وسط انشغال العالم عودة التوتر إلى جزيرة القرم

17/08/2016 - 1:29:05

تقرير: سناء حنفى

حالة من التوتر المتزايد والاتهامات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا تشهدها شبه جزيرة القرم مؤخراً. وصلت هذه الحالة إلي تهديد الجانب الروسي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع أوكرانيا بشكل كامل ونشر أسلحته في القرم بينما أعلنت كييف حالة التأهب القصوى في صفوف قواتها على الحدود، التطورات الأخيرة أثارت المخاوف من تجدد الحرب الباردة رغم استبعاد المراقبين لذلك.


تصاعدت حدة التوترات بعد الاتهام الذي وجهته موسكو إلى كييف بالإعداد لمخطط تخريبي أحبطته الاستخبارات الروسية في شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو إليها عام ٢٠١٤ بعد استفتاء اعتبره الغرب غير قانوني.


وقد ذكرت وكالة الاستخبارات الروسية»إف.إس.بي”أنها دمرت شبكة استخبارات عسكرية أوكرانية كانت تحاول اختراق القرم خلال عطلة نهاية الأسبوع وقالت الوكالة الروسية إن نيرانا مكثفة انطلقت من الأراضي الأوكرانية أسفرت عن مقتل جندي روسي وأن موظفاً في وكالة الاستخبارات الروسية مات أثناء محاولة احتجاز بعض المتسللين وهو الأمر الذي نفته أوكرانيا.


وقد استغلت روسيا هذا الحادث لنشر منظومات «إس “٤٠٠ - المضادة للصواريخ في القاعدة العسكرية الروسية قرب مدينة” فيودوسيا” في القرم وتعد هذه المنظومة هى الأكثر فعالية لصد أي هجوم جوي - وقد ذكر مندوب أوكرانيا في مجلس الأمن الدولي فلاديمير بوليشينكو إن حشد روسيا أكثر من أربعين ألف جندي على طول حدودها مع إقليم «دونباس»شرق أوكرانيا وفي شبه جزيرة القرم يعكس النوايا الروسية السيئة تجاه كييف وأن موسكو تهدف لتأجيج القتال بين القوات الأوكرانية والانفصاليين الموالين لموسكو. وقد دفع ذلك أوكرانيا إلى وضع قواتها بطول الحدود على أهبة الاستعداد تشمل هذه المناطق حدودها مع القرم التي انضمت إلى روسيا بالإضافة إلى الجمهوريتين اللتين انفصلتا عنها في الشرق وهما «لوهانسك” و”دونتسك” اللتان تدعمهما روسيا، ويرى المراقبون أن تعزيز الانتشار العسكري الروسي والأوكراني على طول خط التماس يهدد بتقويض جهود التسوية السلمية للنزاع الأوكراني، وكان الطرفان قد توصلا بوساطة من الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى اتفاقات “مينسك” عاصمة روسيا البيضاء في فبراير عام ٢٠١٥ والذي يقضي بوقف إطلاق النار بالإضافة إلى سحب الأسلحة الثقيلة والقوات الأجنبية من أوكرانيا بالإضافة إلى سيطرة الحكومة الأوكرانية على كامل حدودها مع روسيا بحلول نهاية العام الماضي وهو الأمر الذي لم يتحقق بعد لكنه أفضى فقط إلى تخفيف حدة المعارك شرق أوكرانيا.


وقد أثار تصاعد الأحداث في القرم قلق العديد من الدول الكبري ودعت الولايات المتحدة الأمريكية الجانبين إلى تجنب أي تصعيد والعودة إلى المحادثات بينما شددت فرنسا على أهمية معالجة الأزمة عبر الحوار، أما ألمانيا فقد اعتبرت ما يحدث خطوة جديدة نحو الخروج من منطق العملية السياسية وخطوة نحو المواجهة العسكرية وهو ما يثير قلقاً شديداً. في حين أعلن مسئول في حلف شمال الأطلنطي أن النشاط العسكري الأخير لروسيا في القرم لا يساعد على تخفيف حدة التوتر ودعا موسكو إلى العمل من أجل السلام ووقف التصعيد.


