلميذا، بالتالي لا يستطيع التلميذ وسط هذا العدد الكبير أن يتعلم شيئا، والمدهش أنني فوجئت بمدرسة الفصل تقول لي: ابنك ضعيف ولا يستوعب جيدا وفهمت من كلامها أنها تلمح لي بأن أعطيه درسا خصوصيا عندها، وعندما سألتها عن سعر الدرس الخصوصي قالت لي الحصة بـ 60 جنيها إذا أخذها بمفرده، أما إذا كان في مجموعة فستكون الحصة بـ 40 جنيها, مؤكدة أنه يحتاج إلى أربع حصص في الأسبوع على الأقل يعني 160جنيهاً شهرياً, كل هذا وهو لا يزال في سنة أولى ابتدائي، حرام هذا أم  حلال؟


كرامة إنسانية


ويضيف عصام الأزهري مفتش تموين وأب لأربعة أطفال: كان من أهم أهداف ثورة 25 يناير الكرامة الإنسانية، وهذا ما نفتقده  حتى الآن في المدارس الحكومية مع الأسف، فبالإضافة لاستغلال المدرسين والذي يصل إلى حد تعمد رسوب الطالب إن لم يأخذ درسا عند مدرس الفصل, ومع أننا ندفع معظم المرتب تقريبا في الدروس الخصوصية للأولاد إلا أن كرامة الطفل لا تزال مهانة داخل المدارس الحكومية, حيث يسب ويشتم هو وأهله بأقذر الألفاظ سواء من المدرسين أومن إدارة المدرسة، وأنا شخصيا عانيت من هذا فقد حدثت مشكلة بين ابني وأحد زملائه وقام الاثنان بضرب بعضهما في المدرسة, وبدلا من أن تحل الإدارة المشكلة ضرب أحد المدرسين التلميذين وفصلهما من المدرسة لعدة أيام، ثم استدعاني مدير المدرسة وحدثني بلهجة قاسية لا يوجد فيها شيء من الاحترام, والسؤال هنا: أين دور الاخصائي الاجتماعي في المدرسة؟ ولماذا لا يظهر دوره في حل مشكلات التلاميذ الحقيقية؟


النشاط صفر على عشرة


وتحدثنا علياء والدة التلميذين مها مصطفى وأحمد مصطفى: قمت بإدخال الطفلين مدرسة حكومة نظرا لإمكاناتي المادية المتواضعة, ولكني وجدت أن النشاط المدرسي يكاد يكون معدوما, حيث قامت إدارة المدرسة ببناء فصول إضافية في الفناء كي تستوعب عدد التلاميذ الكبير, وأصبحت المدرسة بلا فناء تقريبا للعب الأطفال أو لممارسة حصة التربية الرياضية, ولا توجد بالمدرسة غرفة للآلات الموسيقية لتعليم الأطفال، عزف أوتذوق الموسيقى, وأمام هذه المأساة اضطررت إلى عمل جمعية مع زملائي وأدخلت الطفلين مدرسة خاصة حتى أنمي مواهبهما وأرحمهما من التكدس في مدارس الحكومة.


التجريبية هي الحل


وترى ندى إسماعيل، مهندسة ووالدة التلميذة ريم سعيد أن المدارس التجريبية هي الحل, وتقول: سمعت كثيرا عن مشاكل المدارس الحكومية فقررت إلحاق ابنتي بمدرسة تجريبية تختار مدرسيها بعناية, وتفاضل بين التلاميذ من حيث مستوى الذكاء والاستجابة للتعليم في آن واحد, وفعلا ابنتي الآن تتعلم في مدرسة تجريبية ومستواها ممتاز, وأنا أتساءل: لماذا لم تتوسع الحكومة في المدارس التجريبية وأيضا المدارس النموذجية بمصاريف رمزية لترحم أولياء الأمور من استغلال المدارس الخاصة؟


مشاكل وحلول


وتعلق دكتورة ناهد نصر الدين عزت، خبيرة التنمية البشرية وأستاذة الفلسفة وعلم الجمال بجامعة القاهرة على هذا الموضوع قائلة: في البداية دعونا نحصر مشاكل المدارس الحكومية والتي تتمثل في أولا: الفصول عالية الكثافة التي لا تعطي للطفل فرصة للتعبير عن نفسه, ولا تعطي للمدرس فرصة كي يهتم بكل تلاميذه, خصوصا وأن مرحلة الطفولة هي أهم مرحلة حيث يتم فيها اكتشاف المهارات.


ثانيا: غياب الأنشطة ما يجعل مسألة التعليم شيئا منفرا وجامدا وقاسيا على التلميذ.


ثالثا: هناك مشكلة كبيرة في المدرسين وفي المناهج الدراسية التي تركز على الحفظ والتلقين أكثر ما تنمي مهارات البحث والاكتشاف عند التلميذ.


رابعا:عدم وجود توازن بين القوى الثلاث للطالب ألا وهي العقل والمشاعر والجسد، وعدم وجود خبراء تنمية بشرية في كل مدرسة للمساعدة على تحقيف هذا التوازن وعدم توفرالوقت الكافي لذهاب التلميذ إلى المكتبة للقراءة والاطلاع.


خامسا: تفتقد المدارس الحكومية إلى المعلم القدوة بعدما أصبح المدرس في نظر الطالب الشخص الذي يبتز أبيه كي يساعده هو على النجاح,وتستطرد محدثتنا: أما عن حل هذه المشاكل فيتمثل في النقاط التالية:


-  تغيير المناهج التي تعتمد على الحفظ والتلقين.


