تسليح الجيش ضرورة وليس تفاخراً

17/08/2016 - 1:51:55

بقلم - لواء د. محمد الغبارى مدير كلية الدفاع الوطنى الأسبق

عند بحث مشكلة أو قضية ما واختلاف فى الرأى حول أهمية موضوع تلك المشكلة أو القضية، ويتصف ذلك بالأهمية القصوى للوطن خاصة إذا كان ذلك يؤدى الى انقسام فى توجه الأمة نحو هذا الموضوع أو تلك القضية فإنه من الأفضل اللجوء للعلم والمعرفة فهما الحكم الفصل والذى يزيل أى غشاوة عن حقيقة هذا الموضوع أو تلك القضية ولذا فإن قضية تسليح الجيش المصرى وتحديثه لمواجهة ومواكبة متغيرات العصر الآن، ومتطلبات الأمن القومى المصرى هى المطروحة للجدل والنقاش بين النخبة المصرية بجميع تخصصاتها وفئاتها وامتدت إلى جزء كبير من الشعب رغم أنها قضية أمن قومى ومن اختصاص مجلس الأمن القومى المصرى ومجلس الدفاع الوطنى فقط ولذا وجب بحث هذه القضية من خلال العلوم المختصة بذلك وهى العلوم الاستراتيجية من خلال السؤال التالى هل تسليح الجيش المصرى ضرورة حتمية أو ترفيه وتفاخر ؟


فما قول العلوم الاستراتيجية فى ذلك ؟


إن العلوم الاستراتيجية تجيب عن حتمية وضرورة وجود القوات المسلحة من عدمه وإذا وجدت فهل هى كافية لمواجهة تلك الحتمية والضرورة أم لا ؟ وهنا نجد فرعين أساسيين من العلوم الاستراتيجية أولهما قوى الدولة الشاملة والثانى الأمن القومى فماذا جاء بهما وليقريرا حتميتها وضرورتها ؟


قوى الدولة الشاملة :


تتكون من ثمانى قدرات هى الكتلة الحيوية والقدرة العسكرية والقدرة الاقتصادية (القدرات الصلبة) بالإضافة إلى قدرات السياسة الخارجية والسياسة الداخلية والإعلام وتكنولوجيا المعلومات والروح المعنوية (القوة الناعمة)


الأمن القومى :


أهـــــم نقـــاط دراسته تحــــددت فى مجالاته ودوائره فأما مجالاته الثمانية فهى (السياسى-العسكـــرى – الاقتصــادى الاجتمـاعــى- الأمنــــــى- الإعلامى- الجيوبوليتيكى- البيئى) وأضيف المجال السيبـــــرانى حديثــــــا ويعنـــــى استخـدام الإنتــــرنيــت فى أعمال التجسس والتخــــــــريب ونشر الإرهــاب, وأما دوائر الأمـــــن القومــــى فهى الدوائـــــر الدوليـــة والإقليمية والعربيــــــة والمحليــــة وكلها مهددة من مخطط الشرق الأوسط الجديد.


البندان السابقان اتفقا على أهمية القدرة العسكرية للدولة متقدمة على باقى القدرات وخاصة السياسية والاقتصادية لأنها حائط الصد عن الدولة وأعمالها ونشاطها وقدر حجم هذه القدرة عند تواجدها أو تطويرها طبقا لطبيعة التحديات والتهديدات التى تواجهها الدولة حتمية مواجهة تلك التحديات والتهديدات.


التحديات :


هى ما يمكن مواجهته دون استخدام القوة مثل الفكر الارهابى الذى يمد الإرهاب بالأفراد المنفذين لأعماله الإرهابية وكذا الحرب النفسية والشائعات التى تحتم مواجهة ذلك بثقافة وإعلام وطنى متحد يعمل بفكر إستراتيجى للمحافظة على صلابة الشعب ومقاومته للفكرالمتطرف والحرب النفسية حتى لا يتحقق الهدف من تلك التحديات التى هى من أدوات الحرب من الجيل الرابع الأداة الرئيسية لتنفيذ مخطط الشرق الأوسط الكبير بالإضافة إلى الحصار الاقتصادى المفروض على مصر وتكبيل هذا الاقتصاد لإيقاف وتأخير عجلة التنمية التى هى ضرورية لتحقيق العدالة الاجتماعية وخفض معدلات البطالة والديون الخارجية والداخلية وتحقيق الأمن الغذائى وكلها من مطالب ثورتى ٢٥يناير و٣٠ يونيه.


التهديدات :


تعنى ما يلزم مواجهته باستخدام القوة أو التهديد باستخدامها وأهم هذه التهديدات التى تواجهها مصر هى تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد الذى يعمل على تفتيت الدول العربية إلى إمارات متأسلمة متطرفة عقائديا تكون مبررا لإعلان الدولة اليهودية الخالصة والعنصرية من العريش إلى الفرات وأدوات التنفيذ هى الحرب بالوكالة بواسطة عناصرالإرهاب المدعومة دوليا من الغرب وإسرائيل وتركيا وللأسف قطر وانتشاره فى العراق وسوريا وليبيا واليمن، ولم تسلم منه تونس وتم حصاره فى جزء من سيناء بالإضافة ؟إلى اختلال ميزان القوى وسباق التسلح فى المنطقة لصالح إيران وإسرائيل وتركيا خاصة القدرات غير التقليدية لبعضها وذلك بعد حظر السلاح على مصر من بعض دول الغرب ووقف المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر وكذلك زيادة التحالفات الإقليمية وسياسات بعض دول الجوار الجغرافى التى تؤثر على أمن واستقرار المنطقة العربية وتساعد على سرعة تنفيذ المخطط العدوانى بعد أن استطاعت ثورة٣٠يونيه من إيقافه مؤقتا بإنهائها حكم الإخوان المدعمين للجماعات الإرهابية لإقامة إماراتها الجهادية المتأسلمة ضمن دولة الخلافة المزعومة.


