الرقابة الإدارية تعلن الحرب على فساد منظومة «ألبان الأطفال»

17/08/2016 - 2:52:32

      حملة الرقابة الإدارية للتفتيش على مخالفات لبن الأطفال عدسة: مصطفى سمك حملة الرقابة الإدارية للتفتيش على مخالفات لبن الأطفال عدسة: مصطفى سمك

تقرير: أحمد جمعة

وسط قاعة طولية، انتظر أعضاء هيئة الرقابة الإدارية لسماع تلقين قياداتهم بحضور أفراد هيئة التفتيش بوزارة الصحة، فى إطار الحملة المكبرة التى أعدّت لها «الرقابة» للتفتيش على منظومة «لبن الأطفال» وسط الأزمة الراهنة المتمثلة فى نقص الألبان فى منافذ البيع المدعمة ومراكز رعاية الطفولة والأمومة، والوحدات الصحية بالمحافظات.


سمع أعضاء هيئة الرقابة التعليمات النهائية الخاصة بالحملة المفاجئة، وانطلقت معها ساعة الصفر فى جميع محافظات الجمهورية للتفتيش على الوحدات الصحية. وفى القاهرة الكبرى وحدها تم تشكيل ١٤ لجنة من هيئة الرقابة ومعها أفراد فنيون بوزارة الصحة، اقتادوا سياراتهم فى آن واحد حفاظًا على السرية وحتى لا تستطيع أى جهة التهرب من المخالفات حال سماع قدوم أعضاء التفتيش.


جمّع المقدم عمرو إسماعيل أوراقه بعد أن خُصصت له منطقة السلام التابعة لمحافظة القاهرة للتفتيش عليها، صافح الطاقم المساعد، والمكوّن من الدكتورة منى الشرقاوى، وهى مدير عام رعاية الطفولة والأمومة بمنطقة عين شمس الطبية، والثنائى حسن أحمد ومحمد جمعة وهما بصفة مفتش مالى وإدارى شئون صحية، ثم اقتادت المجموعة السيارة عند دقات العاشرة والنصف صباحًا صوب ٣ وحدات صحية تم اختيارها من قبل هيئة الرقابة للتفتيش وبيان مدى توافر ألبان الأطفال فى هذه المناطق.


اتجهت حملة الرقابة الإدارية فى البداية نحو «مركز طبى السلام أول»، الجميع على حالته، دخل المقدم عمرو تجاه مدير المستشفى واصطحبه إلى غرف العيادات الخارجية والصيدلية، ثم طلب فتح المخزن، لينزوى يتفحص كراتين الألبان المرصوصة، على مكتب حديدى، ويُدقق فى تاريخ الإنتاج والصلاحية. بادرته دكتورة منى: «وسائل التخزين غير مطابقة للمواصفات، والغرفة غير جيدة التهوية، ويجب أن يتم إخراج المكتب الحديد واستبداله بقاعدة خشبية، كما أن المخزن بحاجة إلى تهوية ويُفضل أن يكون هناك تكييف لضمان الحفاظ على الأدوية وخاصة ألبان الأطفال منعًا لتأثرها بالرطوبة ودرجات الحرارة المرتفعة فى فصل الصيف».


تؤكد مدير عام رعاية الطفولة والأمومة، أن عبوات الألبان قد تنتهى صلاحيتها الفعلية، قبل أن تنتهى صلاحيتها الرسمية، خاصة فى حال عدم حفظها طبقًا للشروط المدوّنة عليها من الخارج، على أن تكون درجة الحرارة أقل من ٢٥ درجة مئوية. ثم نظرت تتفحص درجة الحرارة فى الغرفة فلم تجد «ترمومتر» قياس درجة الحرارة، فطلبت من عضو هيئة الرقابة تدوين تلك الملاحظة بعدم وجود أداة لقياس درجة الحرارة!


تقول إحدى الطبيبات خلال التفتيش: «الألبان متوفرة ولم تشهد نقصًا خلال الأزمة الحالية. لكن النوع الحالى أقل بكثير من الأنواع السابقة التى كانت توردها مديرية الصحة بالقاهرة، فالنوع الموجود حاليًا يُسمى «بيوميل» وتضررت منه حالات كثيرة، وكنا نرغب فى إعادة توريد ألبان (نكتاليا)». ثم اتجهت الحملة إلى فحص أوراق صرف العبوات من واقع دفاتر العمل اليومية.


يقول المقدم عمرو لـ»المصوّر» إن الاستمارات غير مستوفاة للبيانات، وهذا قد يحتمل تلاعبا فى صرف العبوات، وإعطاء غير المستحقين، وهو ما وجدناه بالفعل حين تم صرف عدد من عبوات الألبان لتوأم وهو ما يخالف القانون والأساليب المتبعة فى الصرف، مشيرًا إلى أنه أورد تلك الملاحظة فى محضر الحالة، بخلاف إضافة الحالة الموجود عليها المخزن وحاجتهم إلى تركيب تكييف للتهوية، وإصلاح ثلاجة حفظ الدواء.


عنكبوت فوق الدواء


انتقل فريق هيئة الرقابة إلى مركز طبى آخر لم يسبق الإعلان عنه، عند الوصول كُتب على اللافتة «مركز طبى العبد»، ترجل المقدم عمرو بصحبة أفراد التفتيش إلى داخل المستشفى، ثم انتقل إلى الصيدلية لفحص عبوات «اللبن الصناعى» لكن الحالة كانت أسوأ مما عليه فى المركز الطبى السابق، حيث تراكمت ذرات التراب أعلى عبوات الدواء غير جيدة الحفظ، كما لُوحظ عدم نظافة الصيدلية من الداخل واحتلال العنكبوت لأطرافها الجانبية.


