الأوقاف وتخبط خطط الإصلاح

17/08/2016 - 1:33:51

بقلم : أحمد بان

فى الفراغ الذى تركه الغياب الطويل للدولة بمؤسساتها، خصوصا مؤسسات التنشئة والثقافة والإعلام، تبرز مؤسستان أسهم غيابهما الطويل عن التأثير وليس الوجود المادى فى بروز نسخ متعددة للخطاب الدينى، خطاب دينى أنتجته المجموعات الحركية سلفية وإخوانية وجهادية، ظل يراكم خبراته ويستفيد من التطور فى تكنولوجيا الاتصال، ويتوسل بكل الوسائل المتاحة ويستغل مثلا أجواء الصراع بين دولة مبارك والإخوان فى ترك مساحة كبيرة للسلفيين، الذين تمدد سلطانهم فى وعى شرائح واسعة من الشعب، وما زلنا نذكر كيف كان البرومو الدعائى والفاصل المتكرر لإحدى تلك القنوات يقول شاشة تأخذك للجنة، مستغلين حالة العطش الروحى التى ألمت بالمصريين أيضا فى الاشتباك مع هذا الطلب على التدين، ومن ثم تعاظم التأثير والحضور السلفى خصما من الحضور الأزهرى ودعاة الأوقاف.


مزج السلفيون والإخوان والجهاديون لنصرة مشروعهم أيضا بين الدعاية المكتوبة والمسموعة والمرئية، فاستخدموا ما أتيح لهم من قنوات سلفية سمحت لبعض المحسوبين على الحالة الجهادية بأن يضعوا السم فى العسل، وخلف غلالة من المواعظ التى ترقق القلوب أمكن تسريب العديد من المفاهيم والمصطلحات التى عبدت طريق الإخوان بعدها، عندما ترجم هذا الالتفاف حول الكيانات الحركية بأطيافها إلى أصوات فى صناديق الانتخابات، جعلت أول برلمان لمصر بعد ٢٥ يناير برلمانا يمينيا بامتياز، يحتل فيه الإخوان الصدارة مع السلفيين مع الجهاديين، لذا لم يكن غريبا أن تهدأ وتيرة الإرهاب تماما فى سيناء خلال هذا العام، بعدما تعاظمت قناعة كل الطيف الحركى بأن طريقة الإخوان قد تجدى نفعا وتصلح بديلا عن العنف المباشر، لذا لا بأس أن نتمهل قليلا ونقبل بدول على طريقة الكفار والمنافقين، وبالديمقراطية وعبر آلياتها نغير كل شيء، وما فعله أردوغان ويفعله الآن أصدق مثال على ما نقول.


ما يهمنا أن نقوله إن غياب المؤسسات الرسمية والفراغ الذى خلفه ذلك، دفع تلك المجموعات لاحتلال مكانة التأثير والتوجيه فى الدولة، فبدا الجمهور متجها بعقله ووجدانه إلى خطاب تلك الحركات الذى وجده يحاصره فى كل مكان وعبر كل وسيلة، يفتح التلفاز فيجد الفضائيات السلفية فى إطار متنوع ومدروس تسطو على عقله ووجدانه، بعدما تحول شيوخ الكاسيت إلى دعاة يجلسون أمام الكاميرات يخاطبون الملايين بالصوت والصورة، بالرغم من أن كثيرين منهم كانوا يحرِّمون التليفزيون والسينما، لكنهم تجاوزوا ذلك تحت بند الضرورات تبيح المحظورات، وأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة وغيرها من قواعد الاستدلال الصحيحة أو الباطلة.


