أيقونة الثورة كاسترو بلغ عامه التسعين

17/08/2016 - 1:30:59

د. نبيل رشوان الخبير فى الشئون الروسية

ربما لم تحظ ثورة مسلحة فى العالم من عداء أمريكى، بما حظيت به الثورة الكوبية التى قام بها فيديل كاسترو، رغم أنها لم تحدث فى دولة كبيرة، لكن لقرب كوبا من الولايات المتحدة التى كانت ترغب فى أن تكون الأنظمة المحيطة بها موالية بصرف النظر عن علاقة الشعوب بهذه الأنظمة، فالمهم هو ولاء هذا النظام على الأقل من الناحية الإيديولوجية للولايات المتحدة، وكلنا يعرف مدى عداء الولايات المتحدة فى الفترة الأخيرة لأنظمة مثل نظام الساندينستا فى نيكاراجوا فى ثمانينيات القرن الماضى حتى أسقطته، إلا أن النظام عاد من جديد، وسعى الولايات المتحدة لإسقاط النظام فى فنزويلا فى وقتنا الراهن، وهو نفس الأسلوب الذى اتبعته الولايات المتحدة مع الرئيس الراحل ناصر.


نعود إلى من يمكن أن نطلق عليه أيقونة ثورية، فيديل كاسترو، والذى ولد لأبوين مهاجرين من إسبانيا، درس الحقوق فى جامعة هافانا وتخرج فيها عام ١٩٥٠، وعمل فى مكتب محاماه صغير وكان يطمح فى الترشح للبرلمان، إلا أن الانقلاب الذى قاده باتيستا دكتاتور كوبا فيما بعد قضى على حلمه عندما ألغى الانتخابات البرلمانية. كاسترو لم يترك القضاء على حلمه ليذهب هكذا دون عقاب فشكل قوة وهاجم أحد المواقع العسكرية، قتل فيها ثمانين من أنصاره وحكم عليه بالسجن ١٥ عاما قضى منها ثلاثة أعوام، وأفرج عنه فى مايو ١٩٥٥، ونفى بعدها إلى المكسيك، حيث كان يوجد أخوه رؤول وعدد من رفاقه يجمعون رفاقا للقيام بثورة، وهناك التحق بهم الثائر الأرجنتينى الشهير أرنستو تشى جيفارا.


أبحر كاسترو ورفاقه من المكسيك إلى كوبا على متن قارب شراعى، وأطلقوا على حركتهم اسم ٢٦ يوليو، لم يكن كاسترو يدين بأى مذهب سياسى محدد، ورغم اتهامه بالماركسية والشيوعية، إلا أنه نفى ذلك بشدة فى أكثر من خطاب عندما قال لست ماركسيا ولست شيوعيًا، وأشار إلى أنه يسعى لتحقيق العدل بين الناس، وربما كان هذا أحد أسباب قيامه بتاميم الأراضى التى يسيطر عليها الثوار أثناء حرب التحرير، ولتفادى أى هجوم أمريكى على الثورة بعد انتصارها النهائى، مثل الذى قامت به الولايات المتحدة فى جواتيمالا، كلف أحد الرأسماليين المنتمين لأفكار الرئيس الأمريكى توماس جيفرسون وإبراهام لنكولن بالتخطيط الاقتصادى، لكنه بعد انتصار الثورة وسيطرتها على كافة الأراضى الكوبية قام كاسترو بتأميم كافة المصانع والمصارف والبنوك، ووزع بقية الأراضى على الفلاحين، وهو ما جعل الولايات المتحدة تناصب كاسترو وكوبا العداء، خاصة بعد تأميم شركة الفواكة. ومن معارك كاسترو الشهيرة مع الأمريكيين أن مصافى النفط الأمريكية رفضت التعامل مع النفط السوفييتى الذى كان تستورده كوبا حينها، فقام كاسترو بتأميم مصافى النفط الأمريكية الموجودة فى كوبا.