قال عضو هيئة الرقابة الإدارية: «هناك سوء حالة التهوية وعدم اتباع اشتراطات التخزين، وعدم نظافة المكان، وارتفاع درجة حرارة حفظ الدواء فوق ١٣ درجة مئوية –المعدل الطبيعى ٨ درجات مئوية»، ليرد مدير المستشفى: «نحتاج للتعاقد مع عاملات جديدات، لدينا فقط ٣ عاملات، إحداهن تعمل منفردة، والاثنتان الأخريات فى إجازة مرضية، كما سبق أن أرسلنا خطابات إلى شركة الكهرباء لزيادة جهد المستشفى حتى نتمكّن من تركيب التكييف إلا أننا لم نتلق ردا بالعمل على ذلك حتى الآن».


وفاجأت سيدة تحمل رضيعها، أعضاء الحملة ومدير المستشفى، بأنها لم تتمكن من الحصول على عبوات الألبان فى مرتين سابقتين، ليطلب المقدم عمرو النظر العاجل فى طلبها وتوفير الكمية المناسبة لها، وهو ما حدث بالفعل حيث سارعت فى إحضار الأوراق اللازمة وتمكنت من الصرف.


وقال عضو هيئة الرقابة الإدارية فى ملاحظاته داخل المستشفى إنه لا يوجد انتظام فى القيد فى سجلات صرف الألبان، الأمر يسهل عملية التلاعب، كما أن هناك عمليات صرف خاطئة تتم لغير مستحقى الحصول على الألبان، ثم أورد ذلك فى محضر الحالة.


فى منشية السد.. وحدة صحية بلا طبيب واحد!


الساعة الآن الواحدة والنصف، يتحدث عضو الرقابة الإدارية مع أعضاء التفتيش عن تواجد الأطباء بالوحدة الأخيرة فى جولة يوم الاثنين، تؤكد له مدير عام رعاية الطفولة والأمومة أن الأطباء ربما انصرفوا من وحدتهم، لكنه قرر المضى قدمًا فى طريقه إلى وحدة «منشية السد العالى بالسلام».


يقف أمام باب الوحدة ينتظر قدوم أحد العمال، لكن لا أحد يتسجيب، يترجل إلى داخل المستشفى كأنه تم تشييده أمس، لا طبيب، ولا إدارى، ولا عامل، سوى كاتب الصحة وحيدًا.!


يتساءل المقدم عمرو: «فين طاقم النوبتجية؟!»، يُجيب كاتب الصحة: «كله مشى يا فندم وهطلبهم يحضروا حالا». ساعة إلا ربع مرّت دون أن يحضر أحد، حتى بدأ توافد أعضاء الطاقم الطبى والنوبتجية، يدخل لفحص الصيدلية ويجد الثلج يكسو أغلفة الأدوية مما يهدد صلاحيتها بفداحة، يقرر عضو الرقابة تحرير محضر بعدم انتظام الخدمة لتتخذ الإجراءات، ولكنه يرى أن وسط هذا فهناك حل ميدانى يتمثل فى انتظار طاقم النوبتجية لتنبيههم بعدم ترك عملهم قبل المواعيد الرسمية.


وقال عضو هيئة الرقابة فى نهاية الجولة: «الرقابة الإدارية حريصة على استمرار مراقبة الأداء الحكومى خاصة فى قطاع الصحة، وهناك لجان مرور دائمة على المستشفيات لكنها فى أغلب الأحيان تكون خارج النشر الإعلامى، كما أن هناك إجراءات رادعة تُتخذ ضد المتخاذلين فى العمل أو من يثبت بحقهم تهم مخالفات إدارية».


وأضاف: «جايين نساعد طاقم العمل فى المستشفيات ولا نتصيّد الأخطاء لهم، وهناك مرور مستمر على منافذ بيع الألبان، وهذه الحملة تأتى ضمن خطة رئيس هيئة الرقابة الإدارية، لإحكام الرقابة على تلك المنافذ فى ظل الأزمة الراهنة والتى تأثر بها قطاع كبير من الشارع المصرى، ونقوم برفع توصيات اللجان إلى وزارة الصحة لاتخاذ اللازم حيال تلك الملاحظات التى أوردناها فى المحاضر الرسمية، بخلاف واقعة الوحدة الصحية الأخيرة والتى سيجرى فيها اتخاذ قرار منفصل لإهمام طاقم النوبتجية والتى قد تشمل نقل مدير الوحدة الصحية ورئيسه وحركة تغييرات فى هذا الطاقم».


ملاحظات عامة.. وقرارات مُنتظرة


ورصدت اللجان المنتشرة بالمحافظات أن الكميات الموجودة بمركز رعاية الطفولة والأمومة لا تكفى للمستحقين، وهناك مراكز أخرى لم تصل لها كمية مناسبة من الألبان منذ شهر مايو الماضى، كما أن اشتراطات الصرف غير واضحة فى بعض الصيدليات المتعاقدة معها الشركة المصرية للأدوية، بخلاف عدم الاكتراث بشروط التخزين.


كما رصدت لجان التفتيش وجود أماكن تحصل على كميات مضاعفة من حصة الألبان عن الحصة المقررة لها، وتواجد مواطنين فى طابور المنفذ الرئيسى للدواء ومعهم أكثر من شهادة ميلاد، وتوافد مواطنين من محافظات أخرى على منافذ القاهرة الكبرى.


ورصدت لجنة الرقابة الإدارية امتناع أحد المنافذ عن الصرف وعند التفتيش تبيّن أن هناك كميات كانت موجودة داخل الصيدلية، وتم تحرير محضر بتلك الواقعة.