-  اختيار المدرسين التربويين فقط للعمل في المدارس الحكومية.


-  التوسع في المدارس التجريبية التي تجمع بين التعليم الحكومي وتعليم اللغات, وعمل مدارس حكومية بمصاريف مخفضة كي نقضي على استغلال أصحاب المدارس الخاصة.


-  تدريس التربية الأخلاقية في المدارس والاهتمام بها حتى ننشيء جيلا لديه أخلاقا بدلا من هدم الأخلاق والقيم على يد معلم غير مسئول.


-  عودة الوجبة المدرسية إلى المدارس الحكومية لتشجيع الطلاب الفقراء على التعليم.


-  وضع قوانين صارمة تحفظ للطالب وللمعلم كرامتهم داخل المدرسة.


المدرس هو المسؤول


وتنتقد د.عايدة إسكندر، أستاذة التربية بجامعة الزقازيق ما يحدث في المدارس الحكومية, وتحمل المسئولية كاملة للمعلمين, وتقول: وضعت الدولة كادرا للمعلمين ورفعت أجورهم حتى لا يجبرون الطلاب على أخذ دروس خصوصية، وأنا أقول لوزير التربية والتعليم لو أعطيت راتبا لكل مدرس 20ألف جنيه في الشهر لن يكف عن إعطاء الدروس الخصوصية, لأن المدرس يأخذ من الطالب الواحد 60جنيها في المجموعة ولو كان لديه 10 تلاميذ فهذا يعني أنه سيحصل على 600جنيه في الساعة الواحدة وهذه مهزلة كبرى، والذي يزيد الطين بلة أن المدرسين يعطون مواعيد الدروس الخصوصية أثناء اليوم الدراسي, وكأنهم يقولون للطالب إنك لن تستفيد شيئا من الحصص المدرسية وأن وقتنا للدروس الخصوصية وليس للمدرسة وطلابها, والمشكلة أن مديري المدارس يسمحون لهم بالتغيب أثناء اليوم الدراسي ويعاوننهم في إعطاء الدروس الخصوصية, ولهذا نجد أن الحضور الفعلي في الفصل الواحد في المدرسة الذي يضم 50تلميذا لا يتعدى 20 أو 25 لأن أغلبية التلاميذ يأخذون دروسا خصوصية في وقت المدرسة، وهذا الأمر جعل طلابا كثر يتسربون من التعليم حيث يجد ولي الأمر أن ابنه لا يستفيد من المدرسة في شيء ويرسب في نهاية السنة لأنه لا يأخذ درسا خصوصيا، فيفضل إخراجه من التعليم وإلحاقه بأية مهنة حتى يحصل على نقود يساعد بها الأسرة بدلاً أن يكون عبئا عليها في التعليم، والمؤسف أن أصحاب المدارس الخاصة عندما يشاهدون أحوال المدارس الحكومية يبالغون في مصاريف مدارسهم, فلا تستطيع الطبقة المتوسطة إدخال أبنائها إلى تلك المدارس التي أصبحت تتقاضى مصاريف باهظة تصل أحيانا إلى نحو 10آلاف جنيه للتلميذ الواحد فيkg1 ، وأنا أطالب السيد وزير التربية والتعليم بعمل قانون صارم يمنع الدروس الخصوصية بحيث أن أي معلم يضبط وهو يعطي درسا خصوصيا يتم  فصله تماما من المدرسة، كذلك أدعوه إلى توفير دورات تأهيلية للمعلم تجعله يدرك أن العملية التعليمية ليست للتجارة والتربح وأن عليه رسالة لابد أن يوصلها، كذلك لابد من معاقبة أي مدرس يتعمد عدم الشرح في الفصل.


مناخ غير صحي


وتقول د.صفاء المعداوي، وكيلة وزارة التربية والتعليم: ألفت كتابا صدر مؤخرا عن مشاكل التعليم الحكومي بعنوان(التعليم والمجتمع واستعادة الثقة), وتحدثت فيه عن جميع مشكلات التعليم الحكومي وقدمت حلولا لها، ونحن لابد أن نعترف بأن المناخ التربوي أصبح غير صحي داخل المدارس الحكومية, ولابد أن نعترف أيضا أن المدرس الخصوصي هو السبب الحقيقي وراء تسرب الأطفال من التعليم، كما أن هناك مشكلات متعلقة بالأنشطة داخل المدرسة نعمل على حلها بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة عن طريق استغلال مراكز الشباب لدعم أنشطة طلاب المدارس إذا لم يكن في المدرسة مكانا لممارسة النشاط ، كذلك لا توجد مسارح ولا ملاعب داخل المدرسة كي يظهرالتلاميذ إبداعاتهم وبالتالي يتقبلون اليوم الدراسي، أيضا لدينا مشكلات في المعامل خاصة بعدم توفر المواد الخام لإجراء التجارب العملية أمام الطالب وأنا أدعو الجامعات للتضافر مع وزارة التربية والتعليم لتوفير هذه المواد، كذلك لابد من استيعاب المتأخرين دراسيا داخل مدارس الحكومة، والاتفاق مع شركات أمن لتأمين المدارس بحيث تصبح مثل (سينتر الدروس الخصوصية)، ولابد وقبل كل شئ أن نبحث موضوع الدروس الخصوصية التي أثقلت كاهل أولياء الأمور وإن شاء الله سوف يتم حل كل هذه المشاكل في القريب العاجل.