ردود الفعل المصرية:


قامت مصر باتخاذ منهج التنمية الشاملة لمقاومة التحديات والتهديدات السابقة لتحقيق أهداف ثورتى ٢٥ يناير و٣٠ يونيه وبدأت بمشروع ازدواج قناة السويس وهو عبارة عن حفر وتعميق ٧٢ كم فى منتصف القناة فى الاتجاهين والذى يحقق عبور ٦٠ سفينة فى كل اتجاه من القناة فى وقت واحد مما يدفع بنمو حركة التجارة من خلال القناة لأربعة أضعاف مما كانت عليه وبذلك تحقق مصالح مصر من زيادة فى عائدات قناة السويس ومصالح الدول الكبرى والشركات المتعدية الجنسيات وزيادة حركة رؤوس الاموال وعائدها وأرباحها وتم تنفيذه أثناء قتال الإرهاب وحصره فى سيناء مما استدعى إلى تطوير أساليب ومعدات القتال الحديثة والتى تناسب المتغيرات فى أساليب قتال العناصر الإرهابية المدعومة من الخارج بأحدث تكنولوجيا التسليح.


تجهيز مناطق استثمار عالمية فى شرق التفريعة (شرق بورسعيد) وشرق الإسماعيلية مدينة التكنولوجيا وغرب السويس مع تجهيز شبكة طرق حديثة وعلى مستوى عالمى مع توفيرالطاقة والبنية الأساسية اللازمة لمشروعات الاستثمار الجديدة كإنشاء المحطات الكبرى المنتجة للكهرباء اللازمة لضمان لعدم عدم انقطاعها مما يساعد على جلب الاستثمار واستقراره فى مصر.


إنشاء خمسة انفاق تحت قناة السويس لربط سيناء بالوادى لتسيير القطارات والعربات فى منطقتى جنوب بورسعيد وجنوب الإسماعيلية بالإضافة إلى تطوير سحارة سرابيوم لتتناسب مع عرض فرعى القناة بعد إنشاء أحدهما وتوسعة الآخر لنقل مياه النيل إلى سيناء لمشروعات الاستصلاح الزراعى ورى الأراضى المستصلحة سابقا والقديمة.


مشروع استزراع المليون ونصف المليون فدان الذى تم تحقيق مائة ألف فدان بمنطقة الفرافرة وأنتج فى أبريل الماضي، وذلك تحت ضغط ومقاومة حصار الإرهاب وعمليات تهريب السلاح على الحدود المصرية الليبية وإجهاض عملياته إذا لزم الأمر كما حدث فى الثأر لمقتل ٢١مصريا على يد عناصر من تنظيم داعش الإرهابى فى ليبيا.


الاتجاه إلى إنشاء الوحدات السكنية (مليون وحدة سكنية) للقضاء على العشوائيات وبؤر الإجرام وإمداد العناصر الإرهابية بالشباب.


لجأت مصر إلى إدخال أطراف دولية كبرى لكسر احتكار السلاح والاستثمار فى مناطق الاستثمار الجديدة وذلك لاتفاق المصالح المصرية مع مصالح هذه الدول للعمل فى السوق المصرية الواعدة مع الاشتراك بتزويد مصر بالأسلحة المطلوبة فقامت روسيا بإمداد مصر بمقاتلات حديثة وأسلحة دفاع جوى حديثة منها الصواريخ ss300 وزوارق بحرية سريعة لتأمين الساحل السيناوى بالإضافة إلى تزويد مصر بطائرات الهيلوكبتربأنواعها وخاصة k52 المكافئة للأباتشى الأمريكية والتى تعمل على الحاملة ميسترال.


التعامل مع بعض الدول الأوربية مثل فرنسا وألمانيا فى مجالى الاستثمار والتسليح وحصلت مصر على قطع بحرية حديثة مثل الفرقاطة أفريم وحماية الطائرات الهلكوبتر الميسترال وطائرات الرافال طويلة المدى والعمل مع ألمانيا على إنهاء صفقة عدد ٢ غواصة دولفين.


قامت مصر بترسيم الحدود البحرية مع كل من قبرص واليونان لما نتج عنه إضافة مائة وخمسة وعشرين كيلو متر للمياه الاقتصادية لتصبح مائتين وخمسين كيلو متر لذا فكان الدعم الفرنسى والألمانى لتسليح البحرية المصرية والروسى ضرورة لتأمين تلك المياه والاستثمار فيها.


اذا.. كان الواجب على القيادة المصرية بعد ٣٠ يونيو أن تعمل على تحديث وتطوير الجيش المصرى بعد فترة جمود منذ اوائل القرن الواحد والعشرين ليواكب تكنولوجيا التسليح الحديثة بما يكفل مواجهة التحديات والتهديدات المذكور اعلاه والتى تواجه مصر منذ خمسة أعوام فهل هذا يعتبر ترفيه وتفاخر أم ضرورة؟


اعتقد أنه حتمى وضرورى وخير ما فعلت وتفعل القيادة المصرية.