أطلت تلك الكيانات على الناس عبر الشاشة وأيضا عبر الإنترنت فى آلاف الصفحات والمدونات، يكفى أن تعلم فقط أن هذه المنتديات الجهادية التى زرعت بذور التكفير والعنف والإرهاب، بدأت بعشرات المواقع فى بداية الألفية قبل أن تصبح بمئات الآلاف أو الملايين، ما بين تبشير بأفكارها وتجنيد وتعبئة لأنصارها، وما تقنية الذئاب المنفردة عنا ببيعدة، وهؤلاء هم ثمرة آلاف المنتديات والمواقع الجهادية المبثوثة حول العالم، والتى تظهر عبر شركات استضافة غربية بالأساس وقد يسأل البعض كيف تحارب أوربا وأمريكا الإرهاب وهى التى توفر خدمة الاستضافة لتلك المواقع؟ والرد بسيط جدا لتحمى نفسها وتتعرف على هذا الكنز المعلوماتى الذى يمكِّنها من تأمين مصالحها مع هذه الدول، بعدما تحولت ورقة الإرهاب إلى أهم أوراق اللعبة فى السياسة الدولية الآن.


تأمل فى حجم تأثير الشبكة العنكبوتية وشبكة المواقع تلك، لتدرك أن ما تراه ويعد بعشرات بل ومئات الآلاف من المواقع والمدونات، هو الوجه الظاهر من جبل الجليد، حيث إن ماتراه هو ما يمكن أن تدركه بالتصفح العادى عبر محركات البحث المعروفة، بينما هناك تحت السطح ملايين الحسابات والمواقع لايمكن الوصول لها إلا عبر برمجيات خاصة، وهو ما يعرف بالشبكات الداكنة التى أصبحت تستهوى أيضا النابهين من شبابنا مع ما تنطوى عليه من خطورة وتأثير، امتلكت تلك الكيانات الحركية الخبرة والمبادرة، حيث ارتادت مواقع متقدمة للتأثير عبر العالم سواء عبر مراكز للبحوث والدراسات واستطلاعات الرأى حول العالم، وعبر جمهورها وقواعدها التى تنهض أحيانا بمهمة إنجاز تلك الاستطلاعات، وهى حين تقوم بذلك تجنى فائدتين الأولى دمج أعضائها فى قلب مشروعها وما ينطوى عليه ذلك من كفاءة وتجويد من جهة، ومن جهة أخرى تقلل عنصر التكلفة إلى حد كبير، أضف إلى ذلك الانتشار الجغرافى حول العالم، وما يرتبط بذلك من خبرات متنوعة وقدرة على التخفى خلف عناوين متعددة وتوسيع لحيز التطوع والعمل الأهلى.


هذا التنوع فى الوسائل والآليات يبقى مشغولا بتحقيق الأهداف والتوسل لها بكل الوسائل الحديثة والمتنوعة، لذا ستجد شركة العلاقات العامة وشراء صفحات من الصحف ذائعة الصيت والإعلانات المدفوعة فى شبكات التلفزة الدولية، فضلا عن امتلاك هؤلاء لشبكاتهم التليفزيونية بل وشركات الإنتاج الفنى وشبكات المراكز البحثية، كل ذلك يعمل على نحو متناغم لبناء الصورة الذهنية التى يريدونها، وتكريس الخطاب الذى يحقق أهدافهم وترسيخ القيم التى يريدونها والتشكيك بالمقابل فى كل ما تقدمه أو تحققه أنت، عبر خطاب مدروس بعناية وبوسائل متنوعة كما أسلفنا.


استثمرت وتستثمر تلك المجموعات فى ثلاثة ميادين هى التعليم والثقافة والإعلام وزاحمت الدولة فى تلك الميادين عبر ثلاثة عقود فقط، حتى تفوقت عليها فى تلك الميادين ولم يعد حديث الريادة سوى لون من ألوان اجترار الذكرى والبكاء على الأطلال.


فماذا فعلت الأوقاف والأزهر بالمقابل فى هذه الميادين؟


خرج علينا وزير الأوقاف المبدع بقرار توحيد الخطبة الذى تصوره العصا السحرية التى سيصلح بها الخطاب الدينى، بإصلاح خطبة الجمعة التى أصبحت فى مصر ربما المظهر الوحيد الباقى لارتباط الناس بدينهم وما يحمله من شحنة تربوية وأخلاقية، واختار الوزير أن تكون الخطبة مكتوبة ويتلخص دور الإمام فى تلاوتها وبالتالى نضمن توحيد الرسالة الموجهة للناس ونحمى المسجد من النطيحة والمتردية وما أكل السبع.