والحقيقة أن الصراع الروسي الأوكراني ليس بجديد وربما ترجع جذوره إلى أن أوكرانيا بلد متعدد الأثنيات والأديان واللغات وهم منقسمون بين شرق يتكلم سكانه اللغة الروسية ويؤمنون أن روسيا وطنهم الأم وكان الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش وينتمي إلى هذا الاتجاه، وبين غرب يتكلم اللغة الأوكرانية ويتطلع للانضمام للاتحاد الأوربي، وكانت المظاهرات قد اندلعت في أوكرانيا على خلفية رفض رئيسها الأسبق فيكتور يانوكوفيتش توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوربي ولم تتقبل المعارضة آنذاك الأسباب الاقتصادية التى أعلنها رئيس وزراء أوكرانيا لتجميد الاتفاقية والمتمثلة فى الأضرار الجسيمة على مختلف قطاعات الاقتصاد الأوكرانى نتيجة ضعف قدرتها التنافسية أمام المنتجات الأوربية وضرورة التوصل لصيغة مرضية لتعويض الخسارة الناتجة عن هبوط الإنتاج الصناعى الأوكرانى نتيجة دخول المنتجات الأوربية وإغراق السوق المحلية بها. وقد اعتبرت المعارضة ذلك تخليا عن الاندماج مع أوربا وتطور الأمر إلى حدوث اشتباكات بين المؤيدين والمعارضين ليانوكوفيتش الموالى لروسيا أطاحت به فى النهاية. وردا على ذلك احتل مؤيدو روسيا برلمان شبه جزيرة القرم التى تتمتع بحكم ذاتى وقاموا بتشكيل حكومة جديدة موالية لموسكو كما أجروا استفتاء حول مصير القرم التى يتحدث سكانها اللغة الروسية والذى جاء لصالح الانضمام لروسيا. وقد اشتعلت الأزمة حينما شنت كييف عدة هجمات ضد انفصاليين موالين ليانوكوفيتش فى محاولة لاستعادة المدن والبلدات الواقعة تحت سيطرتهم.. وقد أدت هذه الأحداث إلى مقتل أكثر من ٩ آلاف شخص ونزوح أكثر من ٤.١ مليون آخرين منذ عام ٢٠١٤ ونتيجة لذلك فرضت الولايات المتحدةالأمريكية والاتحاد الأوربى عقوبات على روسيا ردا على انضمام القرم إليها . واتهم أمين حلف شمال الأطلنطى موسكو بمواصلة دعم الانفصاليين فى شرق أوكرانيا .


ومما لا شك فيه أن للقرم أهمية كبرى لروسيا إذ تتواجد فيها قاعدة للأسطول السوفييتى والسيطرة عليها تعنى التحكم فى البحر الأسود والمناطق المطلة عليه. لذلك حرصت روسيا منذ تفكك الاتحاد السوفييتى فى ديسمبر عام ١٩٩١ على إبقاء أسطولها بالبحر الأسود هناك من خلال إبرام اتفاقيات مع الحكومات الأوكرانية المتعاقبة تقضى ببقاء الأسطول البحرى الروسى فى القرم حتى عام ٢٠٤٢ مقابل دفع روسيا مبلغ ١٠٠ مليون دولار سنوياً وتخغيض سعر الغاز الذى تصدره إلى أوكرانيا بنسبة ٣٠ ٪.


ويرى المحللون الغربيون أن القيام بالتصعيد الآن يمكن تفسيره بتطلع بوتين للحصول على دعم وتأييد من شعبه قبل الانتخابات البرلمانية التى ستجرى فى الثامن عشر من سبتمبر القادم . وربما يعتقد بوتين أيضا أنه مع انشغال الولايات المتحدة بالانتخابات الرئاسية وأوربا بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربى وأزمة المهاجرين كل ذلك يتيح له الفرصة لاتخاذ تحركات دون الخوف من رد فعل قوى ضده .