بدأ كاسترو تحركه العسكرى فى ٢ ديسمبر عام ١٩٥٦، وكللت جهوده بالنصر الحاسم، فى ١ يناير عام ١٩٥٩، إثر إضراب شامل شل البلاد وهروب الدكتاتور باتيستا ورئيس وزرائه إلى خارج البلاد. لكن الثورة الكوبية لم تهنأ بانتصارها على مدى تاريخها الذى قارب على الستين عامًا، فقد ناصبت الولايات المتحدة الثورة الكوبية العداء، بسبب الإجراءت التى اتخذتها الثورة الكوبية من حركة التأميمات وتوزيع الأراضى على الفلاحين وغيرها من الإجراءات الاشتراكية، فكانت أول أزمة وهى ما عرفت باسم خليج الخنازير، حيث حاولت الولايات المتحدة غزو كوبا عن طريق تجنيد وتدريب بعض المرتزقة من الكوبيين المقيمين فى الولايات المتحدة وقامت بعملية إنزال فيما عرف بخليج الخنازير، إلا أن الثوار الكوبيين ردوهم على أعقابهم ومنيوا بهزيمة قاسية، وكانت هذه أول محاولة انقلابية للتخلص من كوبا الثورة.


لم يزد هذا الأمر الرئيس فيديل كاسترو إلا أصرارًا على المضى قدما على طريق الثورة وتحدى الولايات المتحدة التى فرضت عليه حصارًا محكمًا مع محاولات لاغتيال زعيم الثورة، ربما لم يتعرض زعيم فى العالم لمحاولات اغتيال مثلها. ثم كانت أزمة الكاريبى، عندما أرسل الاتحاد السوفييتى فى ذروة الحرب الباردة صواريخ نووية لنصبها على الأراضى الكوبية، وهو ما أثار حفيظة الولايات المتحدة وفرضت حصارًا على كوبا وبدأت فى تفتيش السفن القادمة، والمغادرة لكوبا، وأصبح العالم حينها على شفا حرب نووية مدمرة، إلا أن الولايات المتحدة والرئيس الأمريكى كيندى حينها، وخروشوف السكرتير العام للحزب الشيوعى السوفييتى توصلا إلى اتفاق بأن يسحب الاتحاد السوفييتى صواريخه من كوبا على أن تسحب الولايات المتحدة صواريخها من تركيا، والشرط الأهم بالنسبة لكوبا كان فك الحصار عن كوبا وهو ما تجاهله الاتحاد السوفييتى ولم يتابع تنفيذه، وغضب كاسترو حينها لكن لم يكن أمامه بديل عن الاتحاد السوفييتى. كان اللقاء الوحيد لكاسترو مع مسئول أمريكى عندما التقى ريتشارد نيكسون وكان يشغل منصل نائب الرئيس الأمريكى، واعتذر الرئيس الأمريكى نفسه لأنه كان يمارس رياضة الجولف كما قيل حينها، لكن الرئيس كيندى طلب من نائبه معرفة الميول السياسية لكاسترو، فقال نيكسون عنه إنه «شخص بسيط وليس بالضرورة لدية ميول شيوعية».


وكما قلت من قبل كاسترو أعلنها صراحة أنه ليس ماركسيا ولا شيوعيا، فما الذى جعله مرتبطًا بالاتحاد السوفييتى. كان اللقاء الأول بين الزعيم السوفييتى نيكيتا خرشوف وفيديل كاسترو على هامش اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة، حيث لم تخصص الولايات المتحدة مكانا لإقامة زعيم الثورة الكوبية، فاتجه إلى حى هارلم الذى يقطنه الأمريكيون من ذوى البشرة السوداء والذى قدم مقر لإقامة لكاسترو وهناك التقى الزعيم السوفييتى خروشوف. كما أن اشتداد الحرب الباردة كانت سببًا فى توطيد العلاقات بين الاتحاد السوفييتى وكوبا، فموقع كوبا الجغرافى الذى لا يبعد عن الولايات المتحدة سوى ٥٤ كيلو مترا فقط، جعل من الزعيم كاسترو محل ترحيب سوفييتى، وجعل من كوبا قاعدة وفية فى خاصرة الولايات المتحدة.


تعاون السوفييت مع كوبا بكل إمكانياتهم، وظل كاسترو وفيًا لفكرة الثورة، وربما انسحب كاسترو من السلطة بعد أن أصبحب الحديقة الخلفية للولايات المتحدة تدين باليسارية وبالولاء لكوبا، فها هى البرازيل يحكمها اليسار وكولومبيا وبوليفيا هذا بالطبع بخلاف فينزويلا.


صمد كاسترو والثورة الكوبية لحصار أمريكى ظالم لا أساس له، وعندما تغيرت التوجهات فى العالم بوصول جورباتشوف إلى السلطة فى الاتحاد السوفييتى الذى كان المنفذ الوحيد والشريك التجارى الأهم لكوبا، حيث كانت تحصل منه على مواد الطاقة مقابل السكر والسيجار وغيره من الكحوليات الكوبية مقابل السلاح والمحروقات، تدهورت العلاقات نتيجة سوء الأحوال الاقتصادية مع الاتحاد السوفييتى الذى تدهور ولم يعد قادرًا على الوفاء بالتزاماته تجاه كوبا، كما أن التوجهات العامة فى موسكو كانت تقضى بتخفيف التوتر ولم تعد لكوبا أهميتها السابقة، حينها أعلن كاسترو شعاره الشهير «الاشتراكية أو الموت» صمد الرجل الذى جعل كوبا الأولى فى العالم فى مجال من أهم المجالات الإنسانية فى العالم وهو «طب الأطفال» لدرجة أن أطفال العالم الذين تعرضوا للإشعاع فى تشيرنوبل وأى مكان فى العالم كانوا يذهبون إلى كوبا للاستشفاء.


لكن يبدو أن كاسترو الأسطورة شعر فى الفترة الأولى من بداية القرن ٢١ أن التيار شديد، والاتحاد السوفييتى لم يعد موجودًا والحصار شديد، والعالم تغير، لكن كاسترو بدلًا من أن يحنى رأسه وكان هذا شر لابد منه، قرر كاسترو أن يخرج مترجلًا مرفوع الرأس دون أن يخون نفسه أو شعاراته التى رفعها طوال حياته، وترك السلطة لأخيه رؤول كاسترو الذى بدأ تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، والقيام ببعض الإصلاحات الاقتصادية التى قد تحقق بعض الانتعاش الاقتصادى وتحسين ظروف الحياة للمواطنين الكوبيين الذين أحبوا زعيمهم كاسترو، وضحوا معه برفاهيتهم وضحى معهم، والغريب أن كاسترو وبعد خروجه من السلطة منذ أكثر من ثمانى سنوات يحتفل الشعب الكوبى بعيد ميلاد التسعين، أو كما يحلو لهم أن يسمونه «عيد ميلاد القومندان» وكما كان يسميه الروس فيديل كاستروف، والذين أدركوا قيمته فى الأيام الحالية.


وعندما اتخذ كاسترو قراره بالتنحى وترك الحكم تحت وطأة ظروفه الصحية، قال كلمته المشهور «الأفكار هى الأقوى من كل الأسلحة» فى إشاره إلى أن فكرة العدل لم تهزم فهى الأقوى وسوف تنتصر. تسعون عامًا ومازال كاسترو قادرا على إدهاش العالم بصموده وإيمانه بأفكاره وسعيه لتحقيق العدل. كل طفل وكل امرأة وكل رجل وشاب وشيخ يتحدثون عن «الكومندان» بالاحترام حتى وهو خارج الحكم، ابنته التى اختلفت معه وتركت البلاد قالت إنه أبى رغم عدم وجود علاقة بيننا، وابنه تشى جيفارا قالت عنه إنه أصبح أبًا لى ولأخى بعد رحيل أبى. أى رغم أن بعضهم اختلف معه إلا أن الاحترام بقى، بعضهم يقول لقد حاول، لكنه لم يوفق كان يريد الخير لنا، كاسترو فى تقديرى الشخصى ظاهرة نموذجية لحب الشعب لزعيمه. نتمنى الصحة للقومندان، فوجوده يعطى الشعوب المطحونة الأمل. وحتى لو اختلف السياق الآن يبقى الاحترم لكاسترو كشخص وفيا لمبادئه ولم يغيرها. ورغم أنه بدأ ثورته بعد ثورة يوليو إلا أنه كان أحد روافد الإلهام لها، ورغم بدايته بعد تيتو وناصر وشوين لاى ونهرو إلا أنه واحد من جيل هؤلاء العظماء الذين غيروا مجرى التاريخ فى العالم.