ضجت مصر بمثقفيها وعقلائها تسفه الخطوة وتعتبرها لونا من ألوان العبث، خصوصا بعد أن أبدى شيخ الأزهر نفسه غضبه من ذلك ليلتئم اجتماع بينه وبين وزير الأوقاف ليخرج الوزير فيوقف الخطوة دون إعلان، قبل أن يعود مجددا اليوم السبت ١٣/٨/٢٠١٦، مؤكدا أن موضوع الخطبة هذا الأسبوع سيكون تحت عنوان « الحج بين الرحمة والتيسير» وضرورة الالتزام بجوهر الخطبة التى أعلنتها الوزارة، وذلك على أقل تقدير مع الالتزام بوقت الخطبة ما بين ١٥ و ٢٠ دقيقة دون أن ينسى بيان الوزارة القول بأنها قد جددت ثقتها فى أئمتها وفى سعة أفقهم العلمى والفكرى وفهمهم المستنير للدين، وتفهمهم لما تقتضيه طبيعة المرحلة من ضبط الخطاب الدعوى، مؤكدا أنه من المقرر أن تنشر الوزارة فى وقت لاحق نص خطبة الجمعة المقبلة لتكون استرشادية لأئمة الأوقاف.


بينما تخوض الكيانات الحركية والإرهابية معركتها مسلحة بالمال والخبرة وبناء المؤسسات وتوسيع منابرها والتوسل بكل ما تمنحه التكنولوجيا من تأثير.


تصر الوزارة على تأبيد غربتها عن الناس، والالتصاق بما يراه الوزير الذى أثبتت إدارته للوزارة أنه غير مؤهل لها وغير مدرك لوظيفة الدعاة ومدى خطورتها على أمن هذا البلد، حيث اختزل الإصلاح فى تنميط الخطبة وتحويلها إلى بيان سياسى أو تعليمات حكومية تناشد الناس الصمت والهدوء، دون أن تنهض بدور الخطبة الصحيح فى اعتبارها الوسيلة الأهم فى إصلاح سلوك الناس وربطهم بتعاليم السماء، وتقوية الوازع الأخلاقى الذى يضمن للدولة النجاح فى تطبيق كل القوانين وإصلاح كل المرافق، اعتمادا على مواطن صالح يخشى ربه قبل أن يخشى سيف القانون، كما يبقى عبر شحنة علمية عميقة وصحية ووسيطة فى منعه من أفكار التطرف والإرهاب، مدركا دوره فى الحياة كخليفة على الأرض يحسن عمارتها بالعلم والأخلاق والمحبة والتسامح وكل ما يزخر به ديننا من فضائل وقيم.


نريد وزيرا يدرك مهمته يعرف الواقع المحلى والإقليمى والدولى، يدرك إمكانات خصومه وأدواتهم والتراكم الذى حققوه فى تلك المسائل، يدرك أهمية التعاون والتكامل مع مؤسسات التنشئة الأخرى كالتعليم والثقافة والإعلام والشباب، ويبنى خطته بالتعاون مع تلك الجهات مع إشراك علماء النفس والاجتماع والسياسة والمتخصصين فى دراسة تلك الكيانات فهم الأعرف بطرقهم والأقدر على مواجهة منطقهم.


إن وزارة الأوقاف التى تدعى مكافحة التطرف والإرهاب لم تدعُ باحثا واحدا لمؤتمر واحد لمواجهة الظاهرة للتشاور معه أو مساعدتها فى بناء خططها.


إن أداء الموظفين لن يجدى نفعا فى مواجهة دولة تواجه هذا اللون من التحديات، إن التخبط فى الإصلاح واللجوء إلى وسائل بائسة والتشخيص الخاطئ للمشكلات، لن يسعف بحل أو علاج ناجع.


نحن بحاجة إلى وزير سياسى يقف على أرض علمية راسخة، لكنه يتوفر على ثقافة وتكوين سياسى وقدرة على رفع الواقع وبناء الخطط الصحيحة للتعاطى معه، إضافة إلى ملكات ومواهب أثبت الوزير بالحال والمقال أنه يفتقر إليها، ومن ثم ستبقى خططه حرثا فى البحر وتضييعا للأموال والأوقات